يحسب لجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة أنهما أحيا مشروعًا قوميًّا إستراتيجيًّا تلتف حوله الأمة المصرية، إذ منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها عن "مشروع النهضة" وأنا أرى خطاب النهضة مستحوذًا على كثير من الملتقيات والمقابلات الإعلامية بل إن العديد من مرشحي الرئاسة أخذوا يستخدموا كلمة النهضة في حواراتهم ولقاءاتهم الإعلامية.
لا أبالغ إذ أقول إنه إذا استطاع الشعب المصري التخلص من عقدة الرئيس الشخص المخلص، والعبور من هذا السياج النفسي الذي توارثناه منذ قرون طويلة إلى فكرة الرئيس المؤسسة والمشروع فإنه بذلك- أي الشعب المصري- يكون قد أنجز عبورًا يضاهي العبور العسكري الذي حققناه في حرب أكتوبر المجيدة.
إن هذا التحول المنشود في نمط تفكير العقلية المصرية أصبح ضرورة حتمية، وسنة كونية نتمنى أن تسود.
إن حجم التجريف الذي حدث لمصر شعبًا ووطنًا يفوق كل التوقعات، ولا بد لكي نستعيد الأمة المصرية بكل مكوناتها ومقوماتها أن نؤسس مصر الجديدة وفقًا لرؤى جديدة، وأن تكون خياراتنا مبنية على رؤى غير تقليدية، لا بد أن نفكر خارج الصندوق حتى نحدث نهضة حقيقية.
إن حال من يرهق نفسه في المفاضلة بين شخصيات المرشحين وفقًا لسماتهم الشخصية (الطول – لون الشعر- الحزم – الابتسامة... إلخ) فقط كمن وقف حائرًا أمام سيارته بعد أن انفجرت إحدى إطارات سيارته وفقد صواميل الربط، فوقف محتارًا حزينًا ماذا يفعل؟ وظل كذلك لساعات حتى أصيب بضربة شمس، ولو أنه فكر قليلاً لكان من اليسير أن يأخذ صامولة واحدة من الإطارات الثلاثة الأخرى ليربط بهم إطاره البديل وينطلق في طريقه.
إن كنت تتفق معي أن تكون النهضة هي المعيار الأساسي في اختيار مرشحك فهذا شيء جميل، واسمح لي أن نضع هذا المعيار، النهضة في التعريف الغربي هي "حركة فكرية تطرح الجديد مع الإبقاء على الماضي، وعمل راشد على الأرض في المجالات المختلفة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا... وصولاً للفعالية الحضارية".
في ضوء هذا التعريف علينا أن نرسم ملامح النهضة، وتوصيف من يتبناها حتى يسهل علينا المفاضلة بين كل من يدعي أنه يحمل مشروعًا للنهضة، ويكون خيارنا مبني على بصيرة قلب ورجاحة عقل.
لذلك أرى أنه حتى يكون ميزان النهضة مستقيمًا وواضحًا بالنسبة إليك فعليك أن تحيط بهذه الجوانب:
1- المرجعية الفكرية التي ينطلق منها مشروع المرشح، وما مدى حجم التأييد والتقبل الشعبي لهذه المرجعية (إسلامية – ليبرالية – اشتراكية.... أو غيرها).
2- أن يطرح المشروع رؤى وأفكار جديدة غير تقليدية.
3- أن يرتكز المشروع على عاملين مهمين أولهما: الجانب الأخلاقي أو الروحي، وما يتعلق بهذا الجانب من قيم سياسية واقتصادية واجتماعية، والثاني: هو الجانب العلمي والتكنولوجي ومدى الوضوح في هذا الجانب.
4- لا بد لهذا المشروع من قوة تحميه، قوة سياسية تمتلك أدوات التغيير، وتكون قادرة على التنفيذ، قوة قانونية تضع من التشريعات ما يسهل التنفيذ ويضبط الأداء، والأهم من ذلك كله قوة اجتماعية تتفاعل مع المشروع وتؤازره وتستطيع أن تنهض به.
5- لا بد أن يكون للمشروع رؤية واضحة (حلم قومي) وإستراتيجية متكاملة وآليات قادرة على إحداث تغيير وانتقال من الأوضاع الحالية إلى التغيير المنشود، وصولاً للحضارة.
6- أن يكون التوافق هو السمة الأساسية للمشروع، خاصة في هذه المرحلة، ولكي يتحقق التوافق لا بد أولاً من احترام المشروع لهوية الدولة وخيارات الشعب، ثم طرح رؤى توافقية لإدارة المرحلة كتبني النظام الانتقالي أو ما يعرف بالنظام المختلط (البرلماني) وليس النظام الرئاسي، أن يكون شكل الحكومة توافقيًّا وليست حكومة أغلبية وغيرها من أشكال التوافق السياسي.
7- القاعدة الحضارية والمنطلق والعمق التاريخي للمشروع والامتداد القومي والجغرافي الذي يتبناه المشروع، هل هو مشروع قومي ضيق مبني على اعتقادات لحقبة تاريخية معينة أم مشروع عربي إسلامي منفتح على المكتسبات الحضارية المختلفة، ويراعي العمق التاريخي لدولة عريقة مثل مصر.
8- حجم الجهد المبذول في البرنامج هل هو وليد شهور أم سنوات؟ حجم الخبرات المشاركة في صياغة المشروع، هل هي رؤية فردية أم نتاج عمل وجهد مؤسسات متخصصة.
9- البعد الدولي والعلاقات الخارجية في المشروع وحجم التنسيق مع الدول والحكومات المختلفة، والتفهمات والمنطلقات التي تكفل للمشروع قدرًا جيدًا من القبول الدولي مرحليًّا حتى الترحيب به لاحقًا.
إن نجحنا في تطبيق هذا المفهوم- برأيي- سنكون قد وضعنا أقدامنا على أولى درجات النهضة، انطلاقًا للحضارة المنشودة.