- د. صابر حارص: استخدام الاستطلاعات في تزييف إرادة الجماهير جريمة
- د. ثريا عبد الخالق: مؤسسات مبارك البحثية تحرِّك الاستطلاعات الوهمية
- د. محمد صفار: تزوير الرأي العام أمر غير مستبعد من بقايا النظام البائد
- د. صفوت العالم: تفتقد الدقة لأنها أجريت على عيِّنات لا تمثل المجتمع
تحقيق: الزهراء عامر
نسب مئوية خيالية تُنشر، واستطلاعات رأي تُجرى حول نسب التصويت الخاصة بمرشحي الرئاسة ومدى شعبية الجماهير وقبولها لهم، والتي تنشرها الصحف وتنقلها وسائل الإعلام بشكل يومي أو أسبوعي منذ بداية مارثون الانتخابات الرئاسية، والتي تصدَّر مرشحا الفلول "عمرو موسى وأحمد شفيق" في المرتبة الأولى لهذه الاستطلاعات، وكأنها تتم على كوكب المريخ، وعلى عيّنات وأشخاص ربما لم يوجدوا داخل المجتمع المصري، أو تمَّت في دولة أحلام فلول النظام السابق الذين يسعون لعودة كيانهم مرةً أخرى، كمحاولة فاشلة للتأثير في الرأي العام وتوجيه اختيارهم.
حالة التباين واختلاف النتائج النهائية التي تنشرها كل جريدة، تفضح جرائم تزوير الاستطلاعات لصالح الفلول، فعلى سبيل المثال صحيفة "الأهرام" تنشر أسبوعيًّا منذ ما يزيد عن شهر ونصف استطلاعًا يحتل صفحةً كاملةً مصحوبًا بالجداول والرسوم التوضيحية وتتعمد أن يتصدَّر عمرو موسى المرتبة الأولى، ثم يليه عبد المنعم أبو الفتوح، ويأتي في المرتبة الثالثة أحمد شفيق.
وفي استطلاعها الأخير الذي نشرته يوم الإثنين الماضي حقق عمرو موسى الترتيب الأول بنسبة 40.8%، وفي المرتبة الثانية جاء أحمد شفيق بنسبة 19.9%، بينما أبو الفتوح إلى 17.7% ليحتل المركز الثالث.
إبراز "الأهرام" لـ"عمرو موسى" لم يكن مستبعدًا بعد الاستطلاع الشهير الذي جاء عقب إعلان عمر سليمان ترشيح نفسه والذي حقَّق سليمان فيه المركز الأول بين كل المرشحين فور ترشحه!.
وإذا انتقلنا إلى صحيفة أخرى مثل "المصري اليوم" فسوف نجد تقارب نتائج الاستطلاع بين المرشحين موسى وأبو الفتوح؛ حتى تكاد لا تجد فارقًا كبيرًا مثل الذي تقرؤه في استطلاعات "الأهرام".
وتصدّر أحمد شفيق المركز الأول في استطلاع الرأي الذي أجراه مركز معلومات مجلس الوزراء؛ الذي كان يعد استطلاعات المخلوع، يليه عمرو موسى وحمدين صباحي، واختفى تمامًا اسما أبو الفتوح والدكتور محمد مرسي.
هذا التباين الواضح في الاستطلاعات يجعلنا لا نبني عليها حساباتنا, ويعيد إلى ذاكرتنا هذا الاستطلاع الشهير الذي أجراه مركز اتخاذ ودعم القرار التابع لمجلس الوزراء المصري قبيل قيام ثورة يناير ببضعة أسابيع، وخلصت نتائجه إلى رضاء المصريين بدرجة كبيرة عن مجمل الأداء الحكومي.
وفي الوقت الذي تنشر فيه الصحف المصرية مثل تلك الاستطلاعات فإن الانتخابات الرئاسية في فرنسا كانت على أشدها، وجرت استطلاعات الرأي حول فرص المرشحين البارزين ساركوزي وأولاند, ولم نجد مثل تلك الفوارق الضخمة، التي نجدها في استطلاعات الرأي الرئاسية التي تجري في بلادنا، وجاءت النتائج النهائية مطابقةً لنتائج استطلاع الرأي.
تساؤلات عدة تطرح نفسها: هل يمكن تصديق مثل هذه الاستطلاعات؟ وما هي أسباب التباين بين صحيفة وأخرى في نسب الاستطلاعات؟ وما مدى تأثير التوجهات السياسية للصحيفة في النتائج النهائية للاستطلاع؟!
تساؤلات عدة أجاب عنها (إخوان أون لاين) في سطور التحقيق التالي:
بدايةً يؤكد الدكتور صابر حارص أستاذ الإعلام بجامعة سوهاج ورئيس وحدة بحوث الرأي العام بالجامعة أن استطلاعات الرأي التي يتم إجراؤها مؤخرًا من جانب صحف قومية وبعض وسائل الإعلام أفضت إلى نتائج تصطدم تمامًا مع ما يجري على الأرض وما يستقر في نفوس المواطنين، وما يشكِّل حديث الناس ومناقشاتهم، موضحًا أن الشارع المصري أعلن أن التيار الإسلامي هو التيار الأساسي في المجتمع، وظهر ذلك جليًّا في الانتخابات البرلمانية، وبالرغم من ذلك يظهر علينا استطلاع رأي يضع أحمد شفيق في المقدمة بنسبة (64%)، وهذا إن دل فإنه يدل على فساد الخطوات العلمية المتبعة في تنفيذ هذه الاستطلاعات.
ويبين أن هناك خطأً حدث أثناء قيام الصحف بعملية الاستطلاع في اختيار العينة؛ حيث تمَّ اللجوء إلى عينة من وحدات وأمانات الحزب الوطني المنحل، وبالتالي سيكون من الطبيعي إذا صوَّت أعضاء الحزب الوطني في استطلاع ما سوف تكون النتيجة لصالح شفيق أو عمرو موسيى.
ويشير إلى أن مثل هذه الاستطلاعات تلعب دورًا في خداع الرأي العام وتضليله، ويستحق معدو هذه الاستطلاعات أن يقدموا للمحاكمة لأنهم يزيِّفون اتجاهات الرأي العام مرةً بالتوجيه إلى أن مرشحي الفلول هم أكثر المرشحين شعبيةً، والمرة الأخرى بتزييف الأساليب العلمية التي من المفترض أن يجري الاستطلاع وفقًا لها.
ويطالب المصريين بأن ينتبهوا جيدًا للمؤامرة التي تحاك بهم، وألا يتركوا الفرصة لأحد ليخدعهم بالأساليب العلمية؛ لأن هذه الأساليب تمَّ توظيفها لتوجيه إرادة الجماهير وليس الحصول على الحقيقة.
افتقاد المنهجية
وحول الجهة المنوط بها القيام بعمليات استطلاع الرأي يوضح حارص أنه في أي مجتمع توجد جهتان لاستطلاع الرأي؛ إحداهما رسمية تقوم بها السلطة، وأخرى خاصة تقوم بها مراكز وبحوث خاصة، ومصر لا يوجد بها استطلاعات رأي من المعنى العلمي على المستويين الرسمي والخاص؛ وذلك لأن استطلاعات الرأي الخاصة يشوبها الكثير من الاخطاء المنهجية والرسمية؛ فهي استطلاعات موجودة بالأساس لتأتي بنتائج معينة، ومن ثم لا ينبغي للجمهور أن يثق في نتائجها.
وترجع أسباب تباين نتائج الاستطلاعات في الصحف المختلفة إلى الأغراض الخاصة لمطبقي الاستطلاع وقناعاتهم وأيدلوجياتهم الفكرية والسياسية والتوقيت الذي يجري فيه الاستطلاع، مستبعدًا أن تكون وسائل الإعلام التي أجرت استطلاعات للرأي طبقت المعايير العلمية الدقيقة للاستطلاع.
ويضيف أن حجم العينة يلعب دورًا مؤثرًا في صحة نتائج الاستطلاع، مبينًا أنه كلما زاد عدد أفراد المجتمع تزيد حجم العينة، وكلما كان أفراد المجتمع متجانسين لا يحتاج الاستطلاع إلى عينة كبيرة، أما إذا كان أفراد المجتمع غير متجانسين، أي كانوا ذكورًا وإناثًا، وشبابًا وشيوخًا، فإنه ينبغي أن تكون العينة كبيرة جدًّا حتى تعطي مؤشرًا جيدًا.
مؤسسات مبارك البحثية
وتؤكد الدكتور ثريا عبد الخالق أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن الاستطلاعات الرأي التي تجري حاليًّا حول مدى شعبية الجماهير وقبولها لمرشحي الرئاسة تفتقد الثقة، خاصةً أنها ما زالت تجري على أيدي أقطاب النظام السابق، وفي المؤسسات البحثية التي تخدم النظام القديم، بالإضافة إلى أنها تتم في مجتمع يعاني من التضارب والانقسام في الرأى العام والفتن السياسية، مشيرةً إلى أن عملية قلب الحقائق شيء متوقع وينمُّ عن وجود عقلية شيطانية تخطط لقلب الموازين.
وتضيف أنه بأي حال من الأحوال لن تكون النتائج النهائية على قدر من الدقة؛ لأنها لا تعتمد على قياسات صحيحة، فضلاً عن أن الفترة التي يجري فيها الاستطلاع قصيرة جدًّا، موضحةً أن الجهات التي تتولَّى عملية الاستطلاع لم توضح المؤشرات والأخطاء التي اعتمدت عليها وحجم العينة التي تم القياس عليها، وهل أجريت على كل الجماهير في كل المحافظات أم لا!.
وترى أن التركيز إعلاميًّا على هذه الاستطلاعات يؤثر في الجماهير ويلعب دورًا خطيرًا في تحريك الرأي العام، خاصةً مع ارتفاع نسبة الأمية، بجانب ضعف ثقافة الديمقراطية، بالإضافة إلى وجود حالة من التذبذب بين أمر وآخر وميل الكثير للتأثر، وعدم سعيهم للكشف عن الخبايا.
وتلفت إلى أن معدل الزيادة والانخفاض في هذه الاستطلاعات سيبقى مرهونًا بيوم إعلان النتيجة النهائية، والتي لا يتوقع أن تكون متقاربةً مع نتائج الاستطلاع، خاصةً أن قوانين تنظيم الانتخابات غير محايدة، واللجنة المشرفة على عمليات الانتخابات لا يشهد لها بالنزاهة.
نتائج خيالية
ويشير الدكتور محمد الصفار أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أنه من البديهي جدًّا أن يتم تزوير استطلاعات الرأي؛ لأنها مسألة قديمة مرتبطة بالنظام القديم، وكانت هناك وحدة داخل الحزب الوطني المنحل للقيام باستطلاعات الرأي المزيفة التي كانت تؤكد أن المصريين راضيون عن الأداء الحكومي.
ويضيف أنه ليس من الغريب أن الصحف المسمَّاة بالقومية تطلع بنتائج خيالية لتدعم شخصية محسوبة على النظام السابق وتروّج له إعلانيًّا وإعلاميًّا بهذه الصورة الضخمة، بالرغم من أن الحقيقة تقول إنه ليست له قاعدة جماهيرية تدعمه.
ويؤكد كلامه بأن ثورة يناير لم تحقق أهدافها بعد، ورياحها لم تصل إلى هذه الصحف والمؤسسات، فلم يسقط سوى رأس النظام، وأذنابه لا يزالون باقين، ويتصارعون من أجل تجديد وجودهم، فما نشهده اليوم هو صراع كبير على السلطة بين القديم والحديث.
وسيلة للدعاية
ويعتبر الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام السياسي بكلية الإعلام جامعة القاهرة الاستطلاعات التي تنشرها العديد من وسائل الإعلام آليات للتوظيف الدعائي؛ لأنها تعظِّم من فرص مرشح وتقلل من فرص مرشح آخر، وبالتالي تؤثر في اتجاهات التصويت، فضلاً عن كونها لا تبرز حجم الخطأ في العيِّنة ولا أسلوب جمع البيانات، موضحًا أن هذه الاستطلاعات تقدم نتائج تمَّت على عيّنات غير ممثلة للمجتمع، وبالتالي النتائج دون الإشارة لنسبة الخطأ غير دقيقة.
ويؤكد أن الانطلاق من هذه الاستطلاعات لتعميمات بشأن تأييد محافظة أو فئة ما لمرشح أسلوب دعائي مرفوض وينطوي على قدر من عدم الشفافية، متسائلاً: لماذا كثرت استطلاعات الرأي بهذا الكمِّ وفي هذا التوقيت وهناك العديد من القضايا المحورية المهمة والكثيرة الأخرى لا يجري عليها استطلاع واحد، بل على العكس من ذلك تهمل وتذهب في طي النسيان.