ردًّا على مَن يطالب الإخوان بسحب مرشحهم.. لن أقول: مائة سيخ في عين من حرم الإسلاميين من الترشيح!

 

بمناسبة قرب عهدنا بيوم شم النسيم، وما ارتكبه بعض المصريين من ممارسات، أخصها أكل الفسيخ (أي السمك المملّح)، أذكر أننا أثناء دراستنا في كلية الإعلام  لتاريخ الصحافة المصرية، كنا ندرس أهم ما ميّز أساليب الكتابة فيها، وكان الرّاحل الدكتور خليل صابات أستاذ الصحافة وعميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة، يدرّس لنا كتابًا عنوانه: (وسائل الإعلام.. نشأتها وتطورها)، حيث كان يلقي الضوء على هذه الوسائل بدءًا من الكتاب، ومرورًا بالصحيفة، فالسينما، فالإذاعة والتليفزيون، ولم تكن الصحافة الإليكترونية قد ظهرت بعد.

 

وأذكر أن الدكتور صابات قد ذكر لنا أن أسلوب السّجع والجناس قد غلب على الكتابة في مرحلة من المراحل، وكانت بعض العناوين تميل إلى هذا النوع من فنون الكتابة، وضرب لنا مثلاً على ذلك بالخلاف الذي دار بين بعض العلماء حول أكل الفسيخ، فمنهم من رأى تحريمه، ومنهم من رأى تحليله، وساق مثلاً على ذلك بمن كتب كتابًا عنوانه: (سيخ في عين من حلّل أكل الفسيخ)، ورد عليه آخر بقوله: (مئة سيخ في عين من حرّم أكل الفسيخ)!.

 

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع مطالب بعض السّاسة والنشطاء المصريين بسحب المرشحين الإسلاميين من سباق الرئاسة لذرائع عدة، قد يكون أغلبها من منطلق الكره للإسلاميين والرفض لهم، وأقلّها الحرص عليهم والتخوّف من وضع العقبات في طريقهم بما ينعكس سلبًا على مصالح البلاد والعباد!.

 

بعض الفضلاء من العلمانيين والليبراليين، وكذا القوميين واليساريين، يقولون: إنه لا مانع لديهم أن يكون الرئيس ليبراليًّا أو علمانيًّا، يساريًّا أو ناصريًّا، بل إن بعضهم في مجالسهم الخاصة يصرّح بأنه يقبل بأن يكون الرئيس عسكريًّا، أو من الفلول المنتمين للنظام المخلوع، أما أن يكون إسلاميًّا فلا وألف لا.

 

ويحاول بعض هؤلاء تبرير رفضهم للإسلاميين بحجة أننا لا نريد الهيمنة لتيار واحد،  ومن هؤلاء الفضلاء الصديق العزيز حمدين صباحي مرشح الرئاسة الذي ينسب نفسه للتيار الناصري ومؤسسه الراحل الرئيس جمال عبد الناصر؛ حيث يكرّر– المرشّح المحترم- دائمًا مقولته: إننا لا نريد رئيسًا من الفلول أو الإخوان، ويشبّه أغلبية الإخوان بأغلبية الحزب الوطني.

 

وهو يعلم بصفته مناضلاً قديمًا ونائبًا مخضرمًا كيف كان الحزب الوطني يحقق أغلبيته المصطنعة عبر التزوير والتزييف، ويعلم أيضًا كيف حصل الحرية والعدالة على 47% من مقاعد مجلس الشعب، و58% من مقاعد مجلس الشورى، فهذه النسبة لم تأتِ إلا بحضور الحريّة والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين في الشارع المصري، وعبر مسيرة طويلة من العمل والتضحيات، والخدمات التي قدّموها لشعبهم العظيم.

 

ما قاله المرشح حمدين صباحي، قاله أيضًا الصديق والنائب المحترم عمرو حمزاوي، وهو المنتمي إلى التيار الليبرالي، فالرجل أيضًا طالب الإخوان بسحب مرشحهم، وهو ما أصابني بدهشة كبيرة، خصوصًا عندما يرفض من ينادي بالحرية بحرمان فصيل وطني من المنافسة على منصب أو وظيفة، رغم أنه سيسعى إليها عبر صناديق الانتخاب وإرادة الشعب، لا عن طريق الانقلاب العسكري أو التزوير!.

 

ولم يقف الأمر عند الصديقين صباحي وحمزاوي، لكن الكثيرين من نشطاء الفضائيات راحوا ينددون بقرار الإخوان بخوض الانتخابات الرئاسية، وكأنهم– باستخدامهم لهذا الحق الدستوري– قد ارتكبوا جريمة!.

 

لقد أثبت الإسلاميون أنهم أكثر ديمقراطية من هؤلاء الذين يتمسّحون بها، فإن جاءت بغيرهم كفروا بها، أو اتهموا الشعب بالجهل وعدم إدراكه لمصلحته!.

 

إنني لم أسمع من أحد من قيادات الإخوان المسلمين أو الحرية والعدالة استنكاره لترشيح أية شخصية كانت ناصرية أو يسارية أو ليبرالية أو قومية، بل إنهم عبروا عن ترحيبهم بممارسة أي مصري لحقه الدستوري، ودعوا لترك قرار التأييد أو الرفض لشعب مصر العظيم الذي صنع أعظم ثورة في التاريخ.

 

فكل مرشح له أن يعرض برنامجه على الشعب الذي سيقرر وحده من يستحق ثقته وتأييده.

 

أما الحريصون على الإخوان والمتخوفون عليهم، فبعضهم يرى أن الوقت ليس مناسبًا لأن يحكم إسلامي، فالعالم كله متربص بالإسلاميين، ونسي هؤلاء الفضلاء أن الإسلاميين فازوا في مصر وتونس والمغرب بإرادة شعوبهم، وهم مرشحون للفوز في ليبيا، وطالما أنهم جاءوا عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة فما الضير في ذلك؟.

 

والبعض الآخر من المتخوفين يسوق حجة أن الإخوان لم يجّربوا في الحكم من قبل، وليست لديهم الكوادر المؤهلة لشغل المناصب التي تحتاجها مفاصل الدولة، وغفل هؤلاء عن حقيقة مهمة، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة يملكون من الكوادر أكثر بكثير من أي حزب آخر، وإذا شئنا المقارنة لتساءلنا: أي المرشحين يملك سابقة خبرة، ومن منهم يمتلك فريقًا يمكنهم إدارة أمور الدولة؟.

 

الإجابة ستكون بالنفي! إلا في حالة الإخوان المسلمين وحزبهم (الحرية والعدالة)، فقد اختبرهم الشعب في مواقع عديدة وأبلوا فيها بلاء حسنًا، فلماذا لا يجربهم في إدارة أمور الدولة، أم نتساءل مع شاعرنا الذي قال:

أحرام على بلابله الدّوح           حلال للطير من كل جنس؟

 

إنني أدعو هؤلاء المخلصين إلى الكف عن لغة التشكيك، وترك الفرصة للشعب؛ كي يختار المرشح الذي يراه صالحًا، دون فرض أو إملاء من أحد.

 

من حقِّ الإسلاميين ومن حق غيرهم أن يترشحوا، وأن يعرضوا برامجهم على الشعب، ومن حق الشعب أن يجربهم، كما جرَّب غيرهم من قبل، فربما يقدمون له ما عجز عن تقديمه السابقون.

 

وعودة لعنوان المقال؛ فإنني هنا لن أقول: سيخ في عين من أجاز- للإسلاميين- الترشيح!.

 

 كما أنني لن أقول: مائة سيخ في عين من حرم الإسلاميين من الترشيح!.

 

لكنني سأقول: إن مصر الجديدة لا ينبغي لها أن تقصي أحدًا، فكل أبنائها لهم كافة الحقوق وعليهم كافة الواجبات، وفي هذه الحال سنقول إن مصر دولة المواطنة، وأبناءها أمام القانون سواء.

 

تنويه: رغم أنني لم أتعاط الفسيخ في شم النسيم، وليس لي موقف سلبي منه، إلا أنني استشهدت بالعنوان لخدمة فكرة المقال فقط، لذا لزم التوضيح.

والحمد لله.

-----------------------
 
Salah_amc@hotmail.com