التوافق..
كانت هذه الكلمة هي مفتاح الوحدة ورمز القوة وطريق إسقاط رأس نظام ديكتاتوري فاسد في ميدان التحرير عبر 18 يومًا مجيدة في تاريخ مصر، وكان التفرق والتشرذم وتبادل الاتهامات وتفريق الصف هي لعبة النظام القديم، كما أنها لعبة أي نظام ديكتاتوري يريد أن يحيل بلاده إلى حلبة صراع بين طوائف الشعب وقواه السياسية، بغرض إنهاكها وإشغالها عن أخطائه وألاعيبه، ثم يجلس هو ينظر في الجميع وإلى الجميع، فرحًا سعيدًا مطمئنًا، فلقد نجح في أن يلهي كل الأطراف، ويشغلهم ببعضهم البعض عما يفعل بالوطن وبهم.
نجحت ملحمة التحرير أن تصنع هذا التوافق بامتياز، وبصورة حقيقية صادقة غير مفتعلة، أسقطت كل حجج النظام ومحاولاته لشق الصف، لأن الجميع كان يرى الصورة واضحة لا لبس فيها، حتى استسلم النظام وأيقن أن هذه اللحظة لحظة استثنائية، تحمل قوة أكبر بكثير من ممارسة ألاعيبه وخططه القديمة.
كانت اللحظة مثالية، و كان النجاح مبهرًا، وكان التوافق هو البطل.
وبمرور الوقت.. كان طبيعيًّا أن يكمل الجميع المشوار، مستندًا إلى أفكاره وطريقته في ترتيب الأولويات، وفلسفته في العبور إلى بر الأمان، وإنهاء المرحلة الانتقالية بسلام، لكن الذي حدث أن القدرة على استيعاب هذا الاختلاف في الرؤى كان قد ضعف مع الوقت، نتيجة للحماس الزائد أحيانًا، أو العودة للاستسلام لفكرة الفزاعات مرة أخرى، أو نتيجة لأخطاء وقعت بحسن نية من أطراف مختلفة.
لكن المقلق في الأمر، أنه قد بدا ملاحظًا بقوة، أن سر الانتصار العظيم الذي كان أشبه بالحلم أو قريب من المستحيل، بدأ يتسرب من أيدينا يومًا بعد يوم، وبدأت لغة الاتهامات تخرج تارة أخرى، وبدأ الحديث عن التخوين يظهر في الأفق، وبدأ شبح الانقسام يعود من جديد، لنفاجأ جميعًا أن ما تحقق من انتصار قد أصبح مهددًا الآن، وأن النظام القديم قد بدأ يشعر أنه من الممكن أن يعود إلى الحلبة مرة أخرى، مستندًا على أزمات يومية مدبرة بإحكام، هدفها دفع الناس إلى فقدان الإيمان بالثورة.
الآن نكتشف أننا جميعنا في خطر، نفس الخطر القديم الذي وحدنا على قلب رجل واحد، نفس الخطر القديم الذي جعلنا نتفق على الأهداف الكبرى، وأن نصبر على بعضنا البعض، وأن تجمعنا روح الأخوة والتسامح والتنازل، وأن نقترب من بعضنا أكثر بصدق حتى يفهم كل منا الآخر..
باختصار، لقد عزمنا في لحظة ما، أن نتفق على ألا نختلف، والآن أصبحت كل الشواهد تدفعنا دفعًا إلى أن نعيد نفس المبدأ من جديد.. التوافق.
ورغم أن جماعة ألإخوان المسلمين تصيبها السهام من كل اتجاه، ويتبارى الكثيرون في انتقادهم بحدة تخرج عن الموضوعية في مساحات كثيرة، وتبني تفسيراتها للأمور على فروض غير حقيقة، رغم كل ذلك، فإن جماعة الإخوان اعتادت على ذلك منذ أن أنشئت، وهي تصبر على ذلك لعلمها أن هذه هي طبيعة الدعوات، وأن دورهم الآن حماية السفينة، حتى وإن أساء البعض الظن بهم، واتهمهم اتهامات تحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
علينا أن نتحرك كعادتنا من موقع المسئولية، بمنطق القوى الكبرى التي تحاول لم الشمل، وتتحمل الأذى في سبيل الله وسبل المصلحة الكبرى للوطن ومن أجل هذا الشعب الذي لاقى الكثير، على أن يكون ذلك على كل المستويات، مع الأخذ في الاعتبار أهمية شريحة الشباب كقوة فاعلة ومؤثرة وواسعة الانتشار.
كي يتحقق التوافق
كي يبدأ الحوار مع المخالفين والمعارضين وينتهي بصيغة توافقية تجمع أكثر مما تفرق، ينبغي أن يتسم الحوار بالخصائص الآتية:
1) صدق النية؛ حيث يبدأ توجيه النوايا لله وللمصلحة العليا والأخطار المحتملة، وتهميش حظ النفس والبحث عن الذات.
قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء:125).
2) الاتفاق على توضيح الرؤى و المواقف دون تخوين أو ألفاظ جارحة أو استعلاء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ".
3) الاعتراف بالخطأ إن وجد:
كما يقول الإمام علي: غاية الإنصاف أن ينصف المرء من نفسه .
ويقول: ألا إنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزاً.
4) التنازل قدر الإمكان.
5) عدم الاستغراق في الماضي والدفع بالاتجاه نحو المستقبل.
6) البحث الدائم عن مساحات مشتركة، والوقوف عليها بقوة، ومحاولة زيادة هذه المساحة باستمرار، مع تضييق الخناق على الخلافات.
7) الاتفاق على هدف أكبر والتعاون من أجله.
8) الحوار المستمر عن طريق لقاءات متواصلة تقرب وجهات النظر، وتحقق الألفة وتمنع الشقاق.
مهارات مطلوبة لتحقيق التوافق
تحقيق التوافق يحتاج إلى مهارات نفسية وقدرات شخصية، إذا ما وجدت، أصبح الوصول إلى مرحلة التوافق ممكنًا إلى درجة كبيرة، وهذه المهارات هي:
1) الصبر: لا بد من الصبر لتحمل وجهات النظر المخالفة مهما كانت حادة، ولتحمل تحامل الطرف الآخر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر".
القدرة على التحكم في النفس أو الثبات الانفعالي، الذي يحول دون الانسياق إلى تصرف يفسد الحوار، ويمكن من العودة بالحوار إلى الهدوء الذي يضمن إتمام عملية الحوار باتزان. والخروج من الحوار دون صدام في حالة عدم الاتفاق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ).
2) مهارات الحوار من إعطاء الفرصة للمتحدث واحترام رأيه والتركيز على النقاط الإيجابية الرئيسية وعدم الانجراف إلى نقاط فرعية.
3) الخلفية الثقافية الجيدة التي تتسم بوفرة المعلومات وطرق التفكير المختلفة حسب الأيديولوجيات الفكرية.
إن وسطية الإسلام وروحه تدفعنا لأن نتحدث إلى غيرنا بالطريقة التي تئول بالجميع في النهاية إلى التعاون والخير، نستطيع أن نفعل ذلك عبر صفحات الفيس بوك سواء بالتعليق عبر الصفحة، أو دعوة المجموعات المعارضة في كل مكان في لقاءات دورية للحوار وتقريب وجهات النظر، أو عبر لقاءاتنا مع من نعرفه أو من لا نعرفه في الشوارع أو الجلسات الخاصة.
فلتكن الروح القادمة هي روح الاتفاق والعمل بدلاً من الاختلاف والفرقة، ولنوحد صفوفنا في وجوه من يريدون بنا الشر، ولنعلم أن النيران عمياء، عندما تأتي، لا تعرف من تلتهم.
قال تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) (الأنفال).