في عام 2000م كلفتني جريدتي "آفاق عربية" بمتابعة نشاط مجلس الشعب الذي أصبح فيه 17 نائبًا للإخوان المسلمين بعد انتخابات عصيبة، لعبت فيها الآلة البوليسية دورًا كبيرًا، ولم ينج من مقصلتها إلا هؤلاء الـ 17 الذين كان في مقدمتهم الدكتور محمد مرسي، والذي اختاره بقية أعضاء الكتلة البرلمانية للإخوان والتي عرفت وقتها بـ"مجموعة الـ 17" رئيسًا له.
وبدأت كغيري من الصحفيين في التعرف على هذه المجموعة ومع كل يوم كان يمر عليها في البرلمان كانت علاقتي تزداد برئيسها الذي لفت مع بقية نواب الكتلة الأنظار إليهم، خاصة أنهم وباستثناء الأستاذ علي فتح الباب (نائب منذ 1995م)، والأستاذ محفوظ حلمي (نائب ببرلمان 87)، كانوا حديثي عهد بالعمل البرلماني وربما بالسياسي، ومع مرور الأيام اكتسب هؤلاء النواب الخبرات المطلوبة ليكونوا على أول طريق الأداء البرلماني الذي ربما لم يكن يقلق النظام المصري الذي استصغر عددهم وحداثة تجربتهم، حتى جاء الموقف الذي غيَّر المعادلة، وبدأ الراحل كمال الشاذلي زعيم الأغلبية وقتها يرصد حركات وهمسات هؤلاء الـ 17.
هذا الموقف ربما يعكس أيضًا طريقة إدارة الإخوان لأي ملف من الملفات التي يتولون أمرها، أما الموقف فكان أول مناقشة لبيان الحكومة ثم مناقشة مشروع الخطة والموازنة، وإن كانت مناقشات بيان الحكومة تعتمد على المواقف السياسية، إلا أن الوضع يختلف بالطبع مع مناقشات الخطة والموازنة التي تعتمد على الخبرة والتخصص والأرقام، ولأن الإخوان ليسوا كغيرهم في التجهيز للمناقشات؛ ولأن الكتلة وقتها لم يكن لأحد فيها باع في العمل الاقتصادي فقد تم وضع مشروع الخطة والموازنة على طاولة المتخصصين في هذا المجال، وأتذكر أن من بين هؤلاء من كان ينتمي للإخوان المسلمين مثل العالم الكبير الدكتور حسين شحاتة أو الصديق العزيز والاقتصادي المتخصص عبد الحافظ الصاوي، كما كان من بينهم من لا يرتبط بالإخوان بأي شكل من الأشكال، وبالفعل قدمت المجموعة ردًّا وافيا فنَّد عوار الخطة والموازنة، ثم جاء الدور على النواب لكي يناقشوها داخل المجلس، وبدأت المفاوضات مع رئيس المجلس وقتها فتحي سرور في طريقة الحديث، وهل من حقِّ مجموعة الـ 17 أن يتحدثوا ككتلة برلمانية لها وقت مميز لرئيسها طبقًا للائحة المجلس.
ولعل هذا الموقف كان أول اختبار لرئيس كتلة الإخوان الغير معترف بها وقتها، وبدأت المفاوضات مع رئيس مجلس الشعب، وبعد شد وجذب استطاع د. محمد مرسي أن يحصل على الكلمة مثله مثل أي رئيس أي كتلة برلمانية لأحزاب الوفد أو التجمع أو الناصري، ثم قام بتوزيع الردود العلمية التي تم تجهيزها على نواب الكتلة كل حسب تخصصه، ففي المجال الصحي يتحدث الدكتور أكرم الشاعر ود. حمدي حسن، وفي المجال التعليمي هناك د. محمد جمال حشمت والنائب محمد العزباوي والنائب علي لبن، وفي الإسكان المهندس صابر عبد الصادق، وعن حقوق العمال النائبان علي فتح الباب ومحفوظ حلمي، وفي الجانب الاقتصادي حسين محمد إبراهيم ومصطفى محمد وحسنين الشورة ومحمد العدلي، وفي المحليات عزب مصطفى، وفي الزراعة السيد حزين، ود. السيد عبد الحميد، وفي الشئون الدينية والأوقاف النائب الراحل مصطفى عوض الله، ثم تحدث د. مرسي في الجانب السياسي، وفنَّد أداء الحكومة بشكل أزهل فتحي سرور والشاذلي ووزراء حكومة عاطف عبيد، وإن كان هذا الجانب هو الظاهر في الموضوع إلا أن الجانب الخفي هو إعداد هذه المجموعة لكي تتحدث بقوة، وفي أقل وقت ممكن، وهنا كان دور رئيس الكتلة الذي لعب دور المدرب مع فريقه، وراجع معهم كل الخطط والجمل التكتيكية والمهارات الفنية المطلوبة مرة تلو الأخرى؛ حتى خرج أداء الفريق بشكل أذهل الجميع، ولعل هذا هو الميزة الأولى التي تكشف أحد الجوانب الإدارية للدكتور محمد مرسي، والتي تعتمد على المؤسسية، ومنح فريق العمل الفرصة للتعبير عن نفسه.
وتمضي الأيام وتقترب أول دورة برلمانية من الانتهاء وتكشر الحكومة عن أنيابها لجمح قوة المعارضة وفي القلب منها الإخوان المسلمين، ويجري نقاش ساخن بين محمد أبو العينين رئيس لجنة الإسكان في المجلس وقتها والدكتور محمد مرسي عن أراضي الدولة المنهوبة، وقد حضرت جزءًا من هذا النقاش الذي كشف جانبًا آخر من شخصية الدكتور محمد مرسي، وهي الندية والقوة في الحق، وعدم الرضوخ لضغوط الآخرين طالما لم ترتكن على حق أو صدق؛ حيث أراد أبو العينين والذي كان أحد المدللين للنظام السابق بمحاولة التقليل من أداء الكتلة ونوابها، والتلميح بأن النظام ممكن أن يخرجهم من المجلس، ولكنه لا يريد ذلك، وقد أراد أبو العينين في إيصال رسالته على استخدام لغة استعلائية، ولكني أعتقد أنه أحس بخطئه عندما قابله د. مرسي بلغة واثقة، وقلب الطاولة على رأسه؛ حيث قال له- وهو يعلم أن ما يدور بينهما سوف يصل للشاذلي وصفوت الشريف- بنبرة قوية حازمة "اسمع يا محمد (بدون ألقاب كما فعل أبو العينين في حديثه) بلغ حزبك أنه يلعب بالنار، وعليه أن يقتنع أن هناك معارضة في المجلس لن تقبل بسطوة الحكومة أو التقليل من شأن البرلمان، وأن الإخوان المسلمين لا يخشون من جبروت النظام؛ لأنهم يثقون في الشعب وقدرته على حماية نوابه"، ولأن أبو العينين لن يتخيل وقتها هذا الرد، فقد اكتفى بالوقوف صامتًا وهو فاتح فاه لا يجد ردًّا إلا قوله إن شاء الله.
---------------------