وضعت الشريعة الإسلامية الغراء ثلاث وسائل لمقاومة الشر والمنكر في المجتمع الإسلامي، وهي على الترتيب في الوجوب:
التغيير باليد أو باللسان أو بالقلب، كما جاء في الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان") رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).
والمنكر هو كل ما قبحه الشرع وكرهه وحرمه، وتغييره بالقلب بمعنى كراهته واستقباحه والنفور منه ومن أهله، والاستطاعة هي التمكّن من التغيير دون ضُرّ أو فتنة تلحق بالإنسان.
والتغيير بالقلب يجب عند العجز عن التغيير بالوسائل الإيجابية باليد أو اللسان؛ إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وذلك أضعف الإيمان"، وفي رواية أخرى: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
ولقد توهم كثير من الناس أن التغيير بالقلب هو مجرد تمني التغيير، أو مجرد كره الشر فيما بيننا وبين أنفسنا، وعدم الرضا عنه بقلوبنا، دون أن يبدو علينا أدنى أثر لهذه الكراهة وعدم الرضا.
وقد يدفعنا ذلك الشعور السلبي إلى مخالطة أصحاب المنكر وأهل الفساد ومعايشتهم والتغاضي عن مناكيرهم وشرورهم.
والواقع أن هذا الفهم يعدُّ تحريفًا لمقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأن الاكتفاء بكراهية المنكر مع بقاء المعاملة لصاحبه على بشاشة أو المجاملة والمحافظة على تحيته وتكريمه كما يكرم المحسنين؛ يعدُّ من وجوه النفاق.
ولقد اعتاد أناس على معاشرة أهل السوء وأصحاب المنكر دون الشعور بالحرج أو إبداء الامتعاض أو مقاطعة هؤلاء؛ ظنًّا منهم أن المراد بالتغيير القلبي هو الاكتفاء بالكراهة القلبية والوجدانية للإثم أو المنكر وليس بعد ذلك من سبيل!.
ولقد حدث في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن بعض الناس تأوّل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (الأنعام: من الآية 105) بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيّها الناس إنّكم تقرءون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (الأنعام: من الآية 105) وإنّكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده" (رواه أحمد في مسنده).
وفي هذه الأيام تأول كثير من الناس قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم يستطع فبقبله وذلك أضعف الإيمان" خطأً، فاستحلوا لأنفسهم مخالطة أصحاب المنكرات دون المساهمة الإيجابية في تغيير ذلك المنكر حتى ولو بالقلب.. يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (دراسات إسلامية في العلاقات الدولية والاجتماعية): إن التغيير بالقلب يساهم- أحيانًا كثيرةً- في تصحيح الأوضاع الخاطئة وإزالة المنكر، وذلك إذا اتخذ الإنسان موقفًا متحفظًا من المسيء والمجرم وأشعره بأنه كمية مهملة وأنه محروم من التكريم والتعظيم الذي كان قد تعوده؛ يشعر باستياء الآخرين من سلوكه، ويشعر أخيرًا بأنه في وحشة وعزلة بسبب هجران الآخرين له ومقاطعتهم إياه، ثم هو موقف نشعر فيه نحن بأننا بدَّلنا موقفنا المائع الفاتر المتراخي، موقف المجاملة الكاذبة لكل أحد ولو على حساب الحق والفضيلة، واتخذنا موقفًا آخر من الجد والغيرة والشعور بمسئوليتنا ومسئولية كل منا عن الحقوق والآداب العامة".
ولقد صرَّح القرآن الكريم بأن كراهية المنكر بالقلب دون أقل مظهر إيجابي أو سلبي ليس مقبولاً عند الله، بل يعد مشاركةً في المنكر والإثم، فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 68) (الأنعام).
ولنا من السيرة النبوية العطرة القدوة الحسنة؛ حيث قاطع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك دونما عذر، ونهى الصحابة رضي الله عنهم عن كلامهم والتواصل معهم حتى تاب الله عليهم.. يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكَّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه فوالله ما رد عليَّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله: هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم... إلى آخر الحديث (رواه مسلم في صحيحه باب حديث توبة كعب بن مالك).
كما بينت السنة النبوية أن بني إسرائيل حين فقدوا الغيرة على حرمات الله وجالسوا أصحاب المنكر وآكلوهم وشاربوهم، استحقت عليهم اللعنة، قال صلى الله عليه وسلم: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم.. ثم جلس- وكان متكئًا- فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا" (رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه).
وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ 78 كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ) (المائدة).
إذن فالتغيير بالقلب- كما يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله- موقف إيجابي لا سلبي كما يظن البعض، وتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تغيير؛ دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته، فإنكار المنكر بالقلب معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر.. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به.
وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع "المعروف" في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة.. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير، وهو على كل حال أضعف الإيمان، فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان!.
أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع ولأن له ضغطًا- قد يكون ساحقًا- فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان!.