بالأمس القريب دعاني أحد المعارف إلى العشاء في بيته بمناسبة وصول أهله من السفر، كنت هناك في الموعد، وقابلت من المعارف والأصدقاء مهندسًا وطبيبين، وانضم لنا في جلستنا المحاسب الذي دعانا، وابنته الموظفة الشابة، وعلى خلفية "سيبني احلم سيبني" لأم كلثوم دار الحوار بعد أن أطلق أحد الطبيبين شرارة النقاش فقال مشيرًا إلى: "الأخ هذا أعطى صوته لمرسي، وبدأت الجمل المدببة وغير المهذبة أحيانًا تنال من الإخوان المسلمين".

 

خمسة ألسنة تقذف حممًا، وكلماتي لا تنفع كدرع يصد أو يرد أمام الخمسة الضاحكين المستهزئين باستثناء أحدهم كان يحاول أن يتحدث بالمنطق لا بلغة الكاوتشوك والإستبن والأرز والمكرونة. 


 

فكرت لماذا أتحمل هم الدفاع عن جماعة غائبة "لا ولن أنتمي إليها"؟ لماذا أخسر الأصدقاء في جلسة كهذه مفترض أنها للود والتفاكه والأكل اللذيذ، فضلاً عن موسيقى موسيقار الأجيال وصوت كوكب الشرق؟.

 


بعد وصلة الهجوم الأولى وبعد أن قتلت رغبتي في الانصراف غضبًا واعتراضًا تناولنا العشاء ثم بدأت الوصلة الأخرى:
- "عمرو موسى رجل دولة صايع يقدر يعدي بينا المرحلة.. مش مهم خمورجي ولا منافق" هكذا اتفق ثلاثة منهم.

 


- "عبد المنعم أبو الفتوح قوي له شخصية لكن مش ممكن نختار رجل حزبه نفسه لم يختره منذ البداية".

 


قال أكثرهم اتزانًا: "لا لا لا أنت غيرت نظرتي فيك! معقولة أنت تختار مرسي؟! دول بيحرموا أم كلثوم وبكرة متعرفش حيحرموا علينا إيه؟ "هكذا قالت الموظفة الشابة.

 

- أداؤهم في البرلمان سيئ.

 

- دول بيستغلوا الأطفال في الدعاية.

- "بص بص حد بعتلي على الواتس أب" كل تبن واختار الإستبن".

- دول انتهازيين بتوع مصلحتهم، ما صدقوا قعدوا على الكرسي في مجلس الشعب.

- رجعوا في كلامهم كم مرة؟


- تقدر تقول لي رأيك في القضية اللي كانت مرفوعة على عادل إمام مش هما اللي رافعينها؟

- أنت بقى خدت شكارة رز عليها الميزان ولا شوال بطاطس؟

فوجئت بصوتي يرتفع وبأني أرد ردودًا غير متوقعة مثل "أكيد دول اللي ضد الإخوان" تعليقًا على جملة "كل تبن".

 

كما فوجئت بانفعالي بشدة محاولاً إظهار الحقائق التي أعرفها، وأبسطها أن الإخوان مهذبون حتى مع خصومهم، لم يشتموا أحدًا ولم يصفوا شخصًا بـ "الإستبن" أو... أو ... وأعمقها أنهم مضحون لم يبخلوا على فلسطين بأرواحهم ولا على مصر بنضال استدعى من النظم السابقة التنكيل بهم وتعذيبهم ببشاعة، وعلى من يريد الاستزادة يسأل العم "جوجل" بضربة زر.

 

مرورًا بخبرة عدد كبير منهم خاصة الصفوف القيادية في مجالات الاقتصاد والإدارة والتدريس والطب وغيرها، مع تنظيمهم الدقيق الذي مكن الثورة من الصمود في أخطر مراحلها (بعد التحرك الأول) أي معركة الجمل بشهادة شباب الثورة الليبراليين وغير الليبراليين.

 

ارتفع صوتي وقلت: إن السياسة تقتضي تغيير المواقف وفق معطيات الواقع وسياسة الخصم، وهذا ما يحدث في العالم على طول الخط، فلماذا نستقبله من العالم ونحرمه على حزب الحرية والعدالة، وقلت: إن الرئيس المدعوم من جماعة منظمة قوية يضمن تنفيذ مشروعه كما يضمن عدم الرجوع للخلف أو الانحراف عن الطريق، والنموذج التركي خير دليل.

 

وإن الجماعة لم تحرم إبداعًا ولا أعتقد أنها ستحرمه بل كل أدبياتها تؤكد أنها ستشجعه وسأكون أول من يعارضها إذا أقصت الفن عن حياتنا.

 


لكن بعد كل هذا، وبعد أن تسمم بدني بكلام معارفي الأعزاء وأصدقائي غير المنصف، سألت نفسي: هل يمكن أن أكتب باختصار: لماذا أتحمس لجماعة الإخوان ولمرشحهم؟ ولماذا هؤلاء الأصدقاء والمعارف يشعرون بأنها جماعة تهددهم؟
لم أجد إلا القول أن:

المثقفين يخافون على حريتهم وفنهم.


والدنيويين الذين لا يلقون بالاً بالآخرة يخافون فقد لذاتهم.


والمتاجرين الفاسدين يخافون على سد حنفية جشعهم.

والكسالى يخافون من بدء العمل الجاد.

والخانعين يخافون من ترك الميري ويرحبون بالمرمغة في ترابه.

والبسطاء يصدقون الإعلام الفاسد ولا يبحثون بأنفسهم عن الحقيقة.


لم يفكر أحد في المصلحة العامة التي سيعم خيرها على الجميع حين يمسك بعجلة القيادة رجل صالح إن استبعد أو مات خرج (من هو احتياطي) من الصالحين.

 

لم يفكر أحد في مصر التي يخاف مستعمرو العصر من قيامها وأخذها بيد أشقائها.

 


لم يفكر أحد في النظافة التي سنعيش فيها، في صحة أولادنا ومستوى تعليمهم وعملهم الذي يجب أن يكون متقنًا، وجهادهم إلصاق وقت الجهاد الذي فيه الشهادة أسمى الغايات.

 


لم يفكر أحد في الآخر إنما نفكر في أنفسنا بنظرة ضيقة لا تستوعب إلا "إستبن" أو كيس بطاطس أو سيجارة حشيش أو ربحًا حرامًا أو رقصة مبتذلة على واحدة ونص.

------------------
* صحفي في الأهرام