فمن هو الإمام؟


الإمام هو من يتولى أمور الناس في الدين والدنيا، وقد جعل الله الخليل- عليه السلام- إمامًا وقدوةً ومثلاً للناس فيهما، فاللفظ عام يتسع لإمامة الدين والعلم وسياسة أمور الناس على الوجه الذي يحقق لهم المصلحة، ويدفع عنهم المفسدة، ويحفظ عليهم أموالهم، ويصون أعراضهم وحياتهم، وقد كان في نسل إبراهيم- عليه السلام- من الأنبياء والملوك أئمة عدول وحكام صالحون، قادوا الناس إلى خيري الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا 54) (النساء)، ومن هؤلاء داود- عليه السلام- الذي حكم بني إسرائيل ثلاثين عامًا، والذي قال له ربه تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ 26) (ص)، وفي الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة- رضي الله عنه-: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا قال: ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.."، قال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: "قوله: "تسوسهم الأنبياء" أي: إنهم كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ بعث الله لهم نبيًّا يقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غيَّروا من أحكام التوراة".

 

وقال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: "أي يتولون أمورهم كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه" وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- مقتديًا بأبيه الخليل ومتَّبعًا له، فكان إمامًا في الدين والدنيا نبيًّا رسولاً، وسائسًا حكيمًا، وقائدًا عظيمًا، ومصلحًا فذًّا فريدًا، وهو بهذا سائر على نهج القرآن القائل له: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية 90).

 

وأيضًا قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 123) (النحل)، ومن بعده خلفاؤه الراشدون العدول.

 

- أهم صفات الإمام العادل:


1- الأمانة والكفاءة:


وبهما استحق يوسف الصديق- عليه السلام- الوزارة (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ 55) (يوسف)، والحفيظ هو الذي يرعى جميع الأمانات، والعليم هو الكفء القادر على تحمُّل المسئوليات الجسام،
ومن دواعي الأمانة والحفظ:

 

* أن يتولى الإمام القيادة باختيار الأمة ورضاها، فمن تولى عن طريق القوة وتحت ضغط السلاح والتهديد بالقتل أو الإبعاد أو السجن أو مصادرة الأموال والوظائف، أو تزوير إرادة الأمة عبر انتخابات مزيفة تُشترى فيها أصوات الناس ضعاف النفوس فليس إمامًا عادلاً، ولا واليًا تجب طاعته، وقد روي البخاري- رحمه الله تعالى- عن الحسن البصري قال: أتينا معقل بن يسار نعوده فدخل علينا عبيد الله بن زياد- أمير البصرة في زمن معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد- فقال له: معقل: أحدثُّك حديثًا سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من والي يلي رعية من المسلمين وهو غاش لهم إلا حرَّم الله عليه الجنة"، وعملاً بموقف وقول الخليفة الأوّل لرسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- أبي بكر الصدّيق- رضي الله عنه- في أوّل خطبة له عند تَوَلّيه الخلافة: "أمَّا بَعدُ أيّها النَاسُ فَإنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَليْكُم ولَسْتُ بخيرِكُم.." بالبناء للمجهول، فالأمة هي التي اختارته وولته بكامل إرادتها وحريتها، ولم يول نفسه بالقوة، أو الكيد والحيلة، وهؤلاء الحكام أو النواب الذين يتولون المناصب رغمًا عنَّا، وبدون ترشيح الأمة لهم هم ظالمون معتدون أخذوا حقًّا ليس لهم.

 

وقد جاء في تفسير قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124) (البقرة)، للإمام الطبري: أن بعض السلف فسَّر العهد بالإمامة والولاية ومعنى الآية: "لا أجعل من كان من ذرّيتك بأسرهم ظالـمًا إمامًا لعبـادي يُقتدَى به"، وعن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه قال في معنى قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124) "لا عهد لظالـم علـيك فـي ظلـمه أن تطيعه فـيه"، ومعنى هذا أن من أشد أنواع الظلم وأفحشه أخذ الولاية مهما كان حجمها بغير طريقها وهو اختيار الأمة ورضاها، ومن أوجب الواجبات على الناس أن لا يرضوا بهذا ويستسلموا للأمر الواقع ويؤثروا السلامة، بل عليهم أن يفعلوا كل ما من شأنه أن يرفع هذا الظلم، ويعيد هؤلاء المغتصبين للسلطة من حيث جاءوا، وسكوتهم إثم كبير وذنب عظيم؛ لأنه إقرار بالظلم ورضا به، وقد أبطل بعض الفقهاء الصلاة في الأرض المغصوبة، وقال آخرون بصحة الصلاة مع إثم فاعلها؛ حتى لا يُعَد هذا إقرارًا للمغتصب، واعترافًا بملكيته لهذه الأرض.

 

* ومن مقتضيات الأمانة والكفاءة: ألا يقدِّم الإمام للمسئولية مهما كانت إلا ذوي الأمانة والكفاءة، ولا يكون اختياره على أساس القرابة، أو الصداقة، أو الحزب، أو الطائفة، وقد حذَّر النبي- صلى الله عليه وسلم- من هذه الآفةِ في حديث صحيح نقله الإمام السيوطي- رحمه الله- في الجامع الصغير عن الإمام الحاكم- رحمةُ الله عليه- عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: "مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِن عِصَابَةٍ وفِيهِم مَنْ هُوَ أَرْضى للهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللهَ ورَسُولَه والمؤمنين".

 

* ومن مقتضيات الأمانة والحفظ: أن لا يتخذ الوالي منصبه لاستغلال ثروة الأمة لنفسه وأهله وحاشيته أو حزبه.

 


وهذا هو الخليفة الأول لرسول الله– صلى الله عليه وسلم– يقدم في نهاية حياته إحصاء دقيقًا بثروته ويردها كما أخذها من بيت المال، فهو التاجر الغني الذي ترك ثروته ليخدم الأمة ويسعى في شئونها، ورضي براتب زهيد، أين هذا العملاق الورع من طلاب السلطة الذين اتخذوها مغنما؟؟
اسمعه وهو يقول لعائشة في مرض موته: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجَرْدُ هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهنّ إلى عمر وابرئي منهنّ، ففعلتْ، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده".

 

وهذا عمر يأبى على ولده أن يتاجر كبقية الرعية خشية أن يربح بسلطان أبيه، وأن تفتح له الأبواب المغلقة، فعندما دخل عمر السوق رأى إبلاً سماناً فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل لعبد الله بن عمر، فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر! بخ بخ ابن أمير المؤمنين! فجئت أسعى فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين! اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين! يا عبد الله بن عمر، اُغد على رأس مالك، واجعل الفضل في بيت مال المسلمين! أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه، سنن البيهقي 6/147.

 

وخير نموذج يُقتدَى به في هذا المجال موقف عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- مع زوجتِه فاطمَة بنتِ عبد الملك بنِ مروان في شأن "جوْهَر عظيمٍ" كان والدُها الخليفةُ عبدُ الملك أهْدَاهُ إليها، فقال لها: "اختاري، إمَّا أن تَرُدّي حَلْيَكِ إلى بيتِ المالِ، وإمّا أن تَأذَنِي لي في فِراقِكِ، فإني أكْرَهُ أن أكونَ أنا وأنتِ وهُوَ في بيتٍ واحد"، قالت: لا بل أختارُكَ عليه وعلى أضعافِه، فَأَمَرَ بِهِ فَحُمِلَ حَتَّى وُضِعَ في بيتِ مالِ المسلمين، فَلَمَّا مات عُمَرُ واسْتُخْلِفَ يزيدُ بنُ عبدِ الملِك- أخو فاطمة- قال لها: إنْ شِئْتِ رَدَدْتُهُ إليكِ قَالَتْ: لاَ، واللهِ لا أطِيبُ به نفسًا في حياتِه، وأَرْجَعُ فيه بعد مَوْتِه" تاريخ الخلفاء للسيوطي في ترجمته لعمر بن عبد العزيز.

 

2- الإمام العادل يرد الظلم عن المظلومين، ويعين المقهورين ويغيث الملهوفين، وعندما وقف الخليفة الأول أبو بكر أمام من اختاروه كان أول عهد قطعه على نفسه:

 

"الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه"، ومما يعين الناس على نيل حقهم، ويشجعهم على رفض الظلم، وعدم الاستسلام للضيم والقهر أن يكون الإمام منصفًا لهم ساعيًا بكل ما أوتي من أسباب القوة لرفعه عنهم، ومحاسبة الظالمين، وتأديبهم وجعلهم عبرة لكل من تسول له نفسه أن يعتدي على غيره.

 

وفي هذه القصة ما يعبِّر عن هذا كله "الشاب القبطي الذي سابق محمد بن عمرو بن العاص الذي كان أبوه حاكمًا لمصر وواليًا عليها، فسبق القبطي ابن حاكم مصر، فضربه محمد بن عمرو بالسوط ضربًا شديدًا وهو يقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين! خذها وأنا ابن الأكرمين! خذها وأنا ابن الأكرمين! فانطلق هذا القبطي إلى مدينة المصطفى، ويدخل القبطي على عمر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا أمير المؤمنين! هذا مقام العائذ بك فيقول عمر: ما القضية؟ ومن أنت؟
فيقول: أنا قبطي من أهل مصر
فيقول عمر: ما القضية؟
فيقول القبطي: سابقت محمد بن عمرو فسبقته فضربني بالسوط ضربًا شديدًا وهو يقول لي: خذها وأنا ابن الأكرمين! فقال له عمر: اجلس هنا، وأمر الصحابة أن يكرموا هذا القبطي، وكتب عمر كتابًا إلى والي مصر بعد ما حمد الله وأثنى عليه قال:
من عبد الله عمر بن الخطاب إلى والي مصر، سلام الله عليك وبعد: فإن انتهيت من قراءة كتابي هذا فاركب إلي مع ولدك محمد، فدخل عمرو بن العاص وفي خلفه ولده محمد على أمير المؤمنين عمر، فقال فاروق الأمة: أين قبطي مصر؟
فقال: هآنذا يا أمير المؤمنين! قال: خذ السوط واضرب محمد بن عمرو، فضربه على رأسه، فقال له: اجعلها على صلعة عمرو، فقال: لا يا أمير المؤمنين لقد ضربت من ضربني، قال: والله لو فعلت ذلك ما حلنا بينك وبين ذلك، فما تجرأ عليك ولده إلا بسلطان أبيه، ثم قال عمر قولته الخالدة التي ترن في أذن الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!".

 

وفي عصرنا يا ابن الخطاب:

قطيع نحن والجزار راعينا

ومنفيون نمشي في أراضينا

ونحمل نعشنا قسرًا بأيدينا

ونعرب عن تعازينا لنا فينا

فوالينا أدام الله والينا

رآنا أمة وسطًا فما أبقى لنا دنيا، وما أبقى لنا دينًا.

 

3- من أقوى علامات العدل أن يكون الكل أمام القانون والقضاء سواء:
فلا تُعطَى حصانة لأحد مهما علت رتبته، ولا يميزون في إجراءات التقاضي، وما خربت البلاد، وفسدت العباد إلا عندما أحس أصحاب السلطة والمقربون منهم أنهم فوق المحاسبة، وأن العقوبة لا تطول إلا صغار المذنبين، وصدق الله العظيم القائل في كتابه (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا 16) (16 الإسراء)، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- حريصًا منذ أن أقام دولته أن يرسخ هذا المعنى، فرفض أن تُعطَّل الحدود، وتُهدَر الأحكام بحجة أن أصحابها ذوو مكانة في قومهم، واعتبر ذلك بداية تحلل الدولة وفسادها".

 

قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلِّم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله، فكلَّمه أسامة فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب، ثم قال: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

 

وكان– صلى الله عليه وسلم– نموذجًا في المساواة ومثالاً رفيعًا في احترام القانون، فبينما كان يعدل صفوف أصحابه يوم بدر بقدح كان في يده، فمر بسواد بن غزية حليف بني النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله في بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق، فأقدني، فكشف رسول الله عن بطنه، فقال: استقد، فأعتنقه، وقبل بطنه، فقال رسول الله: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، حضر ما ترى، ولم آمن من القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير" أسد الغابة ج 2 ص 484 علي بن الأثير.

 

ومن أحسن ما جاء في هذا في تاريخنا الإسلامي "أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ابتاع فرسًا من رجل من الأعراب، ونقده ثمنه، ثم امتطى صهوته ومضى به لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري، فانعطف به عائدًا من حيث انطلق، وقال للرجل: خذ فرسك فإنه معطوب، فقال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين، وقد بعته لك سليمًا صحيحًا، فقال عمر اجعل بيني وبينك حكمًا، فقال الرجل: يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي، فقال عمر: رضيت به، احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس إلى شريح، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي، التفت إلى عمر بن الخطاب وقال: هل أخذت الفرس سليمًا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: نعم، فقال شريح: احتفظ بما اشتريت- يا أمير المؤمنين- أو رد كما أخذت، فنظر عمر إلى شريح معجبًا وقال: وهل القضاء إلا هكذا؟! قول فصل وحكم عدل، سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها".

 

وقد تكرر هذا المشهد مع الإمام علي أمير المؤمنين- رضي الله عنه- حيث رأى درعه الذي فقده مع يهودي يبيعه في السوق، فقال علي: إن هذا الدرع درعي وأنا أعرف علاماته، فقال اليهودي: بل هو درعي، فتوجها إلى القضاء، فوقف أمير المؤمنين بجانب اليهودي أمام شريح القاضي (خصمان أحدهما أمير المؤمنين يقفان لا فرق بينهما أمام القاضي العادل)، فقال شريح: البينة على من ادّعى، قال علي: إن الدرع درعي وعلامته كيت.. كيت..، وهذا هو الحسن بن علي شاهدي على ذلك، فقال شريح يا أمير المؤمنين إني أعلم أنك صادق ولكن ليس عندك بينه، وشهادة الحسن لا تنفعك؛ لأنه ابنك، وقد حكمنا بالدرع لليهودي، فهزَّ هذا الموقف اليهودي، وقال: والله إن هذا الدين الذي تحتكمون إليه لهو الناموس الذي أنزل على موسى- عليه السلام- وإنه لدين حق، ألا إن الدرع درع أمير المؤمنين، وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأسلم.

 

وأخيرًا نسأل الله أن يرزقنا الإمام العادل الذي يقودنا بكتاب الله إلى خيري الدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.