مما لا شك فيه أن الدين الإسلامي هو جملة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من عقائد وعبادات وتشريعات وأحكام لا فرق في ذلك بين ما تعلق منه بعباده أو حكم من الأحكام والرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا يعني أن تكون السيادة للشرع وأن يكون الكتاب والسنة هما الحجة القاطعة والحكم الأعلى عند التنازع وأنهما فوق ما يضعه البشر من شرائع وأنظمة.

 

ويعد موضوع تطبيق الشريعة موضوع الساعة في كل ساعة فبالالتزام بها عز للأمة وبالتخلي عنها شقاء وذل وهوان وما هذه الدعوات التي يطلقها أعداء الدين من بعض أبنائه ومن الغرباء عنه من ضرورة عزل الشريعة عن الحياة وتحكيم إرادة الأمة بدلاً من الكتاب والسنة وضرورة إفساح المجال واسعًا للقوانين الوضعية لأن تكون صاحبة السيادة العليا في البلاد إلا دليل واضح على علمهم بمصدر القوة التي اشتملت عليها الشريعة الغراء ومما يؤسف له حقًّا أنه قد جاءت فترة زمنية زين فيها لكثير من المسلمين نبذ الشريعة الإسلامية باسم التحضر والرقي والتمدين، لكن الحقيقة المفزعة التي وجدوا أنفسهم فيها جد مريرة لما ضاعوا في تيه البيداء البشرية التي تعج بالمناهج والنظريات دونما رابط أو ضابط، ومع ذلك لا تزال المؤامرات تحاك بليل للحيلولة دون تطبيق الشريعة وهي جهود يبذلها أعداء الإسلام لإقصاء الشريعة عن الحكم في ديار المسلمين وإحلال القوانين الوضعية محلها وذلك بزلزلة عقيدة الإسلام في نفوس المسلمين وإزاحه تعاليم الإسلامية والقوانين الإسلامية من مناهج التعليم.

 

من هذه المؤامرات ما جاء على لسان (جلادستون) رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وزعيم حزب الأحرار البريطاني في القرن 19 وأحد أبرز الخطباء في إحدى خطبه وهو يحمل القرآن ويشير إليه (إننا لا نستطيع الاستقرار في الشرق ما دام فيهم هذا الكتاب).

 

ويقول (وليم جيفورد بالكراف): (متي توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى العربي حينئذ يتدرج في سبل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه).

 

ويقول الحاكم الفرنسي للجزائر إبان الاحتلال الفرنسي في ذكرى مرور مائه عام على ذلك الاحتلال (إننا لن ننتصر على الجزائر ما داموا يقرأون هذا القرآن ويتكلمون العربية فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم).

 

ويقول الطبيب الأمريكي (بول هاريسون) في كتابه الطبيب في بلاد العرب لقد وجدنا نحن في بلاد لنجعل رجالها ونساءها نصارى.

 

وعندما خرجت تركيا مهزومة من الحرب العالمية الأولى دارت مفاوضات طويلة بينها وبين بريطانيا وفي مؤتمر لوزان وضع رئيس الوفد البريطاني (كرزون) أربعة شروط للاعتراف بتركيا:

1- إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تامًّا.

2- طرد الخليفة خارج الحدود.

3- مصادرة أمواله.

4- إعلان علمانية الدولة.

 

وصدق فريق من أبناء المسلمين الفرية الكبرى وأخذوا يدعون إلى الإصلاح والتجديد وذلك باتباع النمط الأوربي وانسلخ كثير من أبناء المسلمين عن دينهم وأخلاقهم وغاصوا في أوحال الحضارة الغربية ويدلل على ذلك د. صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب الأسبق قائلاً: (وفي مصر والبلاد الإسلامية بدأت القوانين الأوربية تنافس الشريعة الإسلامية في عقر دارها ووجد دعاه في المحتمع العربي والإسلامي وفي مصر يرددون أن سبيل الإصلاح هو الأخذ بالقوانين الأوربية والحضارة الأوربية وتطبيقه علينا).

 

ومن هؤلاء الذين نادوا بالأخذ بحضارة الغرب (طه حسين) في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" لمَّا قال يجب علينا (أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لتكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها ما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب).

 

ومن ذلك ما قاله (سلامة موسى) لما سار على خطى العميد بل أبعد منه لما أعلن كراهيته للشرق وأهله وحبه للغرب، وأهله قائلاً في كتابه (اليوم وغدًا)، (هذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي سرًّا وجهرًا فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب).

 

وها هو الرئيس التونسي الأسبق (الحبيب بورقيبة) في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة (واست فرانس) وهي جريدة إقليمية واسعة الانتشار ونشرت نصها في ذلك الوقت صحيفة العمل التونسية في العدد 4141 أن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عمومًا ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة وأني مدين لفرنسا بكل شيء وهو الذي لما تولى الحكم في تونس أصدرت الحكومة برئاسته قرارات بإلغاء الوقف العام والخاص وتحويل سلطات المحاكم المدنية وإصدار قانون الأحوال الشخصية وتحرير المرأة ومساواتها بالرحل في الحقوق وإلغاء نظام تعدد الزوجات وجعل الطلاق حقًّا للزوج والزوجة من خلال المحاكم المدنية والرقابة الحكومية المباشرة على جامع الزيتونة ومؤسساته التعليمية، وفي معرض حديثه عن إلغاء قانون تعدد الزوجات هدد قائلاً إنه جعل السجن مثوى من يتزوج امرأتين.

 

وأسأل نفسي قائلاً: ما هذا الاستنكار لمعالم ديننا الحنيف ومحاولة إبعادها وتشويهها إلا سلسلة متواصلة من أفاعيل أعداء الإسلام وشعوبهم من الاستهزاء بديننا ومقدساتنا وقرآننا ورسولنا بل لقد بلغ بهم السفه حدًّا جعلهم يضعون اسم مكة على مكان من أمكنة الدعارة وصور آيات القرآن على الأوراق التي تلف بها النعال والملابس وكتبوا اسم رسولنا أسفل النعال وانهالوا على رسولنا كذبًا وتضليلاً بأوصاف لا تليق لأي بشر فما بالكم وقد وصف بها سيد البشر.

 

بل عندما سنحت الفرصة لبعضهم خلع الإسلام من جذوره في البلاد التي حكمها وأبرز الحكام الذين يضرب بهم المثل في ذلك هو أتاتورك فعندما استلم مقاليد الحكم ألغي الخلافة الإسلامية وألغي منصب شيخ الإسلام وألغى المحاكم الشرعية وألغى المدارس الدينية وجدد عدد المساجد التي يجوز فيها الصلاة وحول مسجد أيا صوفيا إلى متحف ومسجد الفاتح إلى مستودع.

 

أما بالنسبة لمصر فلم يكن الحال الأسوأ من نظيرتها تركيا خاصة فيما يتعلق بتدخل الدول الكبرى في شئون مصر الداخلية التي تمتعت بامتيازات ليس لها نظير ولم توافق هذه الدول على إلغاء تلك الامتيازات إلا إذا ألغيت الشريعة الإسلامية وحلت محلها القوانين الوضعية.

 

ولا يزال الكيد مستمرًا نحو الإسلام، وأهله ولا يزال أعداء الإسلام يرصدون حركة المسلمين ويحركون اتباعهم في العالم الإسلامي عندما يشعرون بتململ المسلمين للفكاك من قيودهم التي وضعت على كواهلهم ويتبدى ذلك في أقاويل من يروجون لهذه المفاهيم المغلوطة التي تزعم انفصال الشريعة عن واقع المجتمع منها ما جاء على لسان المستشار محمد سعيد العشماوي لما قال يشكك في الشريعة الإسلامية (إن القرآن والسنة لم تتضمن أية مناهج للحكم والسياسية وأن القوانين الحالية المطبقة في مصر متفقة مع الشريعة الإسلامية وأنه من رحمه الله بعباده أن يكون نظام الحكم مدنيًّا لا دينيًّا حتى يتجنب الناس شرور الحكومة الدينية وآثامها.

 

وكتب المؤرخ عبد العظيم رمضان يومًا في مجلة أكتوبر في عددها الصادر بتاريخ 30-6-1985 يتهم دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية بالمتاجرة بالدين ويثيرون قضية تطبيق الشريعة الإسلامية حتى يصرفوا انتباه الجماهير عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها المجتمع ويزعم أن الحدود في الشريعة عقوبات نظرية لا مجال لتطبيقها.

 

ويبقى بعد كل هذا العرض لجزء من سلسلة المؤامرات التي تريد أن تنال من الإسلام وشريعته حتى تكون الأوضاع مهيئة لهم لتنفيذ مخططاتهم وأجنداتهم بواسطة أذنابهم الذين لا يريدون بنا وبإسلامنا خيرًا أن نقول إن الشريعة الإسلامية مصدر إعزاز واعتزاز للأمة في ماضيها وسعادة وإسعاد لها في حاضرها ومستقبلها يجب على أولي الأمر فيها أن يعضوا عليها بالنواجذ حتى تعود للأمة ريادتها وسيادتها واستقلالها وتنفك عنها تبعيتها لمن يتربصون بها ولا يريدون لها خيرًا وأن في تطبيق الشريعة الوحدة والاتحاد والانتماء للعالم الإسلامي كله حتى إذا ما سألوك من ربك فقل ربي الله وإذا سألوك عن دينك فقل ديني الإسلام وإذا سألوك عن كتابك فقل كتابي القرآن وإذا سألوك عن قبلتك فقل قبلتي الكعبة وإذا سألوك عن أمامك فقل بكل فخر واعتزاز هو سيدي رسول الله.

----------------------

* Prince.moby12@yahoo.com