الاستخارة سنة عن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، داوم عليها وعلمها أصحابه، وهي في جوهرها استعانة واستغاثة بالله تعالى، تنطوي على التسليم المطلق لحكمه وإرادته واختياره، والثقة المطلقة في علمه وتدبيره وحكمته، يعلن فيها الإنسان براءته من حوله وطوله وقوته، ويلوذ بحول الله وطوله وقوته، ويتحرر فيها الإنسان من أسر الهوى، وقيد الرغبة، وتسلط الفكرة، وسعار الشهوة، وثورة الغضب، وضغط الإلف والعادة، وصراع الإقدام والإحجام، إنها توجه العقل والقلب إلى الله ليختار لعبده الذي تعلق به ما عجز العبد أن يستبين فيه وجه الخير والمصلحة.

 

ومن الناس من يظلم نفسه ويظلم الاستخارة ظلمًا بيِّنا فيتخذها أداة لشرعنة الهوى، وستارًا يخفي وراءه قرارًا أضمره في نفسه فرارًا من الحرج الاجتماعي أو ضعفًا عن المواجهة الصريحة؛ فهو غالبًا ما يعلق الأمر الذي نوى رفضه على الاستخارة، وكثيرًا ما تصل هذه الرسالة السلبية إلى الآخرين، فيعلمون مسبقًا أن طلبهم مرفوض لتعليقه على الاستخارة، وشبيه بذلك مَن يستخدم لفظ المشيئة "إن شاء الله" للأشياء التي نوى ألا يفعلها أبدًا، ومن الآباء مَن تعوَّد أن يجيب على طلبات أطفاله المرفوضة بقوله: "إن شاء الله"؛ حتى تعلق أحد الأطفال بأبيه وهو يرجوه أن يعده وعدًا صريحًا بتلبية طلبه، وألا يقول له "إن شاء الله"، وخير للإنسان أن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، وأن يجنب الاستخارة والمشيئة هذه السمعة السيئة، وهذه الإيحاءات السلبية.

 

ومن أعجب الظلم للاستخارة أن يستخير بعض الناس للمفاضلة بين أمرين أحدهما محرمًا أو مكروهًا؛ كمن يستخير هل يستأنف صلته لأخته التي قطعها زمنًا أم يستمر على قطيعته لها، وكأن قطيعة الرحم من القربات، أو كمن يستخير هل يرد الحقوق التي اغتصبها إلى أصحابها وقد نوى التوبة أم يتوب بينه وبين الله، وكأن رد المظالم ليس من شروط التوبة في شيء، ومن الناس من يستخير هل يعمل للإسلام في جماعة أم يعمل منفردًا مع أن العمل الجماعي فريضة شرعية وضرورة بشرية، ومن الفتيات مَن تستخير هل ترتدي الحجاب أم لا، وكأن الفريضة في حاجة إلى استخارة.

 

ومن ظلم الاستخارة أن يستخير الإنسان ليفاضل بين أمرين حَكَم العقل برجحان أحدهما وتعلق الهوى بالآخر، والإنسان لا يريد أن يسلم لحكم العقل والمصلحة الراجحة واضحة في حساباته وأحكامه، ويريد أن يلتمس لهواه مسوغًا فلم يجد إلا الاستخارة يلوذ بها ليخفي وراءها ذلك الهوى الذي يجب عليه أن يتخلص منه.

 

ومن ظلم الاستخارة أن ينتظر الإنسان بعد صلاة الاستخارة رؤيا تأمره أن يفعل أو أن يترك، فإذا لم يحدث له ذلك ظل يعيدها ويكررها وينتظر ولا يلقي بالاً لشيء سواها من انشراح في الصدر أو انقباض فيه، ومن تيسير للأمر أو تعسيره، والناس في الرؤى بين مقل ومكثر، ومن ظلم الاستخارة ربطها بالرؤيا والمبالغة في انتظارها، وبناء الأحكام والمواقف عليها، وخير للإنسان أن يكف عن التزوير وأن يستخير فيما غُمَّ عليه ويحرر قصده أولاً ويقف نفسيًّا على مسافة واحدة من الأمرين، ثم يمضي إلى ما يسوقه الله إليه، ويشرح له صدره.