حفل الأسبوعان الماضيان بإعلان العديد من القوى السياسية مواقفها من مرشحي الرئاسة؛ وبتدشين حملة د. مرسي رسميًّا أصبحت خريطة الداعمين له أو لمنافسيه قد اتضحت إلى حد كبير.
ود. مرسي باعتباره مرشح "الإخوان" يتقدم حاملاً ميزات وتبعات المواقف القيمية التي انتهجتها "الجماعة" في العام المنقضي؛ لذا فإن حملته تتفاعل مع الواقع الآتي:
فهي تُعايش موقفا إقصائيًّا متشددًا من "العسكري" الذي رفض "الإخوان" محاولاته لإجهاض الثورة, وانتصروا للمطالب الثورية؛ بضرورة إتمام نقل "مصر" من دولة سلطوية بغطاء عسكري إلى دولة دستورية مدنية، ومن هنا فإن كل الخيوط التي بيد "العسكري" ستلعب لإفشال "د. مرسي"؛ وأهمها في اللحظة الراهنة هو الإعلام الذي سيصوّر الفشل الحكومي على أنه فشل "للبرلمان"؛ ثم سيتجاهل نجاحات حملة "د. مرسي" وسيخفض ظهوره إعلاميًّا لأدنى مدى لحجبه عن الكتلة الكبرى التي لم تقرر مرشحها بعد؛ كما سيصمد "العسكري" ولن يسهم في حل مشكلة "تأسيسية الدستور" حتى لا يظهر للشعب المرونة الإخوانية التي من شأنها دحض حجج (التكويش) التي يروّجها إعلام "العسكر"، وسيضغط "العسكري" الآن لصالح المرشحين المنافسين كمرحلة أولى, وسيرمي بثقله لتأييد المنافس "لمرسي" أيًّا كان في حالة الإعادة.
أما "الصوت السلفي" فمواقفه تتعدد بتعدد الأطياف السلفية:
فلدينا "الدعوة السلفية" بالإسكندرية وهي تمتلك كتلةً تصويتيةً مؤثرةً وقد اتخذت قرارًا بدعم "د. أبو الفتوح"، ولا شك أنهم يجدون صعوبةً بالغة في تسويق قرارهم للصف السلفي؛ باعتبار ما سبق من مواقف متشددة تجاه مرشحهم؛ والتي وصلت لاتهامه بإنكار معلوم من الدين بالضرورة (حد الردة)؛ ومخالفة إجماع الأمة (ولاية المرأة والقبطي)؛ ثم وصفه "بالليبرالي"، وقد زادت الصورة اهتزازًا بعد توصيف د. برهامي "للعوا" باعتباره أفضل المرشحين؛ ولمشروع "د. مرسي" بأنه أفضل المشاريع؛ ولكنهم سيختارون د. أبو الفتوح لأنه أنسب المرشحين، وكذلك مقال م. الشحات لتبرير القرار؛ حيث ذكر في البداية أنهم وقفوا مع ترشيح "الشاطر" لأنه رجل قوي؛ ثم في آخر المقال اعتبر أن سبب عدم تأييدهم لـ"مرسي" هو ألا يستحوذ "الإخوان" على مؤسسات الدولة؛ فهل كان الاستحواذ بعيدًا عن الصورة مع ترشيح "خيرت" القوي؟!
أضف إلى ذلك ما صرَّح به د. برهامي بأنهم أخذوا عهدًا على د. أبو الفتوح بتكليف "الإخوان" بتشكيل الحكومة؛ وقطعًا لا يملك أحد الجزم بصلاحيات "الرئيس" حتى يضمن الحكومة "للإخوان"، وبالتالي فكل هذه تبريرات تُظهر أن متخذ القرار لا يستطيع تسبيبه؛ ومن باب أولى لن يستطيع إقناع الجميع به؛ لذا فإن الصوت السلفي التابع للقيادة السكندرية ما زال متأرجحًا بين من سيمتثلون لقرار المشايخ ومن سيرفضونه بنفس منطق التفكير الذي تعلموه من مشايخهم، وتصبح فرصة "د. مرسي" كبيرة في حصد هذه الأصوات دون تكلفة سياسية كانت ستطلب منه لو حظي بالتأييد السلفي الرسمي.
أما السلفية غير التنظيمية- وهي التي تتبع رأي عالمها المفضل- فهؤلاء مبدئيًّا يحوطهم تأييد "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" للدكتور مرسي؛ مما يجعلها كتلة مستقرة؛ وهذه الكتلة يقترب تأثيرها من تأثير سلفية "الإسكندرية"، فضلاً عن أن السلفي الذي سيحشد لـ"مرسي" لن يعاني من الحرج الذي سيعانيه أخوه السلفي الداعي لـ"أبو الفتوح"، وذلك وفقًا للتصورات السلفية، وهكذا تصبُّ هذه الكتلة المؤثرة بدوائرها في صندوق "د. مرسي".
أما الكتلة البيروقراطية (الموظفون بكل درجاتهم) فهي التي تنزعج من أي صدام، وخاصةً مع "العسكري"، وهي تنحاز دائمًا "إلى خطاب الاستقرار" وترتعد من "خطاب المقاومة"، وهؤلاء يتأثرون بالحملات الإعلامية المنظمة، ولديهم القابلية للاقتناع بأي مبررات لإقصاء أي فصيل يطالبهم بأي جهاد من أي نوع، وهم ضد حيوية و(صخب) "شباب التحرير"؛ لأنه يشعرهم بالقلق؛ لكنهم يغضبون من "الإخوان" إذا لم يساندوا هؤلاء الشباب، أو يسيطروا عليهم! وهم مع تنفيذ مطالب الثورة، لكنهم لا يريدون اختلافًا مع "العسكري" المتباطئ والمناور في تنفيذ هذه المطالب!، وهم يريدون "الإخوان", لكن تخويفهم من "الإخوان" يؤتي أكله أحيانًا! ولانتشار هذه الفئة في مؤسسات العمل؛ فإن توجهها يبدو وكأنه ممثل للرأي العام، وهذا خطأ تقييمي كبير يعطي مؤشرات غير صحيحة عن اتجاهات التصويت، والصحيح أن تأثيرهم في "المناخ العام", لكنه ليس قراءةً دقيقةً "للرأي العام"، وأتصور أن إصرار د. مرسي على تقديم نفسه باعتباره (مشروعًا للبناء)؛ وليس (دعوة للصراع)؛ سيستعيد هذه الفئة بالتدريج لتصب في صندوقه.
أما "الأقباط" فهم يمرون بلحظة "غياب القائد"، وهو واقع يعطي فرصة للقيادة الكنسية في ترتيب البيت من الداخل، كما سيعطي للناخب القبطي حرية افتقدها منذ زمن بعيد، لكنه استغنى عنها طواعيةً لضمان الشعور بالتوحد وراء قائد سياسي محنك، مثل "البابا" الراحل؛ ولكن الصوت القبطي يذهب عادةً "للسلطة" باعتبار الاعتقاد الذي أصبح له امتداد سياسي وهو: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، غير أن فترة الحرية النسبية هذه تفتح المجال للمرشحين لجذب أصوات "الأقباط"، ونظن أن "الإخوان" قريبون من شريحة أقباط الطبقة المتوسطة والفقراء وفي غياب التوجيه الكنسي يمكن ضمان نسبة معقولة من هؤلاء إذا استمرت الحملة على طرق جميع الأبواب بدأب.
أما (الكتلة الحرجة) التي لم تقرر بعد لمن يكون صوتها، والمتفق عليه انطباعيًّا حتى الآن أنها الفئة الكبرى (استطلاعات تشير إلى نسبة 47%)، وبالتالي فإن هذا يعطي فرصةً كبيرةً للوافد الجديد "د. مرسي" في أصوات هؤلاء؛ لأن بقية المرشحين قد عرض نفسه بالفعل على مدار عام تقريبًا ولم يحسم أصوات هذه الكتلة؛ وبالتالي فإن خطاب "النهضة الشاملة" مرشح ليكون الأوفق لهذه الفئة، والتي طالعت أطروحات متعددة، لكنها تشهد أطروحة جديدة تتمثل في "رجل الدولة" الجاهز بمشروع الألف خبير؛ الذي التقى بممثلي مائة دولة ونقل خبرات محددة من 25 دولة؛ مما سيبني له صورة (واقعية) جادّة تختلف عن الذين (يبشرون) بمستقبل جميل حالم؛ لأن هذه الفئة تنتظر تطويرًا حقيقيًّا ونتائج قريبة، ولن يقنعها معسول الكلام.
أما الرصيد الإستراتيجي "للإخوان"- وهو المتمثل في الريف المصري بقراه وكفوره ونجوعه- فإنه يمثل قاعدة ارتكاز تكفي للمنافسة على المنصب؛ وإذا أضيفت إليه متحصلات الكتل السابقة فهذا يعطي مؤشرًا قويًّا لفوز المرشح الإخواني.
------------