إن مصرنا الحبيبة مقبلة على مرحلة سياسية لم تشهدها البلاد من قبل إلا شهودًا شكليًّا في عمليات مماثلة انتابها كثير من الزيف والتضليل، وما أعنيه هنا هي الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في نهاية الشهر المقبل تمهيدًا لتسليم البلاد لسلطة مدنية منتخبة من قبل الشعب، ولن أخوض في كثير من المشاهد التي تخللت هذه العملية بدءًا من تزايد أعداد المتقدمين للترشح وكأنهم ذاهبون لنزهة خلوية، مضيًّا بالانقسامات التي ظهرت جليًّا في صفوف كنا نعتقد أنها لن تشق عصا الطاعة أو تحاول الفرقة من أجل مغنم وإن عظم فهو دنيوي، وصولاً إلى قرارات استبعاد لأناس رأت لجنة الانتخابات الرئاسية أن هناك ما يشوب موقفهم، وإنما سأقف عند المواصفات التي نتغياها في الحاكم المقبل من منطلق القرآن والسنة وكتابات أئمة الفقه الإسلامي وهي عديدة:
أولاها- القوة:
وهي صفة لازمة لكل حاكم بل لكل مسئول لكنها قوة في الحق لا في البطش أو الظلم وما عنت القوة يومًا أن يزج الحاكم بمعارضيه في غياهب السجون والمعتقلات لكنها تعني إيصال الحق لمستحقيه وأخذه من غاصبيه، ويكفي أنها صفة وصف بها المولى سبحانه أمين وحيه جبريل عليه السلام فقال سبحانه (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)) (التكوير)، ووصف بها الكليم موسى عليه السلام كما قال المولى سبحانه (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية 26)، ووصف بها ملك مؤمن جاب البلاد وحكم العباد وهو ذو القرنين كما حكى المولى سبحانه (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)) (الكهف)، وليست القوة قاصرة على الإنس فحسب بل إن الجن أيضًا زكى نفسه بها كما حكى المولى سبحانه على لسان عفريت من الجن فقال (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية 39).
ثانيها- الأمانة:
فالقوة لا بد أن تتبع بالأمانة والحكم مسئولية عظيمة، وإنه يوم القيامة خزي وندامة إلا من قام بحقه وأدى الذي عليه فيه، ويوصي رسول الله عبد الرحمن بن سمرة قائلاً له: "لا تطلب الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها"، وتتجلى الأمانة في سلوك النبي المصطفى قبل الهجرة لما أبقى عليًّا ليرد الأمانات إلى أهلها وقد يسأل سائل أي أمانات تلك فنقول إنها أمانات المشركين التي أودعوها النبي الكريم، وأنه لتناقض بين أفعالهم تجاه الدعوة والمسلمين الأوائل وبين إيداعهم الأمانات لسيدنا المصطفى، لكنهم ما وجدوا أمينًا يودعونه أماناتهم إلا نبي الله محمدًا.
والفاروق عمر بن الخطاب يتلمس الأمانة في سلوك النبي المعلم ويترجمها واقعًا لما جاءته ابنته أم المؤمنين حفصة لما وصلت إلى المدينة بعض أموال الأقاليم فتقول له (أين حق أقاربك في هذا المال يا أمير المؤمنين فقد أوصى الله بالأقربين)، فيقول لها: (يا بنية حق أقاربي في مالي، أما هذا فمال المسلمين قومي إلى بيتك)، ولم لا وقد رأى قدوته المصطفى يقول لأحب الناس إليه لابنته فاطمة: "لا يا فاطمة إن في المسلمين من هو أحوج منك لهذا المال"، ثم يحرمها ويعطي سواها.
ثالثها- تقبل النقد والمعارضة:
وهذا المبدأ له أصل في القرآن والسنة حتى تستقيم موازين الأمور لدى الحاكم والمحكوم لكن لا يعني هذا أن النقد يكون كلأً مباحًا يرعاه كل غضبان ويقتات به كل مقتات، بل إن للنقد مبادئ وضوابط حتى لا يفهم على أنه رعاية للخطأ وإعطاؤه حق الحياة.
والله قد عاتب نبيه في مواضع متعددة، مؤكدًا هذا الحق وسجل العتاب في الوحي الإلهي الخالد كما جاء من عتاب للنبي الإنسان لما همّ أن يحكم على يهودي في بداية الدعوة حتى لا تتزعزع عقائد المسلمين فعوتب في قوله سبحانه (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (105)) (النساء)، وعاتبه أيضًا في أسرى بدر لما قال سبحانه (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)) (الأنفال).
وجاء في سبب نزولها "أن رسول الله قال لأبي بكر وعمر (ما ترون في هؤلاء الأسارى)، فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم الله للإسلام، فقال رسول الله: "ما ترى يا بن الخطاب"، قال: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن علي من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم، فلما كان من الغد نزلت هذه الآية".
وكذا عوتب النبي المصطفى لما هم بالصلاة على زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول فنزل قوله سبحانه (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)) (التوبة).
والصديق رضوان الله عليه يؤكد وجوب هذا المبدأ لما تولى حكم المسلمين فيقول في اللحظات الأولى من توليه (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، ألا أن الضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ الحق له ألا وإن القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيتهما فلا طاعة لي عليكم). وهو بهذا يؤسس العقد الاجتماعي بين الحكم والمحكومين سابقًا بهذا التأسيس مفكري الغرب ومؤرخيه.
رابعها- العلم:
وهو مناط التفضيل الإنساني الأول به فضل الله آدم على الملائكة قال سبحانه (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) (البقرة).
والمعرفة الإنسانية لها مصدران أساسيان: أولهما العلم الوهبي الذي وهبه المولى سبحانه آدم عليه السلام، وثانيهما الوحي الإلهي.
وبالعلم امتن الله على نبييه الكريمين داود وسليمان عليهما السلام فقال سبحانه (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) (النمل: من الآية 15)، والعلم لا بد له من معلم لذا زكى الله معلم نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام فقال سبحانه (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)) (النجم)، وأكدها على لسان نبيه سليمان عليه السلام لما قال سبحانه (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ) (النمل: من الآية 16)، وهي صفة طلب بها يوسف عليه السلام الولاية في مصر لما قال سبحانه (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف)، وأثبت الله خشية العلماء من ذاته وجلاله فقال سبحانه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: من الآية 28).
خامسها- حسن اختيار الحاشية:
وهي صفة أصيلة في الحاكم إذ بدونها تسوء أمور البلاد والعباد وقد رأينا ما أحدثته الحاشية الفاسدة التي أحاطت بالمخلوع مبارك من مفاسد ومباذل ستظل آثارها عالقة في الوعي المصري إلى أمد بعيد.
وقد فطن سيدنا عمر بن عبد العزيز إلى مفاسد الحاشية لذا حددها في مواصفات خمسة أسوقها للحاكم المقبل عله أن يجد فيه قاعدة وأساسًا لاختيار حاشيته.
1- يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها.
2- يعيننا على الخير بجهده.
3- يدلنا إلى الخير الذي لا نهتدي إليه.
4- لا يغتابن أحد عندنا.
5- لا يعرضن لما ليس له.
سادسها- العدل:
فلا تستقيم أمور البلاد إلا به وتحدث عنه المولى في القرآن جملةً وتفصيلاً في آيات متعددات.. أما الإجمال ففي قوله سبحانه (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) (النحل: من الآية 90).. وتحدث عنه تفصيلاً في أمور متعددة منها الأمور الاجتماعية كما في قوله سبحانه (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: من الآية 3)، وكذا في شئون الإثبات في أطول آية في القرآن وهي آية الدين (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) (البقرة: من الآية 282)، وقبح الظلم وبشعه في القرآن الخالد كما في قوله سبحانه (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام: من الآية 21).
ويؤكد الخليفة الثاني سيدنا عمر أهمية العدل حتى مع أقرب الناس إليه مخافة المظنة والشبهة، لما كان يتفقد الأسواق فوجد إبلاً سمانًا لم يعهد مثلها من قبل فيسأل عن صاحبها فقيل له إنها لعبد الله بن عمر فيدعى للمثول أمام أبيه ليقدم كشف حساب عنها، وهو الصادق فيما يقول بل إنه أكثر الصحابة اقتداءً بالنبي المصطفى فيقول له أبوه: بم اشتريت هذه الإبل يا عبد الله، فيقول له: بمالي وبعثتها للحمى كبقية المسلمين، فيقول له: والناس يقولون عندما يرونها إبل ابن أمير المؤمنين تابعوها، أطعموها، سمنوها، ثم يُصدر أوامره إليه قائلاً له: يا عبد الله خذ ما اشتريت به من رأس مالك، ودع الباقي في بيت مال المسلمين، ويزداد الموقف جمالاً بهذه الأبيات التي يقول فيها قائلها:
وما وقى ابنك عبد الله أينقه لما اطلعت عليها في مراعيها
رأيتها في حماه وهي سارحة مثل القصور قد اهتزَّت أعاليها
فقلت ما كان عبد الله يشبعها لو لم يكن ولدي وما كان يسقيها
قد استعان بجاهي في تجارته وبات باسم أبي حفص ينميها
ردوا النياق لبيت المال أن له حق الزيادة فيها قبل شاريها
----------------------