عقب نجاح ثورة 25 يناير بأيام معدودات وبالتحديد عقب إعلان نتائج استفتاء مارس 2011م، بدأت حملة منظمة وممنهجة للهجوم على كل ما يمت للإخوان بصلة، أشخاص وهيئات وقرارات وأفعال وأقوال.

 

وأحسب أن ذلك كان نتيجة استشراف البعض لما سيحدث في أي استحقاقات مقبلة؛ حيث أعلن الشعب المصري عن ثقته في التيار الإسلامي وفي خياراته وانحاز له، وهو ما اعتبرته النخبة أو بعضًا منها تحديدًا انتكاسة لها لأنها كانت تعتبر نفسها الموجه الوحيد للشعب والصانع المؤثر للرأي العام، فإذا بالواقع يدحض ذلك ويبين أن الشعب أصبح أكثر وعيًا من بعض ممن يسمون أنفسهم بالنخبة، وأنه شب على الطوق وأصبح يأخذ قراره بنفسه وبمساعدة من يثق فيهم وفي قدراتهم وفي إخلاصهم، وليس ممن يتسابقون على الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة لمعارضة وتسفيه كل ما تأتي به الإرادة الشعبية.. لأنهم اعتبروا أنفسهم محتكري الثقافة والعلوم والفنون والإبداع ولا يحق لأحد سواهم الحديث عن النخبة غيرهم، ونسوا أو تناسوا قول من سبق "إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي" فالعبرة بالعمل والقدوة الصالحة لا بالكلام المعسول.

 

الواضح أن بعض ممن يدعي أنه من النخبة ويعرف نفسه بذلك نسى أن الشعب أصبح سيد قراره وملك إرادته بعد أن سلبها منه نظام مستبد؛ ولذلك نجد أن في جميع أطروحاتهم لحل أي من قضايا مصر لم يطرح فيها اللجوء للشعب كمصدر للسلطة، ولكنهم يتحدثون عن: "التوافق فيما بيننا الاختيار من بيننا، عدم وعي الشعب، عدم قدرة الشعب على تقرير مصيره..." إلى غير ذلك من إدعاءات فاسدة، بل وصل الأمر ببعضهم باتهام الشعب أنه لا يعرف الفرق بين الديمقراطية وقرص الطعمية، وإلى مناداة بعضهم بالتصويت التمييزي بحيث يحصل غير المتعلم على نصف صوت والمتعلم على صوت كامل، ولم يحدد لنا مواصفات المتعلم وهل هو من حصل على الشهادة الجامعية أو ما بعدها، وما هو موقف من حصل على أكثر من دكتوراه مثلاً.

 

بل وتعدى الأمر حد النقد إلى التجاوز غير المقبول في النقد ثم ترديد الأكاذيب والتعامل معها على أنها حقيقة واقعة وتحليلها والحديث عن مخاطرها وأثرها والتفنن في ذلك، في محاولة للتأثير على المتلقي وإيهامه بما يريدون وليس بالموجود على أرض الواقع، في محاولة لتزييف الحقائق وتزويرها.

 

وقد انسحب هجومهم أيضًا على مجلس الشعب المنتخب والمعبر الحقيقي عن الشعب، وبدءوا في الهجوم عليه منذ الأسبوع الأول لانتخابه وللآن يتم تسفيه أي قوانين تصدر عنه ويعارضونها ويفندونها، ولا أدري أين كانت هذه العقول الألمعية والأفكار الأوزعية أثناء النظام السابق ولماذا لم ينبروا لمهاجمته والتصدي لفساده وإفساده وبيان الحجج القوية والبراهين الدامغة على ذلك.

 

وعندما يتم الحديث عن إنجازات مجلس الشعب والقوانين التي صدرت عنه، يتم مهاجمة من يتحدث عن ذلك ويتهمون الإخوان بمحاولة الاستئثار بإنجازات مجلس الشعب، ولا أدري هل هناك إنجازات لمجلس الشعب أم لا؟! أم أن المقصود هو مهاجمة الإخوان على كل حال؟!

 

إن ما تمارسه بعض ممن يسمون أنفسهم بالنخبة هو قمة الابتزاز السياسي للبحث لأنفسهم عن دور في الحياة السياسية وبخاصة بعد أن لفظهم الشعب والتفَّ حول النخبة الحقيقية؛ المحتكة بهم والساعية لمصالحهم والمعبرة عنهم وليست المعزولة في الأستديوهات المكيفة.

 

كما أنه تجسيد واضح لدكتاتورية الأقلية وفرض رأيهم وخيارهم بسياسة الصوت العالي وتشويه أي قرار أو رأي يخالف وجهة نظرهم أو توجهاتهم.

 

إن هذا لا يعني أبدًا التذمر أو الضيق من النقد البناء والمعارضة الهادفة، ولكنه رفض للتجني وتصيد الأخطاء ورفض الإرادة الشعبية ما دامت لم توافق هوى البعض وتوجهاتهم ويبذل كل الجهد لفرض رأيه وتسفيه الآخر مستغلاً وسائل الإعلام في ذلك.

 

إن مصر الآن في أحوج ما تكون لجهد المخلصين من أبنائها والتكاتف لإعادة بناء ما أفسده النظام السابق، وأحسب أن صاحب الدور البارز في ذلك هم النخبة الحقيقية التي تبحث عن مصلحة الوطن الحقيقية وتنحاز لها وتقدم خبراتها لبناء الوطن، وتوظف جهدها وعلمها للتعبير عن الإرادة الشعبية وتحقيقها واقعًا ملموسًا على أرض الواقع، إن الدور الحقيقي لما يمكن تسميته بالنخبة هو صياغة وتوجيه الرأي العام لما فيه صالح البلاد والعباد وتوضيح إيجابيات وسلبيات كل قرار أو اختيار، بحياد تام وليس لهوى متبع أو هدف شخصي، والقبول بإرادة الشعب واختياراته وليس توجيه الدفة لمواجهة فصيل معين ومحاولة النيل منه وتسخير جميع الإمكانيات لتشويه صورته وقراراته وشيطنة كل ما يصدر عنه أو منه أو له.