لا أتصور عاقلاً يقع اختياره على أحد (الفِِلِّيْن) المرشحيْن للرئاسة، وكيف يحدث هذا ونحن قريبو عهد بما فعله سلفهما وولي نعمتهما، وقد كانا- في أوج فساده وجبروته- من خدامه وحاملي سيفه، يدافعون- بالباطل- عنه وعن نظامه البائد؟!.

 

ولا أعتقد أن هذين الشخصين يختلفان عن المخلوع في شيء، إن لم يزيدا عليه؛ رغبة في السلطة رغم سنهما الطاعن، وعنجهية وكبرا، وحرصًا على الخضوع لأمريكا، والتزلف لإسرائيل، والترصد للدعوة الإسلامية وأبنائها، والحيلولة دون حدوث تغيير ينقل مصر من حال الفقر والتبعية إلى حال الغنى واستقلالية القرار.

 

كما ليس هناك أجرأ على افتعال الأزمات من هذين الرجلين، ففي الوقت الذي لم يُحكم فيه بعد على قتلة الثوار، ولم يزل سلفهما في السجن ينتظر حكم القضاء- قاما بالترشح للرئاسة، وادعيا البراءة والنقاء الثوري، كمن قتل قتيلاً ثم سار في جنازته!!.

 

وكيف يختار عاقل أحدهما، ولم يسمع أن كليهما قد تبرأ مما فعل القاتل الأكبر، أو حتى امتعض لما يحدث، بل رأينا كيف تم اختيار أحدهما ليكون رئيسًا للوزراء؛ أملاً في إنقاذ نظام سيده وولي نعمته.. أما الآخر فقد ظل يعمل لسنوات في وزارته السيادية، ومن بعدها في جامعة الدول العربية، فما خلّف وراءه سوى الخزي والعار؛ حيث تدنت علاقاتنا بالجميع، عربًا وأغرابًا، وانتهكت حرمات المسلمين في فلسطين والعراق وغيرهما من البلاد، فما رأينا منه سوى الضجيج والتصريحات العنترية التي لا طائل من ورائها.. ولقد أعلنت منظمة العفو الدولية- في وقت مبكر- أن مصر متورطة مع الولايات المتحدة الأمريكية في اتفاقيات ثنائية بين الدولتين في قضايا تعذيب المعتقلين المتهمين من شتى الجنسيات على أرض مصرية بمعرفة (خارجيتنا).. والسؤال: ألم يشارك هذا الرجل في عمليات التعذيب بالوكالة التي كانت تُجرى على أرض المحروسة؟!.. أرجو أن يجيب عن هذا السؤال، ويبرئ نفسه من تلك التهمة، وهو الذي يفخر- زروًا- في مؤتمراته ولقاءاته، بأنه وقف في وجه النظام البائد، وصحح له أخطاءه.

 

وماذا سيفعل هذين الهرمين مع (مصر الجديدة)، وقد شبّا وشابا فلا يعرفان سوى المخلوع، ولا يجيدان سوى لغته، وسياساته، وعلاقاته ووجهات نظره؟! وهل سيحترمان الشعب، ويعترفان بحقوق البشر؟!؛ وهما اللذان لم يعرفا شيئًا من هذا، وإنما عملا ضمن نظام عربيد ومع رئيس استكثر على شعبه أن يكون له حق في حياة إنسانية كريمة.

 

وأنبه كل من يختار أحدًا من هذين الشخصين، بأنه سيعيد باختياره إنتاج النظام البائد والعصر الرديء، ذلك النظام الذي أدمن إرهاب شعبه، وكبل حرياته، وحكمه بالطوارئ طوال سنينه الثلاثين السود.. وسوف تتكرر ظاهرة الحزب الوطني، بتسلطه وفساده، وبيعه مقدرات البلاد لصالح حفنة من رجال الأعمال وتجار الكيف، وسوف يعود الجلادون لتعذيب وقتل المواطنين، وانتهاك حرياتهم وحرماتهم، واعتقال كل من تسول له نفسه مجرد انتقاد النظام أو الإساءة إلى أحد أركانه.

 

إن المرشحين الاثنين اللذين يتحدثان عن الجنة الموعودة للمصريين إذا حكما، كانا شريكين للفاسد في تحويل مصر إلى معتقل كبير، حتى أصابها الفقر والمرض والجهل، وقد وقفا متفرجين عندما قال المخلوع بلسان الحال: أليس لي ملك مصر، وأعد نجله للحكم، وجهز له جيوش الأمن المركزي كي تحمي ظهره وتسانده حتى يصل إلى الرئاسة، وهما اللذان سمعا عن قتل أعضاء الجماعات الإسلامية، واعتقالات الإخوان ومصادرة أموالهم، فما سمعنا أحدهما قد أمر بمعروف أو نهى عن منكر.. لكننا نسمعهما اليوم يدِّعيان وقوفهما في وجه الفساد ومواجهة الاستبداد.

 

إننا- الآن- على مفترق طرق، ما يقتضى التريث في الاختيار، والتمهل حتى عبور هذه المرحلة، وألا نعطي صوتنا لمن كانوا عونًا للفاسدين؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فمن أعان ظالمًا وأقره على ظلمه، لا يمكن أن يتحول في عام ونصف العام إلى ملاك طاهر يبغي العدل ويريد السلام.