أكاد أجزم بأن كلاًّ منا يولد ولديه استعداد بيولوجي ونفسي لِتَكون الطبيعة الديكتاتورية في نفسه البشرية، ويدفعه لذلك دافعه لحب البقاء والارتقاء، ولكن منا مَن يكبح جماح عواصف الديكتاتورية التي تعتري نفسه بلجام التربية والتنشئة الاجتماعية والدينية السليمة، ويتعلم منها فضائل التواضع، وكيف يشارك الآخرين أفراحه وأتراحه.
وحب الذات ليس مرضًا بل هو من الغرائز الفطرية التي فطر الله– عز وجل– عليها الإنسان منذ ولادته، ثم لينمو ويتعلم ويختار طريق الصواب، أو الطريق الآخر، لذا قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا 10) (الشمس)، فحب الذات هي دافع للفرد نحو التطلع للأحسن في حياته، ولكن هي سلاح ذو حدين إذا زاد عن حده تحول من حب ذات إيجابي يدفع الفرد للنجاح والتفوق إلى حب ذات مرضي، يمنعه من التواصل الفعال مع من حوله، ويحوله لوحش يلتهم من حوله من أجل مصلحته.
لذا فالتربية وتهذيب الوازع النفسي "الضمير" عامل مهم وحاسم في القضاء على آفة الديكتاتورية وحب الذات والتمركز حولها، فالطفل إذا حسنت تربيته منذ الصغر تسامى على تلك النوازع التي تتنازعه من أجل إرضاء ربه أولاً، وكذا إرضاء من حوله وإرضاء نفسه، لكي يعيش راضيًا عن نفسه، منسجمًا مع من حوله، مشاركًا إياهم الحياة بتفاؤل وتواضع.
ولكن إذا غابت التربية وضيعت ملامحها منذ الصغر في حياة الطفل، وتشابه عنده القبيح والحسن، تمكنت منه تلك النوازع ومال إلى التمركز حول ذاته، واتخذ الأنانية صفة ثابتة فيه، وخيلت له نفسه أنه مركز هذا الكون، وأن كل مَن حوله يعملون له ولراحته فقط.
ويغلب ذلك الشعور على الطفل الوحيد بداخل الأسرة، نتيجة لتدليل الوالدين له باعتباره (الوحداني)، فأسلوب التنشئة والنظام الأخلاقي والديني الذي يشبُّ عليه الطفل، والمجموعات التي يختلط بها، تُسهم بشكل كبير في تحديد مدى تأثره بجينات الديكتاتورية المغروزة في نفسه.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأطفال الذين يغلب عليهم الطابع القيادي هم الأكثر عرضة للتحول الديكتاتوري؛ لأنهم بطبعهم أطفال متقلبو المزاج، يميلون للسيطرة على ما حولهم من أشخاص وأشياء، وأنه إذا لم يتم التعامل مع الطفل القيادي بشكل علمي مدروس فإنه يتحول إلى مشروع ديكتاتور يمشي على الأرض.
وكم عانت الشعوب والأمم من آثار هؤلاء الطغاة، حتى إن أحد رفقاء طاغية العراق السابق "صدام حسين" يقول عنه في كتاب "عالم صدام حسين": (كأنه ولد لكي يكون طاغية، فمنذ صغره يحب ذاته، ويشعر أنه مركز هذا الكون بل وأساس وجوده، وأن كل الموجودات إنما وجدت لتخدمه، فهو– أي صدام- ديكتاتور جاهز الصنع منذ الطفولة)، وقد ذكر رفيقه هذا أن صدام عانى حياة صعبة في طفولته، فلقد كان طفلاً مهملاً منبوذًا، يتسلى بملاعبة العقارب وبالنوم في آبار مظلمة، وكذا يتسلى بتسخين قضبان حديدية يبقر بها بطون الحيوانات، ولا يتوانى عن وضع الأفاعي في جيوب المعلمين الذين لا يكن لهم الود!.
وأضف إلى ذلك عمليات النشل، والسرقة، والاعتداء، وصولاً إلى أول عملية إطلاق نار، ثم أول عملية قتل فعلية تسجل على ذمة صدام، وهي قتل الحاج سعدون الناصري أحد القياديين الشيوعيين في تكريت، بتكليف من خاله طلفاح وهو طفل في الرابعة عشرة من عمره.
كل ذلك إنما هو دليل على أهمية تربية النشء على الخير والصلاح والاهتمام بهم، وأن السنين الأولى من العمر هي البصمة التي يضعها الوالدان على شخصية ونفسية أبنائهم، فعالم الأبناء ما هو إلا نسخة مصغرة من عالم الكبار، فالطفل لا يجد سوى والديه ليكونا له قدوة؛ لأنهما أول شخصين يحتك بهما في حياته كلها، فإذا كان هناك أب يشتكي من عناد ابنه وعدم قبوله لآراء الآخرين فهو قطعة منك وامتداد لك، فراجع نفسك وتصرفاتك وسلوكياتك أمام ابنك هذا.
كما لا ننسى أهمية الأسرة وترابطها على تصرفات الطفل القيادي، فوفاة أحد الوالدين أو انفصالهما يؤدي لإحداث تشويه في عملية التربية؛ ما قد ينتج عنه طفل معتد برأيه، متمركز حول ذاته، فلنا أن نذكر أن معظم الديكتاتوريات التي ظهرت في العالم نشأت في أسر مفككة ينعدم فيها الشعور بالأمان والحنان، ولنا في الطاغية "صدام حسين" مثالاً، فلقد عاش في أسرة تربى فيها يتيم الأب منذ الصغر.
كذلك تكمن المشكلة في التعامل مع الطفل القيادي على أنه طفل (متقلب المزاج)، فإذا تعاملنا معه بالقهر والكبت وعدم اللين يتحول إلى إنسان ممسوخ ليست لديه شخصية، ولو تعاملنا معه باستهزاء أو بتضخيم هذا ما سيحوله إلى ديكتاتور، فعلينا أن ننمي الناحية القيادية وننزع منه نقطة الأنانية، وكذلك نتعامل مع الأنانية بحرص وعدم كبت، فنوضح له أنه اليوم قائد وغدًا فرد ضمن المجموعة، فلا بد من تنمية روح التعاون والبذل والعطاء وتحمل المسئولية في أبنائنا، بحيث لا تطغى عليهم جزئية الأنانية.
وإيجاد نوع من العلاقة الحميمية بين الوالدين والأبناء يجعل تقبل النصيحة من الأبناء شيئًا مقبولاً، ولا ننسى قوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: من الآية 159).
الشورى دواء
لا شك أن الشورى عامل حاسم في ضرب داء الديكتاتورية في مقتل، فوجود مساحة من التسامح والاستقلالية في التعامل مع الطفل القيادي من شأنها إبراز روح القيادة، وتنمية جوانبها في شخصية الطفل، بدون إفراط أو تفريط.
ويمكن لنا استخدام الأسلوب العملي للتخلص من التسلط والاستبداد في نفوس أطفالنا، فبطريقة لعب الأدوار (السيكودراما) يمكن لنا توضيح فكرة أن القائد المستبد يكرهه مَن يتبعونه ولا يرضون زعامته، وذلك بعمل مسرحية صغيرة حول قائد مستبد، يثور عليه مَن يتبعونه بعد زيادة طغيانه، ويلعب دور القائد المستبد الطفل الذي يعاني من تلك الصفات التي نحاول التخلص منها، ويلعب دور الشجاع الذي ينجح في الإطاحة بالمستبد الطفل الضعيف الشخصية، فبذلك وبشكل عملي نرسم لأبنائنا شكلاً لشخصية المتسلط، وكيف ستكون نهايته ومآله، ونخط في نفوسهم فكرة أن التقي الشجاع هو الذي يلتف الناس من حوله، في محاولة عملية منا لإفهام الطفل بأن القيادة يكتسبها ممن حوله؛ وأهم شيء فيها- أي القيادة- أنها ليست مكاسب فقط بل إن هناك ثوابًا وعقابًا لأنها مسئولية، ونوضح لهم هذا بدرجة لا تخيفهم ولا ترهبهم، فالتربية حالة وسط بين كل حالتين كلاهما متضادتان، فبين القيادة والأنانية شعرة لا ينبغي قطعها، وهي معادلة صعبة يجب على الوالدين والمربين أن يحسنا التعامل معها.
فالطفل الذي يشب على المشاورة وأخذ رأيه يصعب على الطبع الديكتاتوري أن يتغلب عليه أو أن يطغى على شخصيته، ويجب علينا كوالدين ضرب القصص لأطفالنا حول المشاورة وأخذ الرأي، وأن نكون- أي الوالدين- قدوة عملية في التشاور والتناصح، كما كان حال الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع زوجته أم سلمة حين استشارها في تباطؤ الصحابة رضوان الله عليهم في تنفيذ أمر ذبح الهدي، فأشارت عليه ألا يكلم أحدًا منهم، وأن يخرج هو فيذبح الهدي، ويأمر بالحلق له، فإنهم إن رأوا هذا استجابوا لأمره، وقد استجاب النبي- صلى الله عليه وسلم- لنصيحتها وطبقها، وكانت بركة استشارة أم سلمة على الأمة كلها؛ لأن مخالفة الصحابة أمر الرسول قد يكون فيه هلاك لهم جميعًا.
الرأي .. والرأي الآخر
كذلك على الوالدين تعويد الطفل تقبل الرأي الآخر، وقبول الآخرين مهما كانت درجة الاختلاف، مع ضرورة ترسيخ الثوابت التي لا رجعة فيها في نفوس أطفالنا، فالفكر الشمولي الذي يزعُم أنه الحق الأوحد ولا صواب عداه هو تربة خصبة لنمو الديكتاتورية والطغيان، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فحينما ذُكر أمامه حلف الفضول؛ ورغم أنه كان حلفًا تم في الجاهلية وعلى قواعدها، إلا أنه قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، لو دعيت به في الإسلام لأجبت".
ولا ننسى أن تعويد الطفل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وسيلة مهمة لوأد الديكتاتورية في مهدها، ومنع لكل طفل تسول له نفسه أن يكون ظالمًا، فإنه سيخشى وقفة الجميع ضده.
وختامًا.. إن تربية أطفالنا على تقوى الله في السر والعلن، في التعامل مع النفس والتعامل مع الغير، هو أنجع سلاح للتخلص من كل الأدران التي تعلق بالنفس ومنها بالطبع الديكتاتورية، فإن الطفل إذا وعي لقوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته" لشب غير متكالب على سلطة ولا جاه، وشبت نفسه عفيفة تأبى الذل لها ولغيرها.