قال تعالى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)) (الإسراء).

 

في يوم من أيام أحزان أمتنا عام 1401هـ- 1980م أعلن اليهود المحتلون لفلسطين أن القدس عاصمتهم.

 

وفي يوم آخر من أيام أحزان أمتنا عام 1414هـ- 1993م صدر حكم المحكمة العليا اليهودية باعتبار المسجد الأقصى أرضًا يهوديةً، ووضعه تحت وصاية إحدى المنظمات الصهيونية التي تعمل من أجل إزالة المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان.

 

حتى لا ننسى:

صدر حكم المحكمة العليا اليهودية عقب تصريح للملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس الذي قال فيه: إن القدس ليست ملكًا لأحد!! جزاه الله بما يستحق.

 

هذان الحدثان أثارَا وجدان شباب المسلمين فضلاً عن شيوخهم... فهل بلغ الضعف بأمة الإسلام- أكثر من مليار ونصف المليار مسلم- درجة جعلت ثلاثة ملايين ونصف المليون يهودي يعلنون ما أعلنوه بشأن القدس والأقصى؟!

 

ألا توجد لأمتنا أدنى درجات الرهبة في صدور المحتلين؟! ألهذا الحد يغالط اليهود بشأن فلسطين والقدس؟! بل يغالطون بشأن المسجد الأقصى الذي هو القبلة الأولى، ومسرى هذه الأمة!!

 

ثم جاء شارون، أو جيء به ليروج الكذبة الكبرى على صفحات الأهرام في جو ضبابي مفروض على الأمة بواسطة قنابل الغاز والدخان والأعصاب.. جيء بشارون ليقول إن القدس عاصمة إسرائيل منذ ثلاثة آلاف سنة!! فأُلجم القوم جميعهم...
وليردد معي كل مسلم الآن هذا العهد مع الشاعر يوسف العظم:

أعاهــــد القدس في صـــدق بأن لهـــــا   عهـــــدًا مـــــع الله مـــا للعهد تبديل

والقدس أرض العُلا والمجد مُـذ عُرفت   يبارك القـــــــــدس قرآن وإنجيـــــل

متى تعــــــــود إلى الأرض جحافلنـــــا   وقـــد أضاءت حمى الأقصى قناديل

****

 

نعم.. القدس مدينة الله

استعرضت أسماء مدينة القدس فيما عندي من مراجع، ولكن الدكتور حسن ظاظا الباحث في الإسرائيليات أورد هذا الاسم في ملحق مجلة (الفيصل) العدد 232 ونسبه إلى المزامير (48/1)، وقد وجدت اسم بيت المقدس، أي المكان المطهر من الذنوب وهو اسم مشتق من كلمة (القدُس) ومعناها: الطهارة والبرَكة، فيكون مدلول الاسم: المكان الذي يُتطهر فيه من الذنوب، والمنزه عن الشرك، والبيت المقدس المطهر من الأصنام، ووجدتُ أن اسم "القدس" قد أطلق على هذه المدينة في العهد الإسلامي، وحل محل إيلياء وأورشليم.

 

فما المراد بوصف القدس بأنها مدينة الله؟ لعل المقصود قداستها، وقد وجدت أن مدينة القدس قد سميت مدينة داود عندما جعلها داود- عليه السلام- مقرًّا لحكمه حينما صار ملكًا على بني إسرائيل في زمن التمكين والإيمان، ثم اختفى اسم مدينة داود بعد انتهاء حكم أبناء سليمان ابن داود- عليهما السلام- وصارت تُعرف باسم "إيليا كابيتولينا"، ثم اختفى الاسم الثاني "كابيتولينا" وبقيت تعرف باسم "إيلياء" فقط في معجم العرب حتى فتحها المسلمون.

****

 

فلسطين في العهود

1- في العهد العربي القديم:

استوطنها العرب "اليبوسيون" وهم عرب كنعانيون منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وأقاموا مدينة القدس عاصمة لهم.
ورد في كتب التاريخ أن رجلاً عربيًّا مؤمنًا بالله تعالى نزل بأرض القدس، وسكن كهفًا من جبالها للعبادة، واشتهر أمره بين شعوب تلك المنطقة، فجاء الملوك الذين بالقرب من القدس وكانوا اثني عشر ملكًا، فسمعوا كلامه وأحبوه، وأعطوه مالاً ليعمر هذه البقعة من الأرض "القدس" فخطط لها وعمرها، ولما انتهى من ذلك عينه الملوك ملكًا عليهم، وسموه "أبو الملوك"، هذا الملك العربي اسمه "ملكي صادق".

 

وبذلك يكون العرب الكنعانيون هم أقدم من قدس هذه البقعة حيث اتخذ ملكهم "ملكي صادق" فيها معبدًا قبل أن يقيم سليمان- عليه السلام- المسجد الأقصى بألفّي سنة حسب رواية كعب الأحبار.

 

2- في عهد إبراهيم- عليه السلام:

نزل إبراهيم- عليه السلام- بأرض الشام "فلسطين" ضيفًا على العرب، بعد أن هاجر من بابل "العراق" وظل بها مدة، ثم هاجر إلى مصر بعد قحط فلسطين، ثم عاد إلى فلسطين، ثم أسكن هاجر زوجته وولدهما إسماعيل فاران "مكة" بوادٍ غير ذي زرع، وهناك بنى المسجد الحرام، ثم بعده بأربعين سنة بنى المسجد الأقصى بفلسطين التي عاش فيها مع اليبوسيين العرب.

 

3- في عهد إسحاق ويعقوب- عليهما السلام:

عاش النبيان إسحاق ثم يعقوب- عليهما السلام- بين عرب فلسطين بعد وفاة إبراهيم- عليه السلام- في بلدة حبرون "الخليل حاليًا"، وفي عهد يعقوب- عليه السلام- أعيد بناء المسجد الأقصى.

 

ثم خرج يعقوب- عليه السلام- وأبناؤه "بني إسرائيل" من فلسطين مهاجرين إلى مصر ليعيشوا مع يوسف- عليه السلام- الذي عينه عزيز مصر وزيرًا للتموين والخزانة.

 

وبذلك تحولت حياة بني إسرائيل إلى مصر، وتركوا فلسطين وعربها.

 

4- في عهد موسى- عليه السلام:

بقي في سُكنى فلسطين العرب الأقوياء الأشداء "العماليق"، فلما خرج موسى- عليه السلام- من مصر يقود بني إسرائيل ليخلصهم من أذى فرعون وإذلاله، ووعدهم بدخول الأرض المقدسة "فلسطين"، إلا أن بني إسرائيل خافوا من العرب وقوتهم، وقالوا قولتهم التي سجلها القرآن الكريم: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة: من الآية 24). فعوقبوا بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة... ثم مات موسى وهارون- عليهما السلام- في مدة التيه، فلم يدخلا فلسطين.

 

5- في عهد يوشع بن نون- عليه السلام: (1450 ق.م)

ورث يوشع بن نون النبوة بعد موسى- عليهما السلام- ويوشع هو فتى موسى المذكور في سورة الكهف.

 

أمر الله يوشع- عليه السلام- أن يخرج بمن بقي من بني إسرائيل في التيه ليدخل الأرض المقدسة فلسطين، فسار- عليه السلام- وحاصر بيت المقدس وكاد يفتحها إلا أن الشمس أوشكت على الغروب، فدعا ربه أن يحبسها عليه حتى يتم الفتح، فاستجاب الله له، ودخل القدس، وجعل القبلة إلى الصخرة، فصارت قبلة الأنبياء، وإلى زمان رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

 

6- في عهود القضاة والملوك: (400 سنة)

بعد يوشع بن نون- عليه السلام- حكم بني إسرائيل سكان فلسطين العرب اثنا عشر سِبْطًا وهم القضاة، واستمر حكمهم 400 سنة، ثم جاء بعدهم الملوك وكان أزهى العصور، فقد بدأ بالملك طالوت ثم داود ثم سليمان- عليهم السلام- ثم أولاد سليمان.

 

7- عهد داود وسليمان- عليهما السلام: (54 سنة- منذ 977 ق.م إلى 923 ق.م).

لقد كانت معارك طالوت وداود ضد العرب الوثنيين وقائدهم "جاليات" أو "جالوت" كما أسماه القرآن الكريم.

 

وبدأ ملك داود- عليه السلام- منذ سنة 977 أو 1000 ق.م، وقد سمى القدس "مدينة داود"، واستمر العرب في فلسطين تحت حكمه لم يطردهم لاجئين.

 

ولما مات داود استلم سليمان- عليهما السلام- المملكة الإسرائيلية بعد أبيه، واستمر ملكه 40 سنة منذ 963 إلى 923 ق.م ولقد كان ملكه عظيمًا، فأعاد بناء المسجد الأقصى- الذي يسميه اليهود "الهيكل"- على أساس بناء إبراهيم- عليه السلام- قال ابن تيمية: "المسجد الأقصى كان من عهد إبراهيم، لكن سليمان بناه بناءً عظيمًا". (من مجموع الفتاوى جـ17 ص351).

 

8- عهد التفكك والزوال:

انتهى عهد الازدهار الإسرائيلي بحكم رحبعام بن سليمان- عليه السلام- فانقسمت المملكة الإسرائيلية إلى مملكتين هما مملكة الجنوب واسمها "يهوذا" وعاصمتها "أورشليم"، حيث اختفى اسم مدينة داود بعد 54 سنة وجاء اسم "أورشليم"، وهو تحريف للاسم العربي "أورسالم"!

 

ومملكة الشمال "إسرائيل" وعاصمتها "نابلس" أو "شكيم".

 

وكان أغلب بني إسرائيل في الشمال في "إسرائيل".

 

استمر عهد التفكك 337 سنة، وبلغ عدد ملوكه عشرين ملكًا، مات أكثر من نصفهم قتلاً بأيدي الإسرائيليين! وهكذا اليهود مشهورون بقتل أنبيائهم وملوكهم!!

 

9- في العهد الآشوري: (حكام دخلاء)

في سنة 721 ق.م محا "سرجون" ملك الآشوريين الوثني مملكة إسرائيل من الوجود، وسجن ملكها الأخير، وشرّد اليهود... وهكذا كانت مصائرهم في جميع العصور!

 

10- في العهد الفرعوني: (حكام دخلاء)

في سنة 608 ق.م زحف فرعون مصر الوثني على مملكة "يهوذا" فاحتلها، ثم زحف واحتل مملكة إسرائيل من الآشوريين.

 

11- في العهد البابلي: (حكام دخلاء)

غضب "بختنصر" ملك بابل الوثني- الذي حكم وضمّ مملكة آشور إليه- مما فعله فرعون مصر، فزحف إلى فلسطين واستعاد المملكتين، ودمر المسجد الأقصى، وسبى أكثر اليهود، وفر بعضهم إلى مصر وغيرها، وتلك هي فترة السبي البابلي 587 ق.م، وهي المشار إليها في القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5)) (الإسراء).

(يتبع)