في أيام الطفولة كان هناك مشهد دائمًا ما أذكره وله من الدلائل ما قد يُمثِّل حقيقةً متجذرةً في الشعب المصري والمشهد بالطبع مرتبط بالنشأة الريفية لصاحب هذه الكلمات، وأعتقد أن الكثير منا عاشه يومًا ما.

 

عندما كان يأتي أحد أصحابك ويقول لك تعالى نخرج سوا نجيب (بالنون) توت، وعندما تصلا إلى الشجرة المأمولة بغزارة إنتاجها وحلاوته، ويتضح أن تسلقها صعب تجده يقول لك: "بص اطلع أنت يلا وأنا هقف تحت ألم التوت وآخد بالي من (ومعذرةً في اللفظ) الشبشب بتاعك".

 

هذا الموقف رأيته أصبح سلوكًا متأصلاً في الشعب المصري، ويتضح ذلك من مواقف عدة وقد تكرر كثيرًا أمامنا خلال السنة الماضية.

 

فعلى سبيل المثال الثورة مثلاً لا أحد ينكر أنها كانت شعبيةً بامتياز، فقد شارك فيها الشعب بكل طوائفه، وللأسف تجد بعدها الكل يجلس في بيته ينتظر مَن يحل له مشاكل البلد إلا القلة القليلة (اللي متعودة تطلع تجيب التوت)، بالرغم من أن الهم واحد والمستقبل واحد إلا أن النفس القصير للشعب هو مَن يجعله يمل سريعًا ويفقد القدرة على الصبر في مواجهة المشاكل ويسعى كل منا لتصدير غيره في حلَّ المشاكل وإلا يصب جام غضبه عليه.

 

العسكر طبعًا يفهمون هذا، ولذا لجئوا لافتعال الأزمة تلو الأخرى لجعل الشعب الذي قام بالثورة يكفر بها ولولا وجود مجهود شعبي قوي من الإخوان المسلمين ومعهم بعض الإخوة السلفيين في مواجهة هذه المشاكل بإقامة الأسواق الخيرية وشوادر اللحوم الرخيصة والعمل على حلِّ مشاكل الأنابيب وتوصيل الخبز للمنازل لكفر الشعب بالثورة حقًّا وكره كل مَن يخرج في الميدان من جديد، مطالبًا باستكمالها

 

مع أن المنطق والعقل يقول إن الشعب كله صاحب الثورة والشعب كله يجب أن يحميها إلا أن نظرية (اطلع أنت) هي السائدة.
الموقف نفسه تكرر مع مجلس الشعب عندما خرج الشعب ليعطي صوته للتيار الإسلامي بنسبة تجاوزت السبعين بالمائة، فالطبيعي أن يقوم الشعب بحماية صوته ودعم برلمانه المنتخب في مواجهة الهجوم الإعلامى الكاذب أو التلويح بحل المجلس من قِبل المجلس العسكري المفروض فرضًا على الشعب دون أن يختاره.

 

فوجدنا بكل أسف أن البعض يُصدِّق كذبًا وتدليسًا إعلاميًّا من نوعية (مجلس الشعب يناقش قانون مضاجعة الوداع)، وهذا للأسف يحدث وجلسات المجلس كلها مذاعة!!! لكن ماذا نقول لقلة العقل المتحكمة في البعض بل تجد البعض يفرح بتلويح العسكر بحل المجلس الذي ذهب لانتخابه تحت دعاوى كاذبة من نوعية ماذا فعل لنا المجلس بعد ما انتخبناه؟ أو تصديق الادعاء القائل بأنها مشكلة بين الإخوان والعسكري لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل!

 

ألم أقل لكم إن نظرية (اطلع أنت) أثبتت صحتها.

ولذا فلولا وجود تنظيم شعبي يحمي المجلس المنتخب ويعمل على نشر وتوضيح الحقائق عنه للناس ما كنا سمعنا خبرًا واحدًا إيجابيًّا عن مجلس الشعب، وإلا فليجبني أحد عن القناة أو الجريدة التي تبنت إظهار المجهود الإيجابي للمجلس المنتخب أو الحديث عن القوانين السبعة عشر المهمة جدًّا للشعب المصري، والذي تم التصديق عليهم في هذه الفترة القياسية؟؟ للأسف لا يوجد إلا الجرائد الخاصة بحزبي الحرية والعدالة والنور، وقلة قليلة جدًّا من الإعلام المستقل للدرجة التي جعلت حزب الحرية والعدالة ينسق محاضر اللجان ويطبعها ويوزعها شعبيًّا في بعض الأماكن عن طريق أفراده ليصل إلى الناس مجهود المجلس الحقيقي الذي لا يظهره الإعلام المتآمر على مصر وشعبها.

 

المواقف السابقة التي ذكرتها لكم تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الرئيس القادم للبلاد إن لم يكن له غطاءً شعبيًّا قويًّا يُسانده في حربه التي لا مفرَّ منها لتطهير مؤسسات الدولة ومفاصلها من فلول النظام السابق فإنه بكل أسفٍ فاشل لا محالة، ومن هنا تأتي أهمية اختيار رئيس يحظى بدعم مؤسسات قوية تقف معه في حرب سيحاول فيها الفلول وأركان النظام السابق تركيع البلد لإفشال أي مشروع مستقبلي للثورة، فهم منتشرون في جميع الوزارات والمرافق، بل وأصحاب القرار فيها أيضًا في معظم الأماكن.

 

ولذا فإني أجد أن اختيار الدكتور محمد مرسي هو حماية بالفعل لأصواتنا وثورتنا لما له من أكبر سندٍ شعبي منظم ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة.

 

والسؤال الذي قد يطرحه البعض، وما المانع أن تقوم نفس المؤسستين المذكورتين بدعم أي رئيس منتخب آخر طالما كان هدفهم خدمة مصر كما يدعون؟؟؟

 

والإجابة يتحدث عنها الواقع فالإخوان أو الحزب لن يتوانيا أبدًا في دعم أي رئيس أتى باختيار شعبي صادق وتاريخهم شاهد منذ أن سبقوا الحكومة نفسها في توفير الإيواء العاجل لمتضرر زلزال 92 أو كارثة الدويقة التي كان من النكت وقتها وقوف النظام ضد مد الإخوان يد العون للمتضررين من الأهالي حتى لا يستفيد الإخوان من الموقف شعبيًّا.

 

ولكني أتحدث عن تناغم كامل بين المجهود الشعبي والسلطوي في النهوض بمصر وانجاز لمطالب ثورتها بدلاً عن حدوث أي اختلاف في الرؤى والتوجهات التي لن تفيد بالقطع الشعب المصري.

--------------------------

* معيد بكلية الهندسة جامعة أسيوط