تلاحقت الأحداث الجسام حتى ملأت جنبات المشهد السياسي في مصر الثورة، وهي تستعد لخوض غمار انتخابات رئاسة الجمهورية، وارتفعت سخونة المواقف السياسية التي تشير إلى حيوية الحراك والتدافع بين القوى الفاعلة في مصر.
وتبدو على الساحة قوى ثلاث أثرت بقوة في الأيام الماضية؛ حيث تصدر البرلمان المشهد وهو يعبر عن الإرادة الشعبية الرافضة لعودة أركان النظام البائد الذي ثارت عليه البلاد، وانقلب عليه العباد، ومن ثمَّ كانت الثورة على نظام مبارك، وعبر البرلمان المصري عن إرادة الشعب، فسن قانونًا بموجبه يتم حرمان أركان النظام السابق من مباشرة حقوقهم السياسية لمدة عشر سنوات بدءًا من تاريخ خلع مبارك 11 فبراير 2011م حيث صدر القانون رقم 17 لسنة 2012م بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 1956م بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية بإضافة البند (4) إلى المادة (3) من القانون المشار إليه بإيقاف مباشرة الحقوق السياسية بالنسبة للأشخاص الآتي ذكرهم:
.-1......................... .
2- ...........................
3- ...........................
4- كل من عمل خلال العشر سنوات السابقة على 11 فبراير سنة 2011م رئيسًا للجمهورية أو نائبًا لرئيس الجمهورية أو رئيسًا للوزراء، أو رئيسًا للحزب الوطني الديمقراطي المنحل أو أمينًا عامًّا له أو كان عضوًا بمكتبه السياسي أو أمانته العامة، وذلك لمدة عشر سنوات ابتداءً من التاريخ المشار إليه.
لتنتقل الكرة إلى ملعب المجلس العسكري لإصدار القانون المشار إليه، وهو المخول بمقتضى الإعلان الدستوري في حقِّ إصدار القوانين أو الاعتراض عليها، واتخذ المجلس العسكري طريقًا ثالثًا لم يرد في الإعلان الدستوري؛ حيث أحال القانون إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في مدى دستوريته، وهو بذلك قد أنصت إلى مشورة بعض المستشارين له، وهي خطوة ليست في صالحه، فضلاً عن أنها مخالفة للإعلان الدستوري، وخارج نطاق اختصاص المحكمة الدستورية، الأمر الذي بدا معه أن المجلس العسكري غير مرحب بصدور هذا القانون، وأنه جاء على غير هواه.
وتقضي المحكمة الدستورية العليا بعدم اختصاصها للفصل في رقابتها السابقة على القوانين، حيث إن نطاق ولايتها على دستورية القوانين واللوائح مقصور على ما بعد صدورها، وعادت الكرة مرة ثانية للمجلس العسكري ليقوم في آخر وقت بإصدار القانون، ويتم نشره في الجريدة الرسمية، ويُعمل به في اليوم التالي لنشره وهو يوم 24 أبريل 2012م.
والطرف الثالث هو لجنة الانتخابات الرئاسية المخول لها كامل الإشراف على انتخابات رئيس الجمهورية وقد خوطبت بنص القانون الجديد لتفعيله وإنفاذه فقررت أن "السيد الدكتور/ أحمد محمد شفيق زكي قد شغل منصب رئيس مجلس الوزراء اعتبارًا من 31/1/2011م بموجب القرار الجمهوري رقم 39 لسنة 2011م المنشور بالجريدة الرسمية بالعدد رقم 4 مكرر (أ) وكان القانون المشار إليه قد أدرك السيد المذكور قبل أن تستقر حالته بإعداد القائمة النهائية بأسماء المرشحين المحدد لها يوم 26/4/2012م وإعلانها.
لما كان ذلك وكان سيادته قد بات فاقدًا لشرط جوهري للترشح لمنصب رئيس الجمهورية لحرمانه خلال فترة محددة من مباشرة حقوقه السياسية وفقًا للقانون المشار إليه وهو ما يتعين معه استبعاده من قائمة المرشحين لرئاسة الجمهورية.
لذلك: قررت اللجنة استبعاد السيد الدكتور/ أحمد محمد شفيق زكي من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية المحدد إجراء انتخابه يومي 23، 24 مايو سنة 2012م وكان قرارها بتاريخ الثلاثاء الموافق 24 أبريل 2012م، وعلى هذا صدر قرارها باستبعاد الفريق أحمد شفيق من قائمة المرشحين بل صدرت الصحف صباح اليوم الخميس 26 أبريل في الطبعات الأولى، وبها قرار اللجنة متضمنًا إبعاد شفيق من قائمة المرشحين.
ثم كان التطور الدراماتيكي؛ حيث قررت لجنة الانتخابات الرئاسية بخصوص إعادة شفيق مرة أخرى إلى السياق الانتخابي وقبول تظلمه؛ حيث قال المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة: إن اللجنة سبق وقررت بالإجماع إبعاد أحمد شفيق بعد أن صدر القانون رقم 17 لعام 2012م الخاص بشأن تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية "قانون العزل السياسي"، إلا أنه تقدم بتظلم وبعد السماع لمرافعة دفاعه والطعن في عدم دستورية القانون قررت اللجنة وقف استبعاده وإدراجه في القائمة النهائية للمرشحين الرسميين، مع إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية، حرصًا على منصب رئيس الجمهورية في حالة إصدار حكم بعدم دستورية هذا القانون، وحرصًا أيضًا من اللجنة قررت استكمال إجراءات الانتخابات في موعدها دون تأجيل، وأن اللجنة لها الحق في إرسال قانون العزل إلى المحكمة الدستورية، بما تتمتع به من صفة قضائية، فعندما تستبعد أحد المرشحين يكون قرارًا، أما في حالة نظرها على تظلم أو مرافعة فإن لها صفة قضائية تصدر من خلالها أحكامًا.
قرار اللجنة أثار عواصف قانونية وأعاصير سياسية كانت قد بدأت تخفت مسلمة بالأمر الواقع، ورغبة من البعض في المضي إلى محطة إجراء الانتخابات على مضض من قرارات لجنة الانتخابات السابقة، فإذا باللجنة تفاجئ الجميع بقرارها المعيب والشاذ؛ حيث تضمن أمرين خطيرين، أولهما قبول طعن الفريق المستبعد أحمد شفيق وإعادته إلى قائمة المرشحين رغم إقرار اللجنة قبل 24 ساعة فقط أنه قد بات فاقدًا لشرط جوهري للترشح لمنصب رئيس الجمهورية لحرمانه خلال فترة محددة من مباشرة حقوقه السياسية وفقًا للقانون المشار إليه، وهو ما يتعين معه استبعاده من قائمة المرشحين لرئاسة الجمهورية.
الأمر الثاني أنها أحالت القانون المشار إليه إلى المحكمة الدستورية العليا من تلقاء نفسها مخالفة بذلك لنص المادة 29 الفقرتين أ ، ب من القانون رقم 48 لسنة 1979م الخاص بالمحكمة الدستورية العليا؛ حيث قصر قانون المحكمة حق الإحالة على المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي وحدها دون غيرها، واشترط أن يكون ذلك أثناء نظر الدعوى، وأوجب على المحكمة المعروض عليها النزاع إذا تراءى لها أو دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة جدية الدفع أن توقف نظر الدعوى وتحيل الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية للفصل في المسألة الدستورية، وفي حالة ما إذا كان الدفع مقدمًا من أحد الخصوم أجلت نظر الدعوى وحددت- لمن أثار الدفع ميعادًا لا يُجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم تُرفع الدعوى في الميعاد أُعتبر الدفعُ كأن لم يكن.
أما تبرير رئيس اللجنة بأن لها الحق في إرسال قانون حرمان رموز النظام البائد من مباشرة الحقوق السياسية إلى المحكمة الدستورية؛ لأنها تتمتع بصفة قضائية وعلى حد وصفه هو أن اللجنة عندما تستبعد أحد المرشحين يكون قرارًا، أما في حالة نظرها على تظلم أو مرافعة فإنَّ لها صفة قضائية تصدر من خلالها أحكامًا فهذا قول مردود عليه، فهي ذات اللجنة في الحالتين، إما تصدر قرارات وإما تصدر أحكامًا، ولا يصح أن يقال أن لها صفتين، صفة إدارية وصفة قضائية.
وبفرض صحة القول أن لها صفة قضائية وبمقتضاها أحالت النص القانوني الذي يحرم الفريق شفيق من الترشح إلى المحكمة الدستورية العليا، فهل تجيز لها صفة القضائية أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم تطبيق النص القانوني وتقضي أو تقرر السماح للمستبعد بالعودة إلى قائمة المرشحين خلافًا للنص المطعون عليه.
ما فعلته اللجنة مخالف لنصوص قانون المحكمة الدستورية، إذ لو جاز لها أن تحيل النص القانوني إلى المحكمة لكان واجبًا على اللجنة أن توقف نظر الدعوى إلى حين الفصل في مدى دستورية النص الطعين ما دامت قد أحالته من تلقاء نفسها، أما إذا طلب المتظلم تمكينه من الطعن بعدم الدستورية صار لزامًا على اللجنة أن تؤجل نظر الدعوى وتحدد ميعادًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك، بل هي تصدت للفصل في الموضوع، وأيدت وجهة نظر الطاعن، وبدلاً من أن توقف نظر الطعن ترقبًا لحكم المحكمة الدستورية إذا بها توقف تنفيذ القانون، وهذا أمر خطير إذ إنَّ الطعن بعدم الدستورية لا يلغي العمل بالنص المطعون عليه، ولا يرتب القانون أثرًا لهذا الطعن إلا بوقف نظر الدعوى لحين الفصل في مدى دستورية النص ثمَّ يعود الأمر بعد ذلك للمحكمة التي تنظر الدعوى لتقضى فيها على ضوء حكم المحكمة الدستورية العليا.
هذا المسلك المعيب للجنة الانتخابات الرئاسية يفتح الباب على مصرعيه للجدل والنزاع، ويجعلها محط ارتياب الكثيرين فيها، واتهام البعض الآخر لها- كنا نربأ بها أن تتجه إليه،
وتُثار قضية أخرى بالغة الخطورة تتعلق بنتيجة الحكم المرتقب من المحكمة الدستورية العليا، ماذا يكون الوضع لو حكمت بدستورية النص القانوني المعروض عليها، وتكون الانتخابات الرئاسية قد أجريت بغض النظر عن النتيجة، إذ يستوي في ذلك فوز المرشح المستبعد والعائد مع خسارته؟
ويقف الجميع مكتوفي الأيدي لا حراك له إذ إن المادة 28 أحاطت اللجنة وقراراتها بسياج من المنعة وحصنتها ضد الطعن، ويبقى الأمل متعلقًا بسرعة صدور حكم المحكمة الدستورية العليا قبل موعد إجراء الانتخابات حتى يستبين السبيل، ويتضح الطريق، وصحيح القول "السلطة المطلقة مفسدة"، وإنا ومعنا الشعب المصري الكريم لمنتظرون.
----------------------------
النائب السابق أسامة جـادو
المحامي بالنقض والدستورية العُليا