من حق الناس أن تنتقد أخطاء الإعلام الرسمي أو الخاص، ولكن ليس من حق أحد أن يضع الإعلام كله في سلة واحدة، ثم يرميه عن قوس واحدة، وليس من حق أحد أن ينكر دور الإعلاميين والصحفيين الشرفاء الذين كانوا ولا يزالون جزءًا من حركة الإصلاح والتغيير في مصر، مهدوا مع غيرهم لثورة 25 يناير وشاركوا فيها بفعالية، ودفعوا كغيرهم أثمانًا باهظة من أجل التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، وكانت نقابتهم (نقابة الصحفيين) هي الحاضن الرئيسي للثورة في مهدها، لم تقصر دعمها على أبنائها، بل احتضنت كل المظلومين من أبناء الشعب عمالاً وفلاحين، نوبيين وسيناويين إلخ، وجنبًا إلى جنب مع كل الشرفاء والمناضلين ضد قمع نظام مبارك دخل عشرات الصحفيين السجون والمعتقلات بعد محاكمات عسكرية واستثنائية، ومنع العشرات منهم من الكتابة أو الظهور في التلفزيون الرسمي أو دخول بعض الصحف أو تبؤ مناصب فيها، وفي ثورة 25 يناير قدَّم الصحفيون عددًا من المصابين وأحد الشهداء، وهو الشهيد أحمد محمود.
كانت هذه مقدمة ضرورية قبل أن نتحدث عن أخطاء بعض الصحفيين وخطاياهم التي تتطلب وقفة جادة من أبناء المهنة، ومن نقابتهم قبل أن تتحرك جهات أخرى مستخدمة حقها القانوني في محاسبتنا وحتى حبسنا.
لأنني أنتمي للقبيلة الصحفية فأنا أرفض إهانتها، ولأنني مخلصٌ لمهنتي فأنا أرفض أيضًا تجاوزات بعضنا التي تسيء لنا جميعًا، وأسجل اعتراضي الشديد على خروج بعض الصحف وبعض الصحفيين على القواعد المهنية، وعلى ميثاق الشرف الصحفي الذي أقسمنا على احترامه.
لقد تعمد بعض الصحفيين اختلاق وقائع، ظلوا يرددونها عملاً بنظرية النازي جوبلز وزير إعلام هتلر حول الكذبة الكبرى، والتي تقتضي صنع كذبة ثم تكرارها حتى يصدقها الناس، وقد انتفض الوسط الصحفي حين اتهم المرشد العام للإخوان المسلمين بعض هؤلاء الصحفيين بأنهم يشبهون سحرة فرعون، رغم أن الرجل تحدث بلغة التبعيض من جهة، ورغم أنه اعتذر للصحفيين لاحقًا، ولكننا لم نرَ انتفاضة مماثلة لمحاسبة المخطئين الذين يسيئون إلى المهنة ويظهرونها في مظهر سحرة فرعون الذين كانوا يكتفون بقلب الحقائق، بينما أصحابنا يختلقون وقائع لا أساس لها أصلاً، ما يدفع الأطراف المتضررة للجوء إلى القضاء طلبًا للحماية والعدالة، فتصدر أحكام بالحبس والغرامة التي قد لا تستطيع الصحف، خصوصًا الصغيرة دفعها، وقد تضطرها لغلق أبوابها وتسريح صحفييها وإدارييها، أرأيتم كيف يتسبب خطأ شخص واحد لا يراعي المهنية والقيم الصحفية في تشريد بقية زملائه؟!
أتحدث هنا عن ثلاث حالات وقعت مؤخرًا كأمثلة لاختلاق وقائع غير حقيقية وترويجها، وهو ما يسيء إلى المهنة والعاملين فيها:
أولاها: ادعاء إحدى الصحف قيام المرشد العام للإخوان الدكتور محمد بديع بزيارة مبارك في المركز الطبي العالمي والتعهد له بالعفو عنه حال صدور حكم ضده: وهو ما نفاه المرشد وطلب من الصحيفه نفيه لكنها رفضت فاضطر إلى اللجوء للقضاء، والواقعة الثانية هي ادعاء صحفي آخر عرف بترويجه لمشروع التوريث، وهو الدكتور عمرو عبد السميع بوجود مشروع قانون في مجلس الشعب يبيح للزوج مضاجعة زوجته المتوفاة حديثًا، وهو ما نفاه مجلس الشعب ونفته أيضًا الدكتورة ميرفت التلاوي الأمين العالم للمجلس القومي للمرأة، وهي التي استند إليها الكاتب في مقاله.
أما الواقعة الثالثة: فهي ادعاء إحدى الصحف الخاصة قيام حزب الحرية والعدالة بتنظيم قافلة طبية في قرى المنيا قامت أو روَّجت لعمليات ختان الإناث بالمخالفة للقانون: وهو ما نفاه الحزب ونفته الجهات الصحية بالمحافظة أيضًا، لكن الجريدة ظلت تردد هذا الادعاء ونقلته عنها صحف ووسائل إعلام أخرى دون أن يُكلِّف أحدٌ منهم نفسه عناء التحقيق الموضوعي في الأمر.
في الحالات الثلاث أساء هؤلاء الصحفيون إلى المهنة، وإلى عموم أبنائها قبل أن يسيئوا لمَن قصدوا تشويههم واغتيالهم معنويًّا، ومن واجب حراس المهنة التصدي لهذه الجرائم المهنية، ومن واجب نقابة الصحفيين أن تتحرك للدفاع عن شرف المهنة ومساءلة مَن يتجاوزون ويخالفون ميثاق الشرف حتى تقطع الطريق على محاكمتهم أمام القضاء، وربما صدور أحكام بالحبس والغرامة ضدهم.
الغريب في الأمر أن الذين يرتكبون هذه الحماقات والجرائم المهنية، ويتسابقون في تشويه سمعة بعض القوى الوطنية، وخاصةً الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة والسلفيين هم ممن يصنفون في الوسط الصحفي بالمتحولين الذين كانوا يسبحون بحمد مبارك ونظامه وعائلته، والذين كانوا يتنافسون في الترويج لمشروع التوريث، وهو ما تشهد به تسجيلاتهم الصوتية والمرئية التي لا تزال محفوظةً على "اليوتيوب" ومقالاتهم في الصحف، وهم اليوم يتدثرون بعباءة الثورة والثوار، ولا نستبعد أن يدعوا يومًا أنهم من صنع الثورة وقادها وأسقط مبارك وعائلته.
الحملة الإعلامية على التيار الإسلامي لم تقتصر على المتحولين في الصحف الخاصة بل ينافسهم فيها المتحولون في الصحافة القومية، والذين كانوا حتى يوم 10 فبراير 2011 جزءًا لا يتجزأ من نظام مبارك وفساده، وهؤلاء يتسابقون اليوم في ركوب الثورة لتجنب حركة التطهير الكبرى التي ستصل إلى الصحف القومية قريبًا.
لقد كان مطلب تطهير الإعلام والصحافة مطلبًا أساسيًّا من مطالب ثورة 25 يناير، ظلَّ شعارًا ردده الثوار منذ اليوم الأول للثورة وحتى خروج آخر ثائر من ميدان التحرير، وفي كل المليونيات اللاحقة، وحين يتحرك مجلس الشورى اليوم لتلبية هذا المطلب الثوري بحكم ولايته القانونية على هذه المؤسسات التي ظلت عزبًا خاصةً لرؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير من قبل، فإن المأمول هو مساندة هذا التحرك، وليس التصدي له ومقاومته، وإذا كان مفهومًا أن يتحرك بقايا نظام مبارك في تلك الصحف للدفاع عن مواقعهم، خصوصًا بعد أن وجدوا دعمًا من بقايا النظام ومن المجلس العسكري، فإن من المستغرب أن يقف رفاق الثورة مع أذيال مبارك وجمال وصفوت الشريف وأنس الفقي ويوسف والي، وهم الذين كانوا يرددون معنا شعار التطهير والتخلص من هؤلاء من قبل.
حين تحرَّك مجلس الشورى لتغيير رؤساء التحرير لم ينفرد باتخاذ القرار رغم أن هذا حق قانوني خالص له بحكم ولايته على المؤسسات الصحفية القومية، ولكنه أشرك معه في المشورة والرأي نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة وشيوخ المهنة وحكمائها، والذين توصلوا جميعًا لمجموعة معايير موضوعية لاختيار رؤساء التحرير الذين كانوا يفرضون على الصحفيين من قصر العروبة لا من مجلس الشورى.
المأمول أن تُسهم هذه التغييرات الصحفية في تطهير الصحافة القومية من ذيول نظام مبارك وكل الفاسدين، وأن تعود بالصحافة القومية إلى مجدها وريادتها لتصبح قاطرة الحرية والمهنية ولتقدم نموذجًا يُحتذى لكل الصحف المصرية والعربية.
------------