- محور التنمية البشرية

في سورة الرعد؛ يقول ربنا عز وجل (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11) فالآية الكريمة آية عظيمة تدل على أن الله- سبحانه- لكمال عدله، وكمال حكمته، لا يغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولذلك فإن النهضة المنشودة لا يمكن لها أن تُبنى إلا بإنسان يتواكب مع هذه السنة الكونية، ويعيد تشكيل وعيه كي يكون لبنة في النهضة القادمة، وبقدر ما نبذل في هذا الاتجاه بقدر ما ينضج هذا المشروع ويزدهر.

 

وفي رسالته هل نحن قوم عمليون يصرح الإمام الشهيد حسن البنا بمواصفات إنسان النهضة الذي يتمناه ويعمل لتكوينه لأن البشر هم الذين يصنعون النهضات وهم الذين يملكون استمرارها وصيانتها، فقال رحمه الله: "وها أنا ذا أصارح الغيورين من أبناء الإسلام بأن كل جماعة إسلامية في هذا العصر محتاجة أشد الحاجة إلى الفرد العامل، المفكر، الجريء، المنتج، فحرام على كل من آنس من نفسه شيئًا من هذا أن يتأخر عن النفير دقيقة واحدة".

 

1- العامل: هو الشخص العملي المتحرك الذي يدرك أن العمل الصالح هو مفهوم واسع يتعدى فكرة العبادات والنسك لينتقل إلى مفهوم أرحب وأعمق مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "في كل كبد رطبة أجر....." (رواه البخاري).

 

2-المفكر: الشخص الذي يعمل عقله ويمتلك أدوات التحليل والقدرة على القراءة النقدية، وله نهم دائم بالتطوير والتحسين والتجويد، "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (رواه مسلم).

 

3- الجريء: الشخص المقدام الشجاع المضحي، جريء في طرحه ومقاومته لكل أشكال الظلم والفساد والانكسار.

 

4- المنتج: الشخص الذي يقدم إنجازات ويحقق نجاحات ولا يكتفي بالتنظير والنقد.

 

إن بناء إنسان النهضة يستدعي تطوير منظومتي التعليم والثقافة واللذين يجب أن يتضافرا من أجل إلغاء كل مظاهر التناقض التي ربما جمعت في الإنسان المصري قيمًا متناقضة تؤدي إلى تعثره وضياع خطواته.

 

فكما يذكر الأستاذ الدكتور نصر محمد عارف في بحوثه حول التعليم والقيم؛ فإن النظام التعليمي قد يشتمل على قيم وأفكار يهدم بعضها بعضًا؛ بحيث إن بعض هذه القيم يدفع إلى الإيجابية والفعالية، وبعضها يقود إلى التواكل والتراخي والسلبية، كذلك بعضها يدفع إلى التفاعل الإيجابي مع "الآخر" وبعضها يغرس مفاهيم العداء للآخر والرغبة في استئصاله، وهكذا في مختلف الموضوعات هناك أنماط متعاكسة من القيم التي يهدم بعضها بعضًا أو إن شئت فقل إنها تؤدي إلى إنتاج إنسان محايد قابل للاستخدام في أي اتجاه فإذا ما وجد من يدفعه إلى العنف استجاب، وإذا ما وجد من يدفعه إلى الانحراف الأخلاقي في الاتجاه المعاكس استجاب كذلك، وأضاف أنه قد يكون من المفيد في هذا السياق إلقاء نظرة تحليلية لتجربة ناجحة في التعليم بالقيم، وهي تجربة كوريا الجنوبية في أوائل الستينيات، ففي سعيه لتقليد النموذج الياباني لاحظ بارك- رئيس كوريا الجنوبية في ذلك الوقت- أن هناك تشابهات واختلافات بين كوريا واليابان سواء في البناء الاجتماعي أو الثقافي، لذلك قام بعملية للفرز القيمي؛ حيث عمد إلى تقوية العناصر الوظيفية في الثقافة، وإضعاف العناصر غير الوظيفية لأنه أدرك أن الدولة تستطيع أن توجد نظامًا اقتصاديًّا ولكنها لا تستطيع إيجاد أصحاب الأعمال أو العمال الذين يحافظون عليه، ومن ثم حددت العناصر الوظيفية في الثقافة  مثلاً الانتظام، والعمل الشاق، والقانون والنظام، والتأكيد على ضرورة التعليم، والعائلة، والتوجه نحو الإنجاز، والانتماء الشديد للدولة وغيرها.

 

إن محور التنمية البشرية في مشروع النهضة وهو يحدد مجموعة من الملفات الهامة والتي تحتاجها مصر لتحقيق نهضتها في المستوى الإستراتيجي يستهدف بناء إنسان النهضة في تعاون مشترك بين الدولة والمجتمع، وللوصول لذلك يجب البدء في العمل من أجل:

1- دعم نمط حياة يفسح المجال للتعلم المستمر والإنتاج متعدد الاتجاهات والاستهلاك المشبع للاحتياجات الإنسانية الأساسية والمحقق لكرامة الإنسان.

 

2- هيكلة منظومة عدالة اجتماعية شاملة تعطي فرصًا متساوية لمختلف الطبقات الاجتماعية في السكن والتعلم والعمل والعلاج ومباشرة الحقوق السياسية.

 

3- الاهتمام بالجانب الأخلاقي للإنسان واحتياجاته الروحية والمعنوية والرعاية المناسبة له في أحواله الخاصة (الطفولة- الشيخوخة- العجز أو الإعاقة).

 

4- تبني مشروع واضح بجدول زمني للقضاء على الأمية والتسرب من التعليم ضمن مسارات التنمية الأساسية بالتعاون مع كلا القطاعين الأهلي والخاص.

 

5- التعامل مع البطالة الصريحة والمقنعة وضعف كفاءة العمالة عبر إطلاق برامج تطوير نوعية وكمية في قدرات العاملين وضغط إيجابي على المؤسسات العلمية والبحثية والتدريبية في مصر لتغذية التنمية بما نحتاجه من كفاءات.

 

6- إعادة هيكلة منظومة التعليم المصري على ثلاثة مستهدفات:

 

أ- خريطة التنمية المصرية 2025.

ب- احتياجات سوق العمل وتوقعاتها.

ج- تطلعات واهتمامات الشباب والطلاب.

 

النظام التعليمي يجب أن يصمم بالكامل حول الطالب وبالتالي تنتقل إستراتيجية التعليم من مجرد كفاءة الطالب في تحصيله العلمي إلى جودة ومرونة العملية التعليمية بما يحقق فرص وتطلعات جميع شرائح المجتمع المصري، ويلبي احتياجات سوق العمل, مثل هذه الإستراتيجية تقتضي زيادة ميزانية التعليم عن نسبتها الحالية في موازنة الدولة ومشاركة المجتمع الأهلي والقطاع الخاص في التخطيط والمتابعة لمنتج العملية التعليمية.

 

ونكمل بقية المحاور في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.. والله من وراء القصد.