بينما تستعد قوى الثورة للاحتشاد غدًا في ميدان التحرير دفاعًا عن قيم الثورة ومطالبة بتحقيق بقية أهدافها، تصاعدت خلال الأيام الماضية دعوات من بعض القوى الليبرالية واليسارية للإخوان بضرورة الاعتذار عن كثير من مواقفهم خلال الفترة الماضية والتي يلخصونها في هجر الإخوان للمليونيات انصرافًا إلى الانتخابات، وتركهم شباب الميدان في مواجهتهم مع رجال الجيش والشرطة في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء.
لا عيب أبدًا في الاعتذار عن أي أخطاء وقعت، لكن العيب أن يدعي البعض أن طرفًا واحدًا هو من أخطأ وعليه الاعتذار، بينما غرق هذا البعض في سلسلة من الأخطاء أيضًا التي قلبت الرأي العام ضد الثورة، لا نريد هنا أن ننكأ الجراح، ونفتح الدفاتر، فنحن في وقت أحوج ما نكون فيه إلى التوحد والترابط والتعاون فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فكل المواقف السابقة سواء للإخوان أو للفصائل الليبرالية أو اليسارية هي مجرد اجتهادات بشرية وتقديرات مواقف بنيت على معطيات ومعلومات وتحليلات لدى كل طرف، دفعته لاتخاذ هذا الموقف أو ذاك، ولا ننسى أن الفترة الماضية كانت ضبابية إلى الحد الذي حجب كثيرًا من الرؤية عن العيون، ومن هنا وقعت أخطاء بلا شك من جميع قوى الثورة بلا استثناء وعلينا الاعتراف بذلك، ولعل الخطأ الأول الذي اشترك فيه الجميع سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين أو يساريين هو الخروج المبكر من الميدان اكتفاء بالإطاحة برأس النظام وبعض أطرافه، وترك بقية المطالب للمجلس العسكري الذي وثق فيه الجميع أيضًا في البداية لتحقيقها على مهل وتدرج.
كان ذلك الخروج المبكر من الميدان هو بداية التفرق بين قوى الثورة والذي بلغ مداه في استفتاء التعديلات الدستورية يوم 19 مارس، حيث تطالب القوى الليبرالية الإسلاميين اليوم بالاعتذار عن موقفها من الاستفتاء والإعلان الدستوري الذي تلاه، بدعوى أن وجهة النظر الليبرالية في ضرورة وضع الدستور أولاً قبل الانتخابات اتضحت صحتها الآن، وهذا قول يحتاج إلى تدقيق، فرغم وجاهة المنطق بالدستور أولاً إلا أن القوى الليبرالية لم تقدم في حينها تصورًا متكاملاً لكيفية الوصول إلى ذلك عبر خطوات عملية قابلة للتحقيق، مثل طريقة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور وهل ستكون بالانتخاب من الشعب مباشرة؟، أم بقرار من المجلس العسكري إلخ، في مقابل خطة واضحة المعالم قدمها المجلس العسكري بخطوات وتوقيتات محددة تنتهي بإجراء الانتخابات الرئاسية وترك السلطة في 30 يونيو 2012، وكانت هذه الخطة هي الأكثر منطقية، والتي تختصر موعد تسليم السلطة إلى حكم مدني، في مقابل مطالبات ليبرالية بمد فترة حكم المجلس العسكري لعامين حتى يتم الانتهاء من وضع الدستور (تصريحات الدكتور أسامة الغزالي حرب)، ومن هنا يمكننا فهم سبب تعلق الإسلاميين بتلك الخطة لحرصهم الشديد على سرعة خروج العسكر بطريقة ديمقراطية هادئة ومنظمة.
أعترف أن الإسلاميين بالغوا في ثقتهم بالمجلس العسكري، ونتج عن هذه الثقة المفرطة أخطاء أخرى أبرزها قبول الإعلان الدستوري بما حواه من حفر وقع فيها الإسلاميون أنفسهم لاحقًا، وأهمها المادة 28 التي تحصن قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، لكنني أريد أن أذكر الجميع أن وضع الإعلان الدستوري كان بهدف ترضية القوى الليبرالية بالأ ساس والتي رفضت التعديلات الدستورية بحجة أنها إحياء لدستور 1971 فأراد المجلس العسكري أن يطمئنها إلى إلغاء ذلك الدستور، وتبع ذلك بتنازل آخر لصالح القوى الليبرالية عن خارطة الطريقة المستفتى عليها تمثل في تأجيل انتخابات مجلس الشعب من شهر سبتمبر إلى آخر نوفمبر تلبية لرغبة القوى الشبابية التي طلبت منحها مهلة للاستعداد، وقد تعاملت القوى الإسلاميبة مع ذاك التأجيل بمرونة لتهدئة الأجواء الملتهبة في حينها.
تصاعدت حالة الفرقة بين قوى الثورة بعد الاستفتاء، حيث جنح الإسلاميون إلى المسار السياسي استعدادًا لإعادة تكوين مؤسسات الدولة عبر الانتخابات البرلمانية، وتبعهم في ذلك بعض القوى الليبرالية واليسارية التقليدية، في حين أصر شباب الائتلافات الثورية على البقاء في الميدان عبر سلسلة من التظاهرات والاعتصامات المتكررة، والتي بلغت ذروتها في أحداث محمد محمود حيث المحاولات المتكررة لاقتحام وزارة الداخلية، ثم الاعتصام أمام مجلس الوزراء وتكرار محاولات اقتحام وزارة الداخلية وهو ما تسبب في سقوط عدد كبير من الشهداء الجدد على أيدي رجال الشرطة المدنية والعسكرية، وهنا يأخذ هؤلاء الشباب على الإخوان تركهم نهبًا لرجال الشرطة يقتلونهم ويسحلونهم، وأشهد أن عددًا كبيرًا من شباب الإخوان كانوا معتصمين بميدان التحرير إبان أحداث محمد محمود التي بدأت 19 نوفمبر الماضي دون قرار رسمي من جماعتهم ودون اعتراض على ذلك أيضًا إذ كانت الجماعة منهمكة في الاستعدادات لانتخابات مجلس الشعب التي جرت بعد بضعة أيام، وكانت قيادة الجماعة حريصة على عدم الانجرار لما تصورت أنه فخ يستهدف وقف الانتخابات، وكنت أشاهد بعيني مظاهر الترحيب بشباب الإخوان في الميدان "أهلاً بشباب الإخوان اللي شرفوا الميدان"، لكن هؤلاء الشباب شأنهم شأن غالبية المعتصمين في ذلك الوقت لم يتورطوا في محاولات اقتحام وزارة الداخلية، كما أنهم انصرفوا من الميدان بسبب الإهانات التي تعرضوا لها لاحقًا.
كان الانقسام الأكبر في الذكرى الأولى لثورة 25 يناير حيث رأى البعض أن من الضروري الاحتفاء بما تحقق والتأكيد على ما تبقى من مطالب بهدف بث روح التفاؤل لدى الشعب، بينما رأى فريق آخر أن الثورة لا تزال مستمرة وأن دماء الشهداء لم تجف ولم يتم القصاص من القتلة وبالتالي فلا مجال للاحتفال، ووصل الأمر ببعض شباب الثورة إلى حد الاعتداء على زملائهم من شباب الإخوان الذين احتملوا تلك الإهانات، ولم يردوا عليها.
إذا كان الإسلاميون مطالبين بالاعتذار عن ثقتهم المفرطة بالمجلس العسكري التي دفعتهم لاحقًا لقبول أمور ما كان ينبغي القبول بها، فإن شباب الائتلافات الثورية مطالبون بالاعتذار عن تهورهم في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وحرق المجمع العلمي التي دفعت قطاعًا كبيرًا من الشعب للكفر بالثورة ورجالها، ولكن الوقت ليس وقت اعتذارات إنما هو وقت عمل وتوحد حول بقية مطالب الثورة، وأهمها نقل السلطة إلى حكم مدني حقيقي، وحينها يحق للجميع التنافس لتعظيم دوره في هذا الحكم المدني.