عندما قال مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة": "إذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ سهل علينا معرفة عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا".
الأمة العربية والإسلامية، وفي القلب منهما مصر، تعرضت لإنهاك إستراتيجي بعد جلاء الاستعمار في القرن الماضي؛ إذ إنه وتحت لافتة جلاء الاستعمار وحماية الأمن القومي وتحديد عمقه وتحدياته قفز العسكريون إلى حكم بلادنا في مصر ومعظم البلاد العربية، وهم من وجهوا مشاريع التنمية والنهضة بعيدًا عن الإنسان، ولذلك سقطت معظم محاولاتهم لإحداث عمل حقيقي، فالنهضة والتنمية تبدآن من الإنسان؛ من حيث هويته ومرجعيته ومن مقدار قناعته بالتجدد، ودوره في حركة الحياة.
"إن الدرس المهم الذي يجب أن نعيه جيدًا أن النهضة تبدأ من المجتمع وفكره وثقافته وأن العمل السياسي هو محصلة ونتيجة لهذا الفكر"؛ بهذه الكلمات لخص أول رئيس وزراء لسنغافورة السيد لي حكاية النهضة، وهو نفس ما قاله الإمام البنا في ركن العمل من أركان البيعة عندما رتب أهداف مشروعه بدءًا من الفرد والأسرة والمجتمع، وما قاله مالك بن نبي في شروط النهضة عندما قال: "إنه لا بد من البدء بالأسباب وهو الواقع الاجتماعي وليس بالنتائج وهو العمل السياسي، وقال إن العلمية النهضوية تقتضي سيادة لغة الواجبات على لغة الحقوق، فلا بد للمجتمع أولاً أن يشعر بواجبه تجاه بلده وواجبه تجاه نهضته"، وحذر بقوله: "وإن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغباتنا بل فيما يسودها من عادات وما يراودنا من أفكار وفي تصوراتنا من قيم الجمال والأخلاق والعمل وما يعترينا من نقص في مجال التنمية.......، إذ لا بد أن تتحول بلادنا إلى ورشة كبيرة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة".
ولذلك فإن مشروع النهضة يقوم على تمكين الشعب والمجتمع ووضع مقدراته في يديه لا في يد الدولة وإعادة الاعتبار للمجتمع المصري لكي تكون الأمة المصرية هي رافعة النهضة ومحركها الرئيسي، مجتمع يغلب الشأن العام على الشأن الخاص لا تغلبه على إرادته دولة غاشمة ولا نظام فاسد ولا قوة خارجية، يحتل مكانته المستحقة بين الأمم متسلحًا بقيمه السامية وبالعلم والفكر في زمن اقتصاد المعرفة وعصر الابتكار.
ولذلك أفرد المشروع لهذا المحور- محور التمكين المجتمعي- مساحة واسعة واهتمامًا خاصًّا والعديد من الملفات الفرعية والتي من أهمها:
1- تقوية وتمكين المجتمع المدني ومؤسساته المختلفة لتأمين الديمقراطية والحفاظ على الحيوية الشعبية وحتى لا نعود أبدًا لعصر هيمنة الدولة على هذا القطاع ويتم ذلك من خلال اعتماد القضاء كمرجعية ضابطة لهذا القطاع.
2- إعادة دور الأوقاف والمساهمة المباشرة وغير المباشرة من المواطنين لضمان الاستقلال المالي للمجتمع المدني، وقصر دور الدولة على التنسيق والدعم بين مختلف مكونات هذا القطاع، كما يشمل تشجيع ودعم شعبنا الذي حرم طويلاً من التطوع بالوقت والمال في أعمال النفع العام.
3- التحرك السريع والمكثف لإنقاذ الأسرة المصرية وتشجيع المجتمع المدني في دعم رسالة الأسرة وتوعية أفراد الأسرة بتحديات الواقع ومتطلبات المستقبل.
4- الارتقاء بالمنظومة الإعلامية وتقنين دور الدولة في القطاع الإعلامي وإطلاق حرية التعبير والإبداع المنضبطة بالقيم الأصيلة وتحويل الإعلام إلى إعلام مجتمعي وليس إعلام دولة.
5- إعداد منظومة تشريعية وقانونية متكاملة وإجراء حوار مجتمعي لتحقيق هذه الأهداف.
كل ذلك وغيره حتى تكون الأمة المصرية وليست الدولة أو نظامها السياسي هي صاحبة المشروع وحارسته الحقيقية.
وسنكمل بقية المحاور والله من وراء القصد...