لا شك ونحن في خضم هذا النقاش الهائل حول مرشحي الانتخابات الرئاسية، وفي القلب منها مرشح الإخوان الدكتور محمد مرسي، وحملة التشويه المتعمدة ضد الإخوان ومواقفهم، جعلتنا نوقن أن فنَّ الحوار وقواعده السليمة التي تهدف إلى نجاحه، ستلعب دورًا كبيرًا في إقناع الكثيرين ممن التبس عليهم الأمر ونجح الإعلام في خداعهم، بما يزيل تلك الغمامات الفكرية لتتضح الرؤية بإذن الله أمام أحبائنا وأصدقائنا، وأن الدخول في الحوار بآليات تهيئ الطرف الآخر للاستماع للحقائق، ثم الاقتناع بها، وبالتالي تغيير رؤيته شيئًا فشيئًا، أصبح أمرًا مهمًّا، بدونه سنتعرض لعقبات كثيرة، قد تدفع بالحوار إلى اتجاه لا نريده، فنخسر ما كان يمكن أن نكسبه، ونفقد من رصيدنا ما كان يمكن أن نزيد.
من أجل هذا كان للحوار في الإسلام قيمة كبرى، بعد أن قرر حقيقة الاختلاف الكبرى بين البشر، وحاجتهم إلى الحوار بين بعضهم البعض كأساس طبيعي وحتمي للتعايش بينهم وتبادل الأفكار، (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة: من الآية 48)، ولذلك اهتمَّ الإسلام بوضع قواعد وآداب للحديث مع الآخر تضمن الاحترام المتبادل وتضع أرضية صالحة وصحية لتبادل الأفكار، ومن أجل هذا جاءت آيات القرآن دالة على أهمية الحوار وآدابه في الإسلام:
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)) (النحل) وانطلاقًا من أهمية الحوار التي اهتم بها الإسلام اهتمامًا كبيرًا، فإننا نستطيع أن نصل إلى معدلات نجاح كبيرة فيه، إذا ما طبقنا بعض القواعد أثناء حوارنا مع الآخرين في حملة الانتخابات الرئاسية:
انصت جيدًا لم يتحدث أمامك، وتقبل كل اتهاماته مبتسمًا واثقًا دون أن تقاطعه، فالإنصات يعطي لمن أمامك انطباعًا باحترامه، خصوصًا إذا ما بادلته اهتمامًا بإشارات العيون والوجه، كما أنه يشعره بأنك متفاهم، وإنك تريد أن تسمعه، كما أن الصمت يعطيك أنت فرصة جيدة لتأمل العبارات وتجهيز الرد.
ابحث عن نقطة اتفاق مهما كانت مساحة الخلاف، حتى وإن وصلت مساحة الخلاف إلى 99 في المائة، ابحث عن الواحد في المائة وانطلق منه، هذه الطريقة تنقل الحوار من دائرة الصراع والمنافسة، إلى دائرة التقارب والتعاون، وهو ما يُمهِّد للاتفاق نحو نقط محددة.
مثال: عندما يصل الإخوان للرئاسة فالذي سيراقب الحكومة نفس التيار، وبالتالي لن تكون هناك رقابة قوية.
من الممكن أن نقول: أنا أتفق معك بأن هذه وجهة نظر سياسية موجودة على الساحة بالفعل ولها منطقها، ولكنها ليست الوحيدة في كل البلاد التي نجحت في النهوض ببلدها، ولنتفق أن هناك نظريتينِ سياسيين في هذا لشأن، كل نظرية لها مميزاتها وعيوبها، النظرية الأولى هي أن تكون الحكومة والمجلس التشريعي والرئيس من تيارٍ واحد، وميزة هذه النظرية أنها تحقق التفاهم بين الأطراف ويمنع الصراع والشلل السياسي، وعيوبها ضعف الرقابة التي يصبح المتصدر لها بقوة الشعب نفسه ومنظمات المجتمع المدني، وخير مثال على ذلك هو تركيا، التي طبقت نفس النظرية ونجحت بها نجاحًا مبهرًا.
والنظرية الثانية هو أن يكون المجلس التشريعي من تيار والرئيس والحكومة من تيارٍ آخر، وبالتالي تقوى الرقابة، ولكن التخوف الآن من أن يستمر الصراع إلى مدى يمنع أي طرف أن يحقق أي إنجاز، ونحن نرى أن البيئة السياسية الآن مؤهلة بشدة لهذا الصراع.. ولذل فنحن نفضل الطريق الأول في هذا التوقيت.
- عند الهجوم الشديد استخدم أسلوب الأسئلة للطرف الأخر، وهو أسلوب أن تضعه مكانك في المشكلة، ثم تسأله عن كيفية الخروج منها، مع مراعاة أن تُنفذ هذه الطريقة دون تحدٍّ، أو إفهام الطرف الآخر أنك تريد هزيمته وإذا شعر بذلك، فحاول تصحيح الموقف لحفظ ماء وجهه.
مثال: الإخوان يريدون أن يستحوذوا على كل شيء.
يمكن أن توجه إلى مَن تحاوره الأسئلة الآتية:
ما الموقع التنفيذي الذي يُسيطر عليه الإخوان الآن: هل هناك وزير من الإخوان؟ هل هناك محافظ من الإخوان؟ هل هناك رئيس حي من الإخوان؟ هل الحكومتان اللتان جاءتا بعد الثورة كان بهما أي فردٍ من الإخوان؟ فهل ترى بعد كل ذلك أن الأخوان هم الذين يستحوذون؟
استخدم الأمثلة في الإقناع إذا استطعت، فهي تُوضِّح المعنى بخفةٍ وسرعةٍ وعمق.
مثال: الإخوان غيروا رأيهم في النزول بمرشحٍ رئاسي بعد أن قالوا غير ذلك.
مثال توضيحي: إذا تقدَّم شاب لخطبة أختك أو بنتك، واتفقتم على إتمام الزواج، ثم تبيَّن أن هذا الشاب له سلوك سيئ بأدلة قاطعة، فهل من الطبيعي أن تستمر في إتمام الزواج، أم تُغيِّر قرارك حسب المتغيرات الجديدة (مع التأكيد أن عدم نزول الإخوان بمرشح رئاسى كان قرارًا سياسيًّا ولم يكن وعدًا).
اقنع مَن أمامك أن تكون هناك قواعد متبادلة للحوار، فإذا قاطعك كثيرًا نبهه أن من حقك أن ترد على كلامه كما أعطيته الفرصة للتساؤل وربما الهجوم، وأن الغرض من الحوار هو الاستفادة المتبادلة وتوضيح بعض المعلومات الخفية لك وله وليس الغرض هزيمة طرف أو إجباره على التصويت لمرشحك، وعليه لا بد أن نستمع لبعضنا جيدًا دون تجريحٍ أو سخريةٍ أو رغبةٍ في الانتصار.
من الممكن أن يتطاول المتحدث عليك أو على المرشح أو على الجماعة بألفاظ جارحة، لا بد هنا من وقفةٍ تعيد التوازن إلى الحوار، وتمنع التعالي من جانبه عليك، بأن تطلب منه في شدة وثقة بأن يمتنع عن أي لفظٍ جارح، وأن عدم السخرية كمبدأ إسلامي وإنساني وأخلاقي ملزم لك وله، وأنك قادر على أن تجرح أيضًا ولكن هذا دليل ضعف في الحوار، والقوى هو مَن يتحدث في المضمون والوقائع دون أن يغطي ضعفه باتهامات وتجريحاتٍ ليس لها أساس.
مثال: كلمة المرشح (الاستبن) يمكن الرد عليها بأنه ليس من خلق الإسلام السخرية من الآخرين، وأنه من الضعف في الحجة أن يكون كل اعتراضنا على المرشح أنه احتياطي، وأنه ليس من الخلق أن نتحدث بهذا الكلام عن رجلٍ عالم في مجال الهندسة ورجل حافظ للقرآن وعلى خلق يرفعه به الله درجات عنده، ثم يمكن التطرق بعدها لتصرف الرسول بوضع قادة احتياطيين في غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ثم التطرق لردودٍ أخرى.
ليكن مبدؤك أن تتحدث عن مرشحك ومميزاته التي ترى أنه يتفوق بها على الآخرين، (والتي ينبغي أن تلم بها في نقاطٍ سريعة ومختصرة ومحددة)، وإذا اضطررت للمقارنة بين مرشحك وبين المرشحين الآخرين فليكن في حدود النقد الموضوعي، الذي يتناول الفروق في البرامج والرؤية السياسية، والمواقف السياسية المعروفة والمثبتة، (الرؤية السياسية مثلاً للواء أحمد شفيق والأستاذ عمرو موسى أنهما سيعيدان نظام قديم قامت ضده ثورة استشهد من أجلها المئات من شباب مصر)... إلا إذا كان المرشح نفسه عليه شبهات اتهام جنائية فلا بد أن تتضح للناس بصراحة.
(العديد من البلاغات مقدمة ضد أحمد شفيق منذ شهور، والنيابة ترفض التحقيق فيها حتى الآن رغم سرعتها الفائقة في التحقيق في مسألة الجنسية الأمريكية للشيخ حازم أبو إسماعيل وقضية رد الاعتبار للمهندس خيرت الشاطر).
حاول دائمًا أن تنفي الاتهام بحدث فعلي أو بقرار، لا بكلامٍ نظري إن أمكن، فالحدث الفعلي والقرار يكون تأثيرهما أسرع وأقوى.
مثال: الدكتور محمد مرسي سيكون تابعًا للمرشد أو الحزب بعد الفوز
رد: صرَّح الدكتور محمد مرسي أنه سيستقيل من الحزب بعد فوزه بالرئاسة ليكون رئيسًا لكل المصريين، وأنه يحترم المرشد العام ولكنه سيصبح بالنسبة له مواطنًا كأي مواطن مصري بعد انتخابه رئيسًا، (ثم نتطرق بعدها لردود أخرى).لا بد أن يكون هناك مساحة للاعتراف بالخطأ، فالاعتراف بالأخطاء يهدئ الطرف الآخر، ويجعله يثق أنك لا تريد الجدل، وأنك تتسم بالموضوعية والحياد، وهو ما يزيد من اقتناعه بك.
ابتعد عن أنواع الحوار السلبية، منها الحوار الإقصائي الذي تشعر فيه من أمامك أنه لا يفهم، أو الحوار العاجي المتعالي، أو حوار الذل الذي تظهر فيه أنك أدنى ممن تحاوره، بل اجعل حوارك متكافئ الطرفين، متواضعًا يشعر الطرف الآخر بالاهتمام والقيمة.
اقرأ وابحث كثيرًا عن أفضل الإجابات إقناعًا للطرف الآخر، ابحث من خلال (اليوتيوب) عن ردود قادة الإخوان عما يُوجه لهم من أسئلة، وادرس طريقة الرد عليها، وستزداد كفاءتك في الرد يومًا بعد يوم.
لا تفقد الأمل في الناس، هناك مَن سيقتنع من أول مرة، وهناك مَن سيقتنع على مراحل أو جولات، وهناك مَن يبدو أنه لن يُغيِّر رأيه، ثم تفاجأ بأنه قد غيَّره بعد أيام.
لا تنهي الحوار مع مخالفيك بمشكلة أو أزمة تقطع عليه خط الرجعة، انهِ الحوار وإن فشل بابتسامةٍ وود وتسامح، واجعل الباب مفتوحًا بينك وبين من تحاوره.
تسلَّح بالصبر، والإيمان بالله، وثق بالله دائمًا، ولا تجعل لليأس من نفسك نصيبًا، وادع الله كثيرًا، فالدعاء يفتح القلوب بقدره الله الذي خلقها ويعرف أسرارها.
ربما لو اتبعنا بعض هذه القواعد لزادت فعالية نجاحنا في الحوار بإذن الله، مع التسليم بمعرفتنا بكل الردود على التساؤلات الموجود في الشارع، والتذكر دائمًا أن عملنا كله الله، وأن قلوبنا كلها ينبغي أن تتجه إليه ليل نهار، وأنه سبحانه الذي يسدد خطانا ويجبر كسرنا.
----------------