تخوض بلادنا مرحلةً عصيبةً تستدعي من كل أبنائها أن يكون على مستوى المسئولية، ولا أبالغ إذا قلت إنَّ هذه المرحلة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، فخلال أيام قليلة يتوجه الناخبون المصريون إلى صناديق الانتخاب لاختيار أول رئيس جمهورية يتم انتخابه بصدق وحرية، ليدشن مرحلة جديدة من تاريخ مصر يمكن تسميته بالجمهورية الثانية.
ويقع على عاتق الشعب بكل فئاته وطوائفه و تياراته ومكوناته كامل المسئولية في اجتياز هذه المرحلة عبر مشاركة جادة من الجميع، وأن يستشعر كل مواطن عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، وهو يقف خلف الستار لاختيار أحد المرشحين ليكون رئيسًا للجمهورية.
فالاختيار أمانة كبيرة، بل هو الأمانة ذاتها، وهو أحد أوجه تفسير قول الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (72)) (الأحزاب).
وفسَّر علماء التفسير معنى الأمانة بأنها الاختيار، فالسموات والأرض والجبال- على عِظم خلقهنَّ وشدة بأسهنَّ أشفقن من حمل أمانة الاختيار وأبين أن يحملنها ورضين أن يخضعن لسلطان الله تعالى طائعين، وقبلَ الإنسانُ- رغم ضعفه وقلة حيلته- أن يكون مخيرًا ولديه تكليف الاختيار، وأن يختار من بين البدائل المتاحة له، ومن ثمَّ فالاختيار أمانة ومسئولية ويترتب عليه آثارٌ ونتائج يسعد بها الإنسان أو يشقى، وينال جزائه ثوابًا وعقابًا بناءً على اختياره.
وتذكرت محطة من المحطات المهمة للاختيار، وكيف كان توجيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للناس أن يُحسنوا الاختيار وفق معايير محددة للاختيار، تلك محطة أمانة اختيار الزوج واستئمانه على عرض الابنة أو الأخت، وما أطيبَ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، قال: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثلاث مرات كما في سنن الترمذي.
وهنا يشير النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم إلى معيارين اثنين في أسس اختيار الزوج، وذكر أنه الالتزام بتعاليم الدين والانضباط بشرع الله تعالى واحترام شعائره وشرائعه، والمعيار الثاني حسن الخلق وطيب المعشر، وهذا يتطلب من ولي أمر المرأة أن يستعلم بدقة ويتعرف عن قربٍ ويسأل بصبرٍ عن توافر هذين الشرطين في منَ تقدَّم للزواج، ولا يتكاسل أو يتهاون أو يُقصِّر في تحصيل ذلك وإلا كان مقصرًّا في حقِّ ابنته أو أخته أو مَن له ولاية عليها، ويكون بذلك قد ضيَّع الأمانة، وفرَّط في المسئولية، وحذَّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مخالفة ذلك، وإلا كان مدعاةً للفتنة والفساد؛ حيث إن الإعراضَ عن المعايير التي ذكره في حديثه يترتب عليه اختلال في القيم والموازين والمعايير، ويكون ذلك على حساب القيم المعتبرة والمعايير الصحيحة، فعلى ولي أمرها أن يُحسن اختيار الزوج لكريمته أو أخته، فلا يزوجها إلا لصاحب الدين والخلق والشرف والقدرة وحسن المعاشرة، فإن عاشرها فبالمعروف وإن سرَّحها فتسريحٌ بإحسان.
وهناك محطة أخرى للتأمل جديرة بالنظر حين يقدم الإنسان على استعمال أو مشاركة غيره في شراكةٍ أو عمل، أو استخدام، ففطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها أن يسعوا بجد وهمة في إحكام الاختيار وإحسانه سعيًا لتحقيق فائدة أو كسب، أو تحصيل منفعة أو جلب مصلحة، أو دفع ضرر أو تفادي مشقة، هذا ما استقر عليه في ضمير البشر أن يتحركوا بهمة عالية في سبيل تحقيق مصالحهم، وان يُحسنوا اختيار من يُنجز ذلك، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة على لسان ابنة الرجل الصالح: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: من الآية 26).
فأشار القرآن الكريم إلى أمرين مهمين هما شرطان لازمان فيمن يتم استعماله أو تكليفه، هما القوة والأمانة، وشرط القوة يعني القدرة والاستطاعة والتمتع بقدرات وإمكانات وتصورات تسمح للمترشح أن يحقق أهداف أصحاب الشأن، القوة تعني كذلك الكفاءة والخبرة الجيدة الكافية لتحقيق المطلوب المرغوب، أما شرط الأمانة فهو يعني توافر منظومة من القيم والمبادئ التي تصون مسيرة العمل في المؤسسة أو المنصب، وتعني توافر الظهير الأخلاقي الداعم للمترشح، والذي يبعث على طمأنة الناس، الأمانة تعني كذلك ضوابط من شرع أو دين وخلق يساعد المترشح على أداء مهمته وإنجاز مسئوليته على نحو آمن.
فإذا كان عرض امرأة واحدة يستدعي من أهلها وولي أمرها أن يستوثق من طالبها ويتعرف عليه جيدًا ويستكشف حقيقة أمره قبل أن يرد عليه بالرفض أو القبول، فمن بابٍ أولى أن مَن يتقدم لمنصب رئيس الجمهورية- ويكون مسئولاً عن أكثر من 85 مليون مواطن- لا بد أن يتم التعرف عليه جيدًا والاستيثاق منه ومن قدراته ومؤهلاته وما يحمله من مشروع وبرنامج وأهداف يسعى لتنفيذها، وأن يتم بذل الجهد والطاقة في سبيل التحقق من توافر المعايير والشروط فيمن يتقدم بالترشيح لهذا المنصب الرفيع الخطير.
وإذا كان هم الناس حين يوظفون أحدًا أو يشاركون غيرهم في منفعة أو مصلحة أو يستأجرونه يبحثون عن الأفضل والأحسن والأنسب، ولا يقصرون في ذلك، ولا يختارون مجاملة أو عصبية حرصًا منهم على النجاح وتحقيق الإنجاز، فمن باب أولى أن يتضاعف الهمُّ ويزيد الشعور بالمسئولية نحو من يتقدم لمنصب رئيس الجمهورية ويكون اختياره وفقًا لهذه المعايير التي نحرص عليها حين الاختيار في الشأن الخاص، ويكون الاختيار بدقة وصدق وتمحيص وروية، فهي أمانة وهي مسئولية أمام الله تعالى.
إياكم وإضاعة الأمانة
وهنا أوجه الأنظار إلى تحذير مهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحذر أمته أن تغش وتظلم في اختياراتها، وخاصةً ما تعلق منها بترشيح أو انتخاب أو تكليف أحد الناس بمسئولية وفيهم من هو أفضل منه وأقدر منه فقد أوقع نفسه في المحظور وعرض نفسه والناس للخطر، أخرج الإمام الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم قال: "مَن استعمل رجلاً على عصابة وفيهم مَن هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".
والمعنى أنه من اختار أو ساعد وساهم في تولية وتعيين رجل على مجموعةٍ من الناس ومنحه سلطة، وهو يعلم أن فيهم من هو أفضل منه وأقدر وهو أرضى لله تعالى فقد وقع في إثم الخيانة ومعصية التفريط في الأمانة، فإنَّ الله تعالى قد أمرنا بأداء الأمانة إلى أهلها فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) (النساء).
ولهذا كان تحذير الشرع الحنيف من التفريط في أداء الأمانة وتحميلها لمن هو أهل لها، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: بينما النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- في مجلس يُحدثُ القوم، جاءه أعرابيٌ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة".
لهذا الحد كان النبىُّ الكريم صلى الله عليه وسلم حريصًا على بيان واضح لا لبس فيه على أهمية وعظم قضية اختيار ولاة الأمر وحكام العباد وساسة البلاد، وربط بين الخطأ في الاختيار الذي يؤدي إلى تولية الأقل والأضعف غير المؤهل وعبر عنها بأنها إضاعة الأمانة وجعلها من علامات قيام الساعة؛ لأنه بذلك الاختيار الخاطئ ينمو الشر ويقل الخير ويكثر الفُحش وينتشر الفساد ويقوي ويضعف الصلاح وتنحسر الفضائل والمكرمات، ولهذا لم يُرد أن يجيب السائل عن الساعة ضمن عموم حديثه، بل أكمل ما كان يتحدث عنه حتى إذا انتهى من حديثه التفت إلى السائل، وقال أين السائل عن الساعة؟ لينتبه الجميع ويقف السائل فيجيبه صلى الله عليه وسلم على سؤاله ويربط بين إضاعة الأمانة وقيام الساعة، وكان السائل حصيفًا فسأل عن المعنى المخصوص في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة الساعة فأجابه "إذا وُسد الأمر لغير أهله"، فهذا إضاعة الأمانة ومن ثمَّ فانتظر قدوم الساعة وقيام القيامة.
نسأل الله تعالى أن يُوفِّق الجميع لحسن الاختيار، وأن ينجز لعباده ما يتطلعون إليه من أمنٍ وأمانٍ واستقرار وقوة ومنعة، ورفعة وتنمية ورخاء في ظلِّ شريعته، وأن يحفظ مصرنا برعايته.
---------
* النائب السابق- المحامي بالنقض والدستورية العليا