على هامش زيارة السيد علي جمعة- ولا أقول مفتي الديار المصرية، فالزيارة لا تمثل المؤسسة العظيمة- على هامش زيارته للأقصى تحت الحماية الإسرائيلية، أرى أن نعيد قراءة هذا المقال الذي كتبته إبان الانتخابات المصرية التي شهد العالم بتزويرها عام 2005م، واستنكارًا لصمت المفتي والمؤسسات الدينية حينها، بينما علا صوته بفتوى تحل بيع الخمور في البلاد غير المسلمة..!!، ونشر بمجلة المجتمع الكويتية، التقيت الرجل بعد نشر المقال، في أحد المؤتمرات، فراجعته في فتواه فأشاح بيده: "لا تسأليني، اسألي أبا حنيفة"، قلت له: أفتى أبو حنيفة لعصره، وأنت تفتي لعصرنا... لم يرد علي... تهلل الواقفون خلفه يشجعونني، ويباركون مناقشتي له... ثم ساروا في ركابه... حيث كانت الكاميرات!!!.

 

المقال:

بين بيع الخمور وبيع الأمم.... استفتيك يا مفتي الديار... فهل تفتيني؟

بينما كنت أغالب في نفسي رغبتها في عتاب مفتي الديار المصرية إزاء غيابه وغياب أمثاله من علماء الأمة عن الإدلاء برأيهم فيما جرى من أحداث الانتخابات المصرية، جاءت فتواه الأخيرة بإباحة أن يبيع المسلم في دولة غير إسلامية الخمور لغير المسلمين.. لتقطع هذه المغالبة في رغبة العتاب، بل لتتحول رغبة العتاب إلى إحساس بمسئولية النصح التي بايع عليها المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا: "وبايعناه على النصح لكل مسلم"، ومع النصح- يا فضيلة المفتي- مرارة في القلب وغصة في الحلق.

 

لقد عجبت أيما عجب من إسراعكم إلى مثل هذه الفتاوى وغيابكم عما جرى ويجري على أرض الوطن، ودعك من هذه الفتوى الأخيرة التي لا أرى أحدًا من الأمة سيرتاح لها قلبًا أو ضميرًا حتى الشباب الذين تضطرهم الظروف القهرية إليها ستظل قلوبهم مضطربة حتى يفتح الله لهم باب فرج، غير أن خطر هذه الفتوى سيبقى قائمًا عند بعض النفوس حين تضعف؛ إنها تمنحها شيئًا من التبرير لبقائها في حالة الفساد التي تبيح له الفتوى أن يحيا بها، وعلى أقل تقدير تضعف مقاومته للفساد والشر، فضلاً عن أنها تفقدنا الأمل الأبعد في أن يكون هذا الشباب في هذه الأرض رفد الدعوة ومدد الإسلام، وهو ما يمثله قطاع عريض من شباب الإسلام في الغرب بحمد الله، ثم هل أفتيتم بهذا مدركين حقيقة الواقع الذي يعيشه المسلمون هناك، وهو واقع لا تنغلق أبواب الرزق الحلال فيه إلى هذا الحد الذي يحوجهم إلى ولوج أبواب الفساد، خاصة وأنتم تستندون في فتواكم إلى رأي قديم للحنفية بإباحة العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين، وكم رأينا- نحن الذين عشنا سنين في الغرب- من شباب هاجر لم يكن يأل للدين بالاً فإذا بالتحدي الحضاري يدفعه إلى التعرف بل العودة الحميمة إلى دينه، فلماذا نفتح للشر أبوابًا جديدة بينما ينجح الشباب وبدون مثل هذه الفتاوى في مغالبة ظروفهم؟ ثم ماذا بعد أن تحل له بيع الخمر، هل سيبيعها على أبواب المساجد أم سيبيعها في أماكن الخلاعة ومحاضن الفجور؟.

 

دعني من هذه الفتوى الآن، فما أهمني حقًّا هو غياب فضيلة المفتي والأزهر عن حياتنا كمصريين، وبينما تقف ثلة طاهرة من شباب الأمة تنافح عن هذا الدين العظيم كمشروع حضاري إصلاحي قادر بإخبار الله عزَّ وجلَّ وبالممارسة التاريخية التي تمت في أيام خاليات وضيئة على إسعاد كل من يستظل بلوائه من مسلم وغير مسلم، بينا يحدث ذلك يبحث المرء عن علماء الأمة، خاصة الجالسين منهم على كراسي الإفتاء وسدة المؤسسات العلمية فلا يحس منهم من أحد أو يسمع لهم ركزا.

 

لقد كنتُ واحدة يا د. علي من الكثيرين في هذا البلد العظيم الذين استبشروا بمجيئك لهذا الكرسي الجليل، وحلمنا أن نشهد للإفتاء مجدًا جديدًا يعيش آلام الأمة وآمالها، يشاركها: مشورة وصلاحًا وإصلاحًا، يقدم الرأي الشرعي والنموذج الحضاري الإسلامي لكل حادث وحديث، يمنحنا خطة العمل المبدئية التي تسير عليها الأمة وتستهدي بهداها، وتقلل من بؤر التوتر والخلاف وسوء الفهم بين طوائف الأمة بجميع الرؤى والمذاهب، لكن الذي حدث شيء آخر.

 

إن الأمة تنزف دمًا وكأنكم لستم في دنياها، ليس المهم يا سيدي أن نعرف الحق، ولكن المهم أن نقوله ونعلنه حتى لا تفسد الشريعة ويضل الناس.

 

أين أنتم يا دكتور وما رأيكم في المرحلة المقبلة علينا من الضياع الاجتماعي والأخلاقي الذي شهدناه من أهل السلطة ومن بعض المنتسبين زورًا إلى الفكر، والذين قبلوا أن يعتلوا منابر مجلس الشعب بأصوات منافسيهم وبتزوير إرادة الناخبين؛ ليتكلموا بعد ذلك في سنِّ قوانين العدل والإصلاح؟!.

 

ما رأيكم يا فضيلة المفتي في مسألة المرجعية الإسلامية للدولة المدنية؟ ما قولكم في كون القرآن الكريم حجة على الناس، ومصدر تشريعي يلزم المسلمين أن يتبعوه، وأن الإسلام شريعة إلهية غايتها تحقيق مصالح الناس والعدل بينهم؟.

 

هل يخطئ الإسلاميون بل هل يخطئ المسلمون حين يؤمنون إيمانًا جازمًا بأن الله عزَّ وجلَّ الذي أوجد هذه العالم قد أوجد فيه قانون بقائه الذي هو شرعته ومنهاجه القائم على جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، وهو المقصد العام للشريعة الإسلامية؟ هل يخطئون حين يؤمنون بهذا يا فضيلة المفتي؟.

 

هل يجوز لكل صاحب رأي وضعي أو وثني أن يعلن هويته ويَحْرُم على المسلم أن يتبنى رؤية الإسلام، ويعدها هويته ومرجعيته؟.

 

ما تعريفكم للسياسة في ضوء شرع الله؟ وأين موقفكم من صلة الدين بالدولة، وصلة الدين بالسياسة؟ وهل يصح في شرع الله الفصل بينهما؟ هل يصلح "دين" لا يهتم بالسياسة التي هي رعاية مصالح العباد؟ وهل تصح "سياسة" لا تستهدي بقيم الحق والعدل والمساواة، والتي هي قيم الإسلام؟.

 

هل هذا الدين- الذي أنتم أولى الناس بالحديث عنه- رسالة إصلاح عالمية حقًّا؟ أم تراه ينبغي أن يقبع في زوايا المساجد والغرفات المظلمة فلا يقحم نفسه في حياة الناس؟.

 

كيف ستعتذرون أمام رب السماوات والأرض وأنتم تسمعون وترون كيف تنهش حقيقة الإسلام وقيمه ومبادئه، ويشكك في أهليته مرجعًا وحكمًا على يد العلمانيين واليساريين، ومن لا فكر لهم؟.

 

كيف ترون سرقة الحكم وإذلال الناس وإضاعة الحقوق، وفشو الرشى، وشراء الذمم، وقتل الناخبين، وخيانة الله ورسوله باختيار من نعلم أن في غيره الخير، ومع ذلك نختاره؟.

 

لماذا تتركون الذين يحملون المشروع الحضاري الإسلامي وحدهم في الميدان دون دعم فكري ومرجعي– موافق لهم أو مخالف– المهم أن يكون مؤصلاً تأصيلاًَ شرعيًّا دقيقًا؟.

 

إن بين الاستبداد والظلم- يا سيدي- وبين غياب العلماء وتراخيهم في نصرة قضايانا نسب قديم، وسبب متين، وإن سكوت العلماء عن الإدلاء برأي الدين فيما يجري حولهم لا يقل شرًّا عن بيع الأمة وسرقة إرادتها واللعب بمقدراتها وتاريخها، فالعلم هو قاعدة السياسة، أو هكذا ينبغي له أن يكون.

 

وإن لوم هؤلاء الحكام قد يقل عندما ندرك أن هؤلاء الحكام لم يتربوا على الدين، لم يدرسوه، لم يعرفوا– ربما– حقيقة المنهج الرباني ومراد الله من خلقه على النحو الذي يعرفه العلماء، وربما لو عرفوه حقًّا لساروا في طريقه، وحملوا رايته، ويبقى العتاب الأكبر موجهًا لعلماء الأمة وقادة فكرها وسياستها، أو هكذا ينبغي أن يكون الأمر.

 

لا بد أن يدرك العاملون في هذه المؤسسات الدينية المسئولية الملقاة على عواتقهم حقًّا، وأن يقدروا تبعة هذه الجلسة على هذه الكراسي التي ستزول حتمًا، وستبقى كلمة الحق تصنع للرجال تاريخًا، وتضمن لهم في الجنة منزلاً.

 

إنها معركة واضحة لا لبس فيها بين الحق والباطل، ولا يجوز فيها الحياد، وإن هذا الموقف السلبي الذي تقفونه يسيء إلى الإسلام إساءة بالغة، ويطمِّع الدعوات الملحدة أن تمتد حيث ينكمش الإسلام.

 

والدين يا علماء الأمة وسادتها ليس بضاعة تباع للناس في بطون الكتب وحسب، وليس كلامًا ننقله في حلقات الوعظ ودروس الفقه العتيق المرتبط بظروف خاصة وبيئات زمانية ومكانية مختلفة والذي عفى على بعضه الزمان، فلم يعد يثمر إلا تخمة عقلية نظرية لا أثر لها في حياة الناس.

 

أيها العلماء الدين لا يمكن أن يعيش على هامش الحياة، يجب أن تحددوا مواقفكم إزاء ما يجري، بل يجب عليكم الآن أن تفتونا في تساؤلاتنا، وقد استفتيناكم ونلزمكم الحجة أمام حاكم السموات والأرض، وإلا تفعلوا فإنكم تكونون مضيعين لما قلدكم الله- يا د. علي جمعة- مَن أمر هذه الأمة ومَن المسئول أمام الله عزَّ وجلَّ عن إصلاح دنيا الناس بدينهم أهم؟.. أليس قد أخذ الله عليكم الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه؟.

 

إن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الافتئات المستمر على دين الله وشريعته، كأن ما يحدث لا يدخل في الدائرة التي يختص الدين بالفتوى فيها أمر يدعو للدهشة! فإذا لم يُسمع صوت الدين الآن في مثل هذه المعارك التي تباع فيها الأمة، فمتى يُسمع؟.