مناقشة آراء وأفكار
كتبت لسيادتكم رسالة أول أمس، كان عنوانها عتاب ونصيحة وتذكير، ضمنتها بعض ما كتبت أيديكم من خلاصة علمكم وفكركم وثوابتكم ومبادئكم، وثقتي في سعة صدركم وحسن استقبالكم للرأي المخالف والنصيحة دفعاني لمناقشة آرائكم وأفكاركم التي طرحتموها- سيادتكم- كأسباب ومبررات لاختيار مرشحكم للرئاسة، ولست في حاجة لتأكيد أن هذا حق خالص لكم، بيد أنه من واجبنا أن نناقشكم في أسبابكم ومبرراتكم من قبيل النصيحة الشرعية.
• جاء في رسالة للأستاذ عبد المنعم الشحات أن الدعوة السلفية أعلنت موقفها بوضوح أنها لن تدعم إلا مرشحًا يؤمن بالمرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وأزيد على ذلك أنكم وحزب النور تطالبون بتغيير نص المادة الثانية من الدستور لتكون أحكام الشريعة، أو الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلاً من مبادئ الشريعة الإسلامية، لذلك فمن العجب العجاب أن تختاروا للترشيح للرئاسة شخصًا يقول: (لو يوافق الشعب على إلغاء المادة الثانية من الدستور يبقى خلاص، والمادة الثانية هي الحكم بالشريعة ليست فرضًا على الناس..) ولقد علقتم سيادتكم بقولكم: (فهذه المقولة جحد لفرضية الشريعة).
فهل هذه القضية من الثوابت أم لا ؟ ثم ألا ترون تناقضًا بين الموقفين؟
• وقلتم إنكم سعيتم لتوحيد الإسلاميين خلف المهندس خيرت الشاطر ولكن الله لم يقدر تمام هذا الأمر، وقلتم إن مشروع النهضة نُسب بصورة كبيرة للمهندس خيرت الشاطر، واستبعاده جعل مهمة الدكتور محمد مرسي صعبة، ومن المهم أن يُنظر في انتخابات الرئاسة إلى مقدار القبول لشخص المرشح، والذي يطغى على الانتماء الحزبي بل ويطغى على البرنامج الانتخابي ذاته، وقلتم أيضًا في أسباب عزوفكم عن ترشيح الدكتور محمد مرسي إنكم تخشون من استئثار جماعة واحدة بكل مفاصل البلاد مما يفتح الباب أمام إنتاج نظام مستبد من جديد، وقلتم إن بريق الانفراد بالسلطة عند تبوء مقاعدها لم يصبر أمامه أكثر الملوك والرؤساء في العالم عبر التاريخ.
ولمناقشة هذه الآراء نذكر سيادتكم بأنكم من جئتم إلى المركز العام للإخوان المسلمين- الأساتذة الأفاضل (ياسر برهامي- وعبد المنعم الشحات- وسعيد عبد العظيم)، لإقناع المهندس خيرت الشاطر بالترشح للرئاسة في الوقت الذي لم نكن قد اتخذنا قرارًا بالترشح لهذا المنصب، بل إن الأخ الكريم بسام الزرقا عضو مجلس شوراكم وأحد المتحدثين باسم حزب النور زارني شخصيًّا في منزلي، وكان ضمن ما تطرق إليه الحديث موضوع الرئاسة وعندما أخبرته بأنه لم يستقر رأينا على شخص- في وقت زيارته- قال لي: لو اتفقنا نحن وأنتم على شخص فإنه سينجح بإذن الله.
ومعنى هذا أنكم كنتم على استعداد لدعم المهندس خيرت الشاطر للوصول لهذا المنصب، أي أنكم كنتم على استعداد لكي تتولى جماعة واحدة- الإخوان المسلمون- كل مفاصل الحكم في البلاد، أفلا ترون سيادتكم تناقضًا بين هذا الموقف وبين قولكم إنكم تخشون من استئثار جماعة واحدة بكل مفاصل الحكم في البلاد؟
ثم منذ متى والإخوان يستأثرون؟ ألم يكن في استطاعتهم أن يستحوذوا على مناصب الرئيس والوكيلين في مجلسي الشعب والشورى؟ وكذلك على رئاسة اللجان النوعية في كليهما؟ فهل فعلوا ذلك؟ وحينما اقترحوا أن يقوم حزب الحرية والعدالة باعتباره حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة هل اقترحوها حكومة مغلقة عليهم أم اقترحوها حكومة ائتلافية؟ وفي النقابات المهنية ألم يُطَعِّموا قوائمهم الانتخابية بآخرين من غيرهم؟؟
كما قال أحدكم: إنكم عزفتم عن اختيار أحد من الإخوان شفقة عليهم من تحمل كل المسئولية وحدهم وهي عبء كبير في بلد يتهاوى، وأتساءل: أين كانت هذه الشفقة وقتما أتيتم لتقنعوا المهندس خيرت بالترشح؟
أما بالنسبة لمشروع النهضة وارتباطه بالمهندس خيرت الشاطر فالمشروع أصلاً هو مشروع الإخوان أسهم فيه الكثير من أساتذة الجامعات من الإخوان وغيرهم في مصر، إضافة إلى دراسات تمت على تجارب نحو ثلاثين دولة من دول العالم تحققت فيها النهضة بأشكال وفي مجالات مختلفة، وقد أقر الأستاذ ياسر برهامي بأنه أحسن البرامج المطروحة، وإن كان المشروع قد ارتبط باسم المهندس خيرت الشاطر، فإنه قد أكد مرات عديدة أن المشروع وهو شخصيًّا في خدمة الدكتور محمد مرسي لخدمة مصر، وإذا كان المهندس خيرت قد استبعد ظلمًا، والأصل في صاحب المبادئ أن ينصر المظلوم، وأن يرد المظلمة إلى أهلها سواء كان زيدًا أم عمرًا، وأن يحبط كيد الظالمين.
ثم إن هذا المشروع تقف وراءه كتلة من البشر تبلغ مئات الآلاف موزعة على كل أنحاء الجمهورية تدعمه وتبذل قصارى جهدها من أجل إنجازه وإنجاحه بإذن الله.
• أما عن قولكم: ومن المهم أن يُنظر في انتخابات الرئاسة إلى مقدار القبول لشخص المرشح، والذي يطغى على الانتماء الحزبي بل ويطغى على البرنامج الانتخابي ذاته.
فأقول: إن النظرة العلمية الموضوعية تنظر إلى الرئيس البرنامج والمبادئ والأهداف والوسائل والكتلة الداعمة وليس الرئيس الشخص، بل إن تقديم الشخص ينظر إليه على أنه مظهر من مظاهر التعصب، ولذلك فإن الدول المتقدمة في مضمار الحريات تعتمد أسلوب الانتخابات بالقوائم في الانتخابات البرلمانية تقديمًا للبرامج على الأشخاص وهو ما دعا السياسيين في مصر إلى المطالبة بذلك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وقد تحقق لهم ذلك بنسبة الثلثين، وعمومًا فهو مبدأ إسلامي أصيل أن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، وأن الارتباط ينبغي أن يكون بالمبادئ لا بالأشخاص، وأما الحديث عن مقدار القبول فيستوجب أسئلة: من هؤلاء القابلون؟ هل هم من أنصار المشروع الإسلامي؟ ثم ما هو الدليل على هذه القبول؟ هل هو الانطباع ؟ وهل هو وسيلة علمية ؟ أم هو المنشور في وسائل الإعلام؟ وهل هي أمينة وصادقة ومحايدة؟ أم هي استطلاعات الرأي؟ وهذه ألم يثبت كذبها مرات ومرات، مرة حينما أعلنوا أن 90 % من الشعب المصري سوف يصوت بـ (لا) في استفتاء التعديلات الدستورية، وظهرت النتيجة كما تعلمون، ومرة حين أعلن المركز الجمهوري الأمريكي، ومركز جالوب أن استطلاعات الرأي أثبتت أن الإخوان لن يفوزوا بأكثر من 15 % وأن الوفد سيفوز بنسبة 9 % والحزب الوطني المنحل سيفوز بنسبة 10 % في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وظهرت النتائج على عكس كل ما قالوه؟
إن هذا كله إنما يأتي في نطاق الحرب النفسية التي تستهدف الإحباط والتثبيط.
ثم ألم يقل لي الأخ الأستاذ بسام الزرقا: لو اتفقنا نحن (الدعوة السلفية والنور) وأنتم (الإخوان والحرية والعدالة) على شخص لنجح بإذن الله؟
أما قول سيادتكم: بأن استئثار جماعة واحدة بكل مفاصل الدولة يفتح الباب أمام إنتاج نظام مستبد من جديد، فأعتقد أن هذا القول هو ترديد لما يقوله خصوم الإخوان في السياسة والإعلام، وأن ما سبق أن ذكرته من أننا توافقيون وأننا أنشأنا (التحالف الديمقراطي) وأننا دعونا لقوائم مشتركة مع آخرين إضافة لما ذكرته بخصوص الحكومة الائتلافية ومناصب مجلسي الشعب والشورى والنقابات يثبت عكس ما تقولونه، إضافة إلى أن الشعب المصري كسر حاجز الخوف، وخرج من إسار التدجين الذي أراده له البعض ومن ثم لن يسمح لأحد أن يستبد بأمره مرة أخرى، فذكر هذا القول أعتبره إهانة لهذا الشعب، كما أن حزب الحرية والعدالة لا يملك أغلبية مطلقة في البرلمان، وكذلك فإنه في سعيه لتشكيل الحكومة أو الترشح للرئاسة كان مضطرًّا إلى ذلك اضطرارًا، والدليل على ذلك مجيئكم لإقناعنا بالترشح للرئاسة وكذلك فليس من المعلوم إن كانت الوزارة سوف تُسند لحزب الأغلبية أم لا، خصوصًا وأن هناك قوى عديدة على رأسها المجلس العسكري ترفض ذلك الآن وتصر على التدخل في الدستور- رغم عدم أحقيتها في ذلك- لتمنع إسناد الوزارة لحزب الحرية والعدالة ولو كانت وزارة ائتلافية، كما أن القوى الوطنية مصرة على أن يأتي الدستور مقيدًا للسلطة حتى لا تكون مطلقة فتنقلب إلى مفسدة مطلقة.
أما القول بأن الإخوان لن يصبروا على إغراء السلطة مثلما حدث من أكثر الملوك والرؤساء في العالم عبر التاريخ فهو سوء ظن أعتقد أن ديننا نهانا عنه، إضافة إلى أن سيادتكم لا تعلمون الغيب، ونحن بفضل الله أصحاب مبادئ ولسنا طلاب دنيا ولا مناصب، وهناك كثير من الدول في العالم يتولى فيها كل المناصب حزب واحد، ومع ذلك تحافظ على ديمقراطيتها وحريتها وعدالتها، نظرًا لوعى شعوبها مثل تركيا وغيرها كثير من الدول الغرب، فتركيا رئيس جمهوريتها ورئيس وزرائها وأغلبية برلمانها من حزب واحد، ولم يقل أحد إن ذلك تكويش أو سيطرة أو هيمنة مثلما يقول المناوئون، ونعتقد أن الشعب المصري أصبح من الوعي بالقدر الذي لا يسمح لأحد أيًّا كان أن تغره السلطة وتدفعه للاستبداد أو الفساد.
أما ما قيل من أن الدكتور عبد المنعم كان أكثر مرونة من الدكتور محمد مرسي؛ حيث وافق الدكتور عبد المنعم على تغيير نص المادة الثانية الخاص بالشريعة الإسلامية من (مبادئ الشريعة الإسلامية) إلى (أحكام الشريعة الإسلامية) ورفض محمد مرسي ذلك، فمرجعه إلى أن محمد مرسي وراءه حزب سوف يشارك في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وبالتالي فهو مسئول عن كلامه ولا يمكن أن يقول أو يلتزم إلا بما يؤمن به، أما الدكتور عبد المنعم فهو شخص بمفرده ليس له دور في وضع الدستور سواء وهو مرشح للرئاسة أو حتى إذا فاز فيها وإنما دوره يقتصر على الإدلاء بصوته في الاستفتاء على الدستور مثل أي مواطن مصري، ومن ثم كان الكلام سهلاً والمرونة كبيرة لأنها لن يترتب عليها شيء على أرض الواقع.
• أما أغرب ما قيل فهو أن قرار العزوف عن اختيار الدكتور محمد مرسي مرجعه إلى أنكم لا تريدون أن يقول الناس إن الأمور تطبخ بينكم وبين الإخوان وتخرجون للناس متفقين، أي أن المطلوب هو المخالفة من أجل إثبات استقلالكم عن الإخوان وأن قراراتكم هي من رؤوسكم، وهو كلام غير شرعي وغير علمي وغير موضوعي، فهل لو اتخذ الإخوان قرارًا صائبًا في أي موضوع تتخذون القرار المعاكس ولو كان غير صائب لإثبات الاستقلال، ثم أليست هناك مساحة مشتركة من المبادئ والقيم والمعايير نتفق عليها؟ فهل نمحوها حتى تثبتوا استقلالكم؟ وهل نجعل لرأي الناس أو نقد الناس اعتبارًا يفوق الحق والصواب والمصلحة العليا؟ وهل الغاية هي إرضاء الله أم إرضاء الناس؟
وفي الباب نصوص كثيرة لا ريب أنكم تعلمونها جيدًا.
وفقنا الله جميعًا لما يحبه ويرضاه، وعافانا من كل ما يبغضه ويأباه، واستخدمنا في طاعته وهداه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
---------------
* عضو مكتب الإرشاد، والمتحدث الإعلامي باسم الإخوان المسلمين.