يتردد مصطلح الرعيل الأول للإخوان المسلمين كثيرًا في سياقاته، ولم ألتفت إلى واقع الكلمة ورجالها إلا حينما عايشت أحد هؤلاء فترة من الزمن، إنه الحاج موسى جاويش الذي توفي الخميس 2012.5.10م تاركًا وراءه أثرًا هائلاً في نفوس كل من عرفوه أو عايشوه.
وبصراحة لم تكن تلك ميزة تفرد بها الحاج موسى جاويش وحده، إنك تستطيع أن تلاحظ ذلك بسهولة في كل رجالات هذا الجيل من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، قدرة عجيبة لدى هؤلاء الرجال على الجذب، ما إن تقترب منهم حتى تجد نفسك لا تملك إلا أن تقترب أكثر فأكثر، في حالة نفسية وروحية يصعب وصفها، كأنك أمام طاقة هائلة كامنة، لا تستطيع أن تحدد مصدرها بدقة لكنك تستشعر قوتها بسهولة، فلا قدرة لك على مقاومتها، لا تملك إلا أن تستسلم لتلك الطاقة، تمامًا كفكرة الأقطاب وما يدور في أفلاكها، ما زلت أذكر كلمات الأستاذ عمر التلمساني وهو يتحدث عن معنى قريب من ذلك عن الإمام الشهيد حسن البنا فيقول: "كنت بين يدي الإمام البنا كالميت بين يدي مغسله"، فهذه المشاعر التي يصورها الأستاذ عمر التلمساني يصعب على كثيرين أن يدركوها لأنها لا توصف، إنها تحس، ساعتها فقط يتضح المعني ويستقر.
لقد سمعت روايات كثيرة عن الشيخ حسن عليان (أبو نص)- رحمة الله عليه- لكني للأسف لم ألقاه، كل الروايات والمواقف عن الشيخ حسن وإخوانه من الرعيل الأول تؤكد أنك أمام جيل رباني فريد، صنعهم الله عزَّ وجلَّ على عينه، ليحملوا رسالته ويبلغوا دعوته، فانطلقوا في ربوع الأرض، لا يلوون على شيء، حاملين الراية، قاصدين الغاية، صابرين محتسبين لما ينالهم في سبيل الله، ينتظرون جزاءهم في الآخرة ممن كلفهم، شعارهم (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ 109) (الشعراء)، فقُتل من قتل، وسُجن من سجن، وعذب من عذب، آهات وأنات وجراحات وآلام، صفحاتها تنأى بها الكتب، لكن الراية ظلت مرفوعة، لتنتقل من جيل إلى جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد كان الحاج موسى جاويش واحدًا من هؤلاء العظماء، لا يكاد يلتفت إليك نظره من فرط بساطته، لكن ما إن تعرفه وتقترب منه إلا أيقنت أنك أمام مجاهد صلب، قضى زهرة شبابه في المعتقل، ما يقارب العشرين عامًا، ذاق خلالها أبشع صنوف التعذيب، فلم يتنازل أو يلن، لم تهزه المحن، ولم تغره الفتن، حين كان بإمكانه بكلمة تأييد واحدة أن يخفف عن نفسه، في إباء عجيب وبطولة فذة تعيد للأذهان بطولات الصحابة الكرام، والمجاهدين العظام على مرِّ التاريخ.
تأمل معي هذا الثبات العجيب أمام الفتن والصعاب، ستفهم الآن سر قوة الإرادة والعزيمة لدى الإخوان المسلمين، إنها تاريخ من النضال والكفاح، تاريخ من الثبات أمام الفتن والمغريات، جيل وراء جيل، وجيل يسلم جيلاً حتى يتم الله الأمر أو نهلك دونه.
لقد عرفت الحاج موسى مؤمنًا بربه، إيمانًا عميقًا ينساب إليك أنت، فيريح نفسك ويذهب حزنك، وينفرج همك، وينفك كربك، ينساب إليك أنت فيزيدك أنت إيمانًا ويضفي على روحك أنت بهجة وسعادة، إيمان عميق كان يدفع صاحبه ليقوم في السحر يناجي ربه، يبتهل ويتذلل إليه أن يقبضه الله وهو راض عنه كما أسر لي ذات مرة، إيمان عميق يملأ القلب فتخرج الكلمات كأنها سهام توقظ القلوب، وتنير العقول، وتنبه الغافلين، إيمان عميق ملأ القلب فلم يدع فيه مكانًا لبغض أو كراهية، أو حقد أو حسد، إذ كيف لمن عرف حقيقة الدنيا أن يحسد عليها أحدًا؟ إيمان عميق يدفعه وهو ذو الثمانين عامًا أن يتحرك حركة دائبة كشاب عمره عشرون عامًا وربما أفضل، فلا يضيع مناسبة إلا وله فيها أثر، لا يترك واجب عزاء، لا يتأخر عن مريض أو مأزوم، فتجده أول المهنئين في الفرح، فكان أول من هنأني في زواجي رحمه الله، حتى قبل أهلي، ودائمًا ما تجده بجانبك في الطرح، فكان إيمانه يحركه دائمًا حركة إيجابية دءوبة دون كلل أو ملل أو ضجر أو تأفف، بل كان يقوم بكل ذلك وهو رضي النفس مرتاح الضمير.
مع الحاج موسى جاويش تجد نفسك أمام زاهد متصوف ذاق الموت وعايشه أكثر من مرة، فعرف حقيقة الحياة وقيمتها ووزنها الحقيقي، فلم يعد له تعلق في الحياة ذاتها، إنما يحيا للهدف الذي خلق من أجله، علم أنه لا محالة ميت، فلم يقصر في عمل، فيومه في الغالب مملوء بالعمل، لا بالكلام، تجد نفسك أمام زاهد ينتظر لقاء ربه ويعد العدة ما استطاع، فكل يوم جديد بالنسبة له فرصة جديدة يزيد فيها من رصيده عند ربه، في سهولة ويسر وبعد عن تعقيد وتنظير.
تجد نفسك أمام داعية ملكت دعوته عليه لبه وجرت بين عروقه ودمه، فصارت عنده أعز من دمه، يبذل من أجلها الغالي والنفيس ولمَ لا؟ أو ليس العمر هو أغلى ما يملك الإنسان؟ لقد أعطاها زهرة شبابه راضيًا محتسبًا، ثم تراه يقول: "نحن لم نقدم شيئًا للدعوة"، لا تكاد تسمع منه كلامًا صريحًا عن السنون التي قضاها وراء القضبان، فلم يقل يومًا "أنا"، وبعضنا ممن لم يبلغوا الحلم في العطاء لا تكاد تسمع منهم إلا "أنا".
كانت دعوته التي ضحى من أجلها بأغلى ما يملك هي أغلى ما يملك، يفوق حبها عنده المال والولد، فكانت الدعوة هي معشوقته التي يتغنى بها في كل جلسة، كأنك أمام عاشق ولهان، متيم بمعشوقته، يفديها بروحه إذا لزم الأمر، فعلى الرغم من مرضه وكبر سنه لم يتأخر يومًا عن تكاليف الدعوة وتبعاتها الشاقة، ينتقل من مدينة إلى مدينة، من جلسة إلى أخرى، من عمل إلى عمل، وإذا قلت له "صحتك" يذكرك بكلام للشهيد محمود يونس رحمه الله، حينما كانوا يقولون له "إن لنفسك عليك حقًا" فيرد الشهيد محمود يونس "وحقها علي أن أفنيها في سبيل الله"، كان الحاج موسى رحمه الله يصعد إلى الطابق الخامس رغم مرضه، ليحضر لقاءً أو عملا دعويًّا، وأحيانًا نحمله على كرسي شفقة عليه، ولما كنا نقول له لماذا لا ترفض؟ كان يجيب "لا تطاوعني نفسي أن أُدعى ولا ألبي".
كان يسافر من محافظة إلى محافظة متحملا مشاق السفر التي تنهك الشباب، فما بالك بالشيبة المرضى، يفعل كل ذلك في حب وتفان عجيب، لا يدركه إلا من ذاق حلاوة التضحية وطعم العطاء.
تجد نفسك أمام أب حنون لكل من حوله، يلجأ إليه الصغير قبل الكبير إذا حز به أمر، يهتم لأمرك وينشغل بأحوالك، يسأل عنك إذا غبت عنه، ويعرض عليك مساعدته قبل أن تطلبها، وإن قصدته لم يخب رجاؤك فيه، يبذل قصارى جهده ليرى البسمة على وجهك، وإذا اشتدت الأمور وليس للبشر بها طاقة تراه يردد "سلمها لله وارتاح وهو بيده المفتاح".
تجد نفسك أمام روح شفافة صادقة، تمامًا كأنك أمام طفل صغير هادئ، باسم، تسر رؤيته كل من تطلع إليه، روح شفافة صادقة مع كل الناس، فتجد له مكانًا في قلوب كل من عرفوه، فكيف بمن عايشوه وصاحبوه؟ روح شفافة صادقة تتسلل إلى روحك فتتلاقى الأرواح وتتعانق دون تكلف أو تصنع.
تجد نفسك أمام صديق وفي وأخ محب لك وناصح أمين، رغم فارق السن لكن الأرواح إذا تلاقت لا يعوقها شيء، يفهم معنى الأخوة ويقدرها قدرها، فيسافر 300 كيلو متر في الحر الشديد ليزور أخًا له لم يره منذ فترة، دائم الود لإخوانه، كان يمارس الدعوة ويعيشها في الواقع تطبيقًا وليس تنظيرًا، يطبق الأخوة والإيثار في مواقف عملية، لا في خطب رنانة جوفاء، عندما ترى رجالات هذا الجيل، ترى البراءة في لفظاتهم وحركاتهم وسكناتهم، براءة لم يلوثها دخن أو سوء طوية.
من عرف الحاج موسي يدرك أنه أمام مرب رفيق، قلبه مملوء بالحب فيفيض على من حوله حبًّا وصفاءً، يتقن لغة القلوب، فيصل إلى محدثه من أقرب طريق في قدرة عجيبة على التواصل مع كل الطبقات والفئات بين أهله وعائلته، بين جيرانه ومعارفه، تجد الشباب يتوافدون إليه جماعات، وفي مجالس الرجال والجلسات العرفية تجد له نصيبًا في الإصلاح بين الناس وفض المنازعات، والأخوات يجدن فيه الأب الحنون، حتى الأطفال الصغار كانوا إذا خالطوه مرة تذكروه ولم ينسوه، فقد صحبت الحاج موسى رحمه الله مرة في رحلة وبعدها بفترة إذا بابني ذي الخمسة أعوام يقول: "أنا عايز أروح رحلة زي ما روحنا مع عمي الحاج موسي".
كان الحاج موسى- رحمه الله- يلفت الانتباه لما قد يقع من دون أن يجرح أو يعنف، يؤدي النصيحة على أفضل وجه، ويقبلها على أي وجه، يشاور من معه في أمره ولا يستقل برأيه حتى ولو كانوا في سن أولاده، صدره وبيته مفتوحان للكل، إن طرقت الباب وناديت "يا عم الحاج"، سمعته متهللاً يقول لك: "أهلاً أهلاً" قبل أن يعرف حتى من أنت.
هكذا عرفت الحاج موسى وصحبته في حله وترحاله، ولم يكن الحاج موسى وحده كذلك، بل كل هذا الجيل الرباني من الرعيل الأول الذين اختارهم الله ليكونوا قدوات لنا بعد رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين، قدوات عاشوا بيننا، في نفس زماننا، فكانوا عونًا لنا، وسيكونون حجة علينا، إن نحن قصرنا يومًا أو حدنا.