تخوض مصر انتخابات رئاسية هي الأولى من نوعها في التاريخ الحديث، بل ربما في تاريخها كله؛ فمهما اختلف المرشحون في فكرهم وبرامجهم ومشاربهم الفكرية، ومهما اختلفت حملاتهم بعضها مع بعض، فإن المشهد العام وأجواءه تبعث على الفخر والشعور بالاعتزاز وتقوية الانتماء لهذا الوطن: لقاءات فضائية، مناظرات، مسيرات، مؤتمرات، سلاسل بشرية...الخ، في ظل أجواء حرة، دون أن يمنعها مانع، أو تحول دونها عربات الأمن المركزي، أو يعتقل ما فيها ومن فيها!.
وإذا كان المشهد لا يخلو من جمال وجلال، فإنه لا يخلو أيضا من مشاهد تحتاج لمراجعة: سياسةً وأخلاقا واجتماعا؛ ولهذا أقدم هذه المبادرة أو هذا الميثاق الذي وضع خطوطه العامة الأستاذ الأكاديمي والمفكر الإسلامي د. أيمن الغايش.
أثناء وقبل انتخابات الرئاسة وبعدها يقوم الدعاة بدور بارز في التوعية ومساعدة المواطنين على حسن الاختيار واستيعاب المرحلة التي يمر بها الوطن، ونلخص هذا الأمر فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية في نقاط محددة؛ تخص الدعاة كما تخص المصريين جميعًا، وهي:
أولاً: قبل الانتخابات:
1- الالتزام بالقواعد التي وضعتها اللجنة المنظمة للانتخابات، خاصةً عدم استخدام المساجد والشعارات الدينية في الدعاية الانتخابية؛ وذلك لأن الدعاية داخل المساجد تحدث فتنة بين الناس، وتثير النزاع والخلاف، والخلاف كله شر، فضلاً عن أن المساجد لم تبنَ لهذا.. ولكي يكون كلامنا دقيقًا فلا بد من التفريق بين العمل السياسي والعمل الحزبي في هذا السياق، فالشأن السياسي العام الذي تكمن فيه مصلحة البلاد والعباد لا مانع من الحديث عنه في المساجد بل هو جزء أصيل من رسالة الداعية في المسجد، أما العمل الحزبي فهو الذي ينبغي أن يتجنبه الداعية في المسجد، فلا يصح أن يدعو لحزبه أو مرشحه؛ لأن هذا سيثير فتنة وخلافًا كما سبقت الإشارة.
2- توعية عموم المجتمع بمواصفات القائد- دون الإشارة إلى شخصٍ ما- خاصةً من خلال منابر المساجد؛ فبيان الخصائص والصفات والمعايير التي يتم الاختيار بناءً عليها هي وظيفة الداعية، وينبغي أن تكون عامةً، ولا تشير إلى أحدٍ بعينه، ولا يفصِّلها الداعية ليتم تنزيلها على مرشح بعينه، فهذا يستوي مع حظر الدعوة للحزبية في المساجد، ولا مانع أن يتبنى الداعية مرشحا بعينه، ولكن يكون خارج المسجد.
3- تحفيز عموم الأفراد لإبداء آرائهم والإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية؛ وذلك أن الإدلاء بالصوت شهادة، والله تعالى الذي قال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (المزمل: من الآية 20). قال جل شأنه: "وأقيموا الشهادة لله"، والله تعالى سيسألنا عن شهادتنا: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (الزخرف: من الآية 19).
4- نصيحة الأفراد بعدم التعصب لأحد المرشحين أو ادعاء أنه أقرب إلى الله من الآخرين؛ وذلك أن هذه أمور بين العبد وربه، لا يطلع عليها إلا الله تعالى: "هلا شققت عن قلبه"، وليكن الحديث حول البرنامج والمشروعات التي يقدمها كل مرشحٍ لشعبه؛ إذ التعصب لا يأتي بخير، ولا ينتهي إلا إلى الفتنة، وأحيانًا الدماء.
5 - التمسك بوحدة الصف وعدم التلاسن، وهذا التمسك ينبع من التركيز في عرض كل واحد ما عنده من خيرٍ للبلاد والعباد، وترك الهجوم على الآخرين، وتجريحهم والتشنيع عليهم؛ ذلك أن الذي يكون كل همه تجريح الآخرين والتشنيع عليهم فإن هذا مؤشر سلبي يدل على فشله، وأنه ليس عنده ما يقدمه، فيملأ هذا الفراغ بسباب الآخرين والتطاول عليهم.
ثانيًا: أثناء الانتخابات
أما أثناء الانتخابات فينبغي أن نتقيد بعددٍ من الأمور، منها:
1- المشاركة الإيجابية والتزام النظام أثناء عملية التصويت؛ وذلك لأننا في انتخابات رئاسية، وليست برلمانية، والرئاسية ستكون أضخم وأكثر اتساعًا، وانضباط الناس فيها سيضمن لها سلامتها وأمنها ونزاهتها، وسيُوفِّر الانضباط والاحترام جهدًا كبيرًا على قوات الجيش أو الشرطة؛ فإن قوات الجيش قد تفشل في ضبط الإيقاع الأمني ما لم يكن الناس منضبطين أو منظمين متعاونين في هذا، ونحن بحاجةٍ إلى أن تتم العملية بسلام ونزاهة وحب وتعاون، ولن يكون ذلك إلا بالتزام النظام، والمشاركة الإيجابية الفاعلة.
2- تنبيه الأفراد لمنع أي محاولة للتزوير أو استغلال السلطات أو اختراق الضوابط سواء من المرشحين الإسلاميين أو غيرهم؛ فنحن في مرحلةٍ فاصلةٍ من تاريخ مصر والعالم العربي والإسلامي، بل العالم كله، ويجب أن ندرك اللحظة الفاصلة التي نحياها، وأن نعيها جيدًا ونستشعر أهميتها، ومن هنا وجب على كل مواطن أن يكون حريصًا على التصدي لأي محاولةٍ توحي ولو من بعيد بالتزوير، أو الوقوف أمام أي أحدٍ يحاول أن يستغل سلطاته استغلالاً سيئًا، أو يتجاوز الضوابط الموضوعة للعملية الانتخابية، فنحن نريد أن نظهر نموذجًا مشرفًا يفخر به العالم ويشيد به، وقبل ذلك نفخر به نحن ونعتز به، ويذكره لنا التاريخ بكل فخار.
3- إظهار فضل خدمة المجتمع واحترام الكبير وتقديمه أثناء عملية التصويت، وهذا من المظاهر الحضارية التي يتميز بها المسلمون، والشعب المصري كله في الحقيقة، ولا ننسى أبدا هذه المظاهر الحضارية التي ظهرت أيام الثورة في ميدان التحرير، وقد كتبت مقالاً كاملاً أيام الثورة من واقع معايشتي للميدان بعنوان: "السلوك الحضاري لمتظاهري التحرير"، فنريد أن نستصحب هذه الأخلاق وتلك السلوكيات في انتخابات الرئاسة التي ستشهد إقبالا كبيرا، وزحاما شديدا، يستوجب التراحم، والتراضي، والحب، وتقديم القيم الحضارية التي تقضي باحترام الكبير، ورحمة المرأة والصغير.. وأحسب أن هذا خلق متجذر في التكوين الخلقي لدى المصريين، والحمد لله.
ثالثًا: بعد الانتخابات:
وهذا الميثاق أو تلك المبادرة لا تقتصر فقط بنودها على ما قبل الانتخابات أو أثناءها، وإنما تتجاوز ذلك إلى ما بعد الانتخابات، ومن أهم بنود ما بعد الانتخابات:
1- تهنئة المنتصرين وتهدئة غير المنتصرين، وأنا أحسب أن الانتخابات لو مرت بسلام ونزاهة- وهي كذلك إن شاء الله- فلن نجد مشكلات كبيرة في قبول النتيجة، وسيقبل المنتصر النتيجة كما سيقبلها المنهزم، وستظهر "روح رياضية" بين المنتصرين وغيرهم؛ لأن أجواء النزاهة والحرية لا تقتضي سوى هذا، أما إذا حدث غير ذلك- لا قدر الله!- فلن يمر الأمر بسلام، ولن يقبل غير المنتصر النتيجة، ومن ثم لن يقبل التهدئة.
2- تحفيز المجتمع للمشاركة في بناء الوطن بغض النظر عن اسم من المنتصر وانتمائه، وهذا ما يجب أن يحرص عليه الفائز، وهو أن يشرك كل المجتمع في مشروعه، وأن يتكاتف مع الجميع للتعاون حول ما فيه نهضة مصر وسعادة المصريين، وهذا لن يستطيعه فصيل وحده، حتى لو كان جماعة الإخوان، كما لا يستبعد منه أي فصيل مهما كان متواضعًا، فإن إشراك الجميع للعمل والتعاون سيوفر بيئةً متميزةً من المحبة والألفة، وسيقطع الطريق على كل متربص بهذا البلد، سواء كان من الداخل أو الخارج، وسيقصر المسافات التي يمكن أن تطول في سبيل إنهاض مصر من كبوتها، والوصول بها لمكان الريادة والقيادة في العالم كله.
3- الدعوة للحفاظ على وحدة الأمة وعدم السماح للفتن والوقيعة، وأظن أن هذا سيكون ميسورًا جدًّا، ما التزمنا بما سبق من أخلاقيات حضارية، وسلوكيات إسلامية، وأعمال إنسانية، فإن ذلك كله من شأنه أن يجفف منابع الفتنة، وأن يجعل المجتمع كله متحابًا متعاونًا متصافيًا كالبنيان يشد بعضه بعضًا: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)) (الصف)، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). (يوسف: من الآية 21).