لا يخفى على أحد ما تعانيه البشرية من شقاء وبلاء، وما يقع بين شعوب الأرض من صراع ودمار، وما يحل بأهلها من ويلات ونكبات، ومن المؤسف والمؤلم أن هذا الدمار والبلاء لم يقف عند حدود أكابر المجرمين الذين مكروا بالأرض من مكر السوء، وأفسدوا فيها فسادًا كبيرًا، وإنما عمَّ البلاء فأصاب أهل الأرض جميعًا، فإذا البشرية في صراع دائم وشقاء مقيم، وصدق الخالق الحكيم القائل: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)) (الأنفال)

 

واليوم وقد تعبت البشرية من شقائها، ويئست من شفائها لم يبق أمامها إلا أن تبحث جاهدة عن طوق النجاة، ولكنها لسوء حظها وفساد تصورها لا يبدو أنها ستظفر به قريبًا؛ لأن كبار مجرميها مصرون على السعي بها إلى سوء المصير، وذلك بتصميمهم على استدبار طريق الهداية، والانطلاق المحموم بعيدًا عن الله، وتلك عقوبة إلهية لكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وصدق الخالق الحكيم القائل: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (146)) (الأعراف)، ولأن الأرض هي سفينتنا التي تقلنا جميعًا، كان لزامًا على راكبيها أن يتكاتفوا لإنقاذها، والأخذ على يد العابثين بمصيرها، واللاهين بمستقبلها، مهما كان شأن هؤلاء العابثين الماجنين، ومهما تهيأ لهم من أسباب القوة وخداع الراكبين إن الكون كله أشياءه وأحياءه- من خلق الله وإبداعه، أراده الله- سبحانه- فكان، وليس لشيء، ولا لحي في هذا الكون أثارة من أمر الخلق في هذا الكون، ولا التدبير ولا الهيمنة، ولا مشاركة في شيء من خصائص الألوهية بحال من الأحوال.

 

والإنسان- بجنسه مخلوق مكرم على سائر الخلائق في الأرض مستخلف من الله فيها، مسخر له كل ما فيها، ومن ثم فليست هنا قيمة مادية هذه الأرض تعلو قيمة الإنسان أو تهدر من أجلها قيمته.

 

ومن هنا تسقط كل الذرائع الإجرامية التي تتذرع بها أمريكا والغرب الأوربي وتشن بها حرب إبادة على شعوب المسلمين في بلادهم طمعًا فيما تحويه أرض المسلمين من كنور، أو ما يحمله المسلمون أنفسهم من عقيدة أو قيم، فالله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق جميعًا ليتعارفوا لا ليتصارعوا ويتفانوا، ودعاهم في نداء إلهي خالد إلى تذكر أصلهم الواحد الذي يضمن لهم الانطلاق من قاعدة واحدة هي الأب الواحد والأم الواحدة، والاتجاه إلى هدف واحد هو التعارف والتآلف والاحتكام إلى معيار واحد هو التقوى.

 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) (الحجرات)، تلك هي الثوابت العليا التي ينطلق منها الإنسان في مفهوم الإسلام، فهل وعى الغرب الأحمق، وهل أدركت أمريكا الرعناء هذه الحقيقة الإلهية التي قررها الإسلام وتعامل مع شعوب الأرض جميعًا من منطلق تلك الثوابت فنعمت الأرض كلها بأسعد قيادة عرفها التاريخ.

 

إن الناس من أصل واحد، ومن ثم فهم من هذه الناحية متساوون، وإن القيمة الوحيدة التي يتفاضلون بها فيما بينهم هي التقوى والعمل الصالح لا أية قيمة أخرى من نسب أو مال أو مركز أو طبقة أو جنس إلى آخر تلك القيم الأرضية.

 

بهذه الثوابت الراقية حكم الإسلام الأرض قرونًا عديدة فقدم للبشرية أسعد أيامها، وأزهى حضارتها وأجمل ما شهدته من قيم العدل والإنصاف.

 

ودارت الأيام دورتها وآل أمر البشرية إلى يد قوم لا يؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا، ولا يعتمدون الحل الإلهي لمشكلة الأرض، وإنما الأمر كله يقوم على مبدأ اللذة والمنفقة والاستحواذ المجنون على مصدر القوة ممثلاً في الطاقة والعتاد العسكري، ولهذا لا نعجب إذا رأينا حال الأرض على هذه الصورة التي يصورها بقلمه شهيد الإسلام سيد قطب فيقول: (صورة من واقع الإنسان الغربي).

 

"إن العاقل الواعي الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة، يراها تتخبط في تصوراتها وأنظمتها وأوضاعها وتقاليدها وعادتها وحركاته كلها تخبطًا منكرًا شنيعًا يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس!، وتتشنج في حركاتها كلها وتتخبط وتتلبط كالممسوس، يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس وفق أهواء بيوت الأزياء يراها تصرخ من الألم، وتجرى كالمطارد، وتضحك كالمجنون وتعربد كالسكير، وتبحث عن لا شيء، وتجري وراء أخيلة! وتقذف بأغلى ما تملك وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار! لعنة!... لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير إنها تقتل الإنسان وتحوله إلى آلة لتضاعف الإنتاج!

 

إنها تقضي على مقوماته الإنسانية وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء.

 

إنها الجريمة.. الجريمة المنكرة في حق البشرية كلها، وفي حق هذا الجيل المنكود!

 

وأمام هذه الجريمة النكراء التي يمارسها النظام العالمي الجديد كان لا بد للإسلام أن يعلن عن نفسه، بعد أن تيقن أن هذا النظام لا يملك أدنى مقومات القيادة التي تمنح البشرية السعادة والهناء؛ لأن هذا النظام نفسه لا يشعر بشيء من السعادة والهناء، بعد أن قطع علاقته بواهب السعادة للنفس عندما حجبت تلك النفوس عن الله فأظلمت ويئست (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125)) (طه)، (إن الإسلام ينادي بنفسه رسالة عالمية للناس أجمعين؛ لأنه يريد للبشرية كلها أن تنعم بخيره ورحمته وهدايته، ولا يريد أن يكون هذا كله وقفًا على قوم دون قوم، أو جنس دون جنس على الطريقة اليهودية مثلاً! ولا يزال أمر الله يتردد خالدًا ليأمر القائمين على هذا الدين بما أمر به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من قبل قائلاً:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)) (آل عمران).

 

ولكنه في الوقت ذاته لا يحاول أن يقسر الناس قسرًا على اتباعه (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: من الآية 256)، وكل ما يريده الإسلام هو أن تترك له حرية الدعوة بين أهل الأرض جميعًا، كي يصلهم بالخير المطلق الذي جاء به رب الناس جميعًا.

 

والإسلام عندما يتوجه بدعوته تلك إلى البشرية كلها يؤكد منذ اللحظة الأولى على نفي كل نعرة جنسية، وكل نزعة عنصرية، وكل تمييز على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة، وأن الاختلاف في الألوان واللغات يراد به التعارف لا التناحر "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

 

ومن هنا أؤكد أن الإسلام ليس ملكًا للعرب، ولا ملكًا للمسلمين وحدهم يعرضونه على قوم ويحجبونه على آخرين، وإنما هو دعوة الله إلى البشر أجمعين.

 

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)) (الأعراف).

 

وإذا كانت الدعوة إلى الإسلام وقد أضحت فريضة شرعية وضرورة بشرية تلزم عقلاء الأرض جميعًا من كل ملة ومن كل لون، فإن أولى الناس قيامًا بهذه المهمة هم المسلمون أنفسهم الذين ذاقوا حلاوة القرب من ربهم، وطعموا لذة الطاعة لخالقهم، وسعدوا بالمنهج الإلهي الحكيم الذي ضمن لهم حالة من التوازن النفسي والانسجام الروحي والاستقرار الوجداني والشعوري، حتى جعلت رجلاً مثل الإمام ابن تيمية يقول: (نحن بهذا الإسلام في سعادة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف).

 

وإذا كان الباطل في كل ملة قد وجد من أصحابه من يحميه وينصره ويذود عنه وينشره، فإن أهل الإسلام وهو دين الله الحق هم أولى الناس قيامًا بنصره، والموت في سبيله وإيصاله إلى العالمين، ويوم يرى الله منهم صدقًا في إيمانهم واستقامة في سلوكهم ونزاهة في أخلاقهم، وإخلاصًا عميقًا في عبادتهم وعقائدهم سيلقي هيبتهم في قلوب أعدائهم، ويمكن لهم من رقابهم.

 

أما إن ظلوا في ضلالهم، وسدروا في طغيانهم، وأعطوا الدنية في دينهم فسيحق عليهم قول ربهم: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد: من الآية 38).