ما أبلغ الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول: "إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى".
وأنت يا سيدي يا مبارك.. يا مخلوع.. أنت أولى الناس بهذا التوجيه الرباني الصادق: نعم يا مبارك لم يعد هناك مجال للتفاخر، وملء الدنيا- في تعالٍ- "أنا"..."أنا".. أو "نحن".. "نحن" على طريقة المتنبي:
سيعلمُ الجمعُ ممن ضم مجلسنا = بأنني خير مَن تسعى به قدمُ
فلا مجال- يا مبارك- ولا وقت للفخر والتعالي.
وإن أخذك الكِـبر والخُيلاء والتعالي على عباد الله وعلى الآخرين، فعليك- في هذا الهزيع الأخير من العمر- أن تعلن توبتك، وشعورك بالأسى للجرائم التي ارتكبتها من قبل. وصدق تعالى: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)) (الجاثية).
واذكر قبرك يا مبارك.. اذكر أنك صائر إلى عالمٍ آخر وبيت آخر.
ومعروف أن الغرور- في إيجازٍ شديدٍ- آفة نفسية تعتمد على سوء التقدير في النظر إلى الذات، من ناحية، والنظر إلى الآخرين من ناحيةٍ أخرى، فالمغرور يرى في ذاته أبعادًا، وإمكاناتٍ، وقدراتٍ لا تملكها نفسه، أو تفوق بكثير ما تملكه نفسه في واقعه.
وعلى سبيل التمثيل: يرى المغرور في نفسه ذكيًا ألمعيًّا، مع أنه لا يملك أي قدرٍ من الذكاء، أو الألمعية، وإن كان يملك حظًّا من ذلك فهو يرى في نفسه أذكى الأذكياء، وعبقري العباقرة.
وهذه النظرة "التضخيمية" لواقع الذات يترتب عليها بالتبعية أن ينظر المغرور إلى الآخرين نظرة مناقضة: فهم في نظره أقل مستوى، وأضعف قدرةً حتى لو كانوا يتفوقون عليه في مجالاتهم، ومجالاته أضعافًا مضاعفة.
وقد يتضخم هذا الشعور بالغرور فيصل إلى درجة "التورم الخبيث"، أو ما اصطلح علماء النفس على تسميته "بالنرجسية أو "توثين الذات"، ولهذا المرض الخبيث أعراض نفسية متعددة لا يتسع مقامنا هنا لذكرها وتعدادها.
وكان مبارك إذا سأله غيره عن الإخوان المسلمين أجاب على الفور: "مفيش شيء اسمه إخوان.. مفيش حاجه اسمها إخوان"، مع أن الإخوان يمثلون الأغلبية الشعبية في مصر.
وحقد مبارك يُذكرني بالواقعة التاريخية الآتية، وخلاصتها:
"أن الفرزدق رأي علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب في مكة المكرمة والوفود تتسابق إليه وبين يديه، ولم تلتفت الجماهير للأمير الأموي هشام بن عبد الملك، وبدافع الحقد سأل: "مَن هذا؟" فأجابه الفرزدق بقصيدة طويلة منها الأبيات الآتية:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ = وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَـرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِــبـادِ الله كُلّهِـمُ = هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَـلَمُ
إلى أن ختم القصيدة بأبياتٍ منها:
وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هــذا؟ بضَائرِه = العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجــمُ
ومرةً أخرى نقول لمبارك: طامن من كبريائك وغرورك، فالإخوان منتشرون أقوياء لا في مصر فقط ولكن في العالم كله.. لقد بدأ الإخوان جمعية من ستة أعضاء، ثم تحولت إلى جماعة ممتدة منتشرة، ثم أصبحوا تيارًا عالميًّا له حماته بعشرات الملايين.
------------------