وكأن شيئًا لم يكن... دماء الأبرياء الذين قتلهم من أجل الحفاظ على صداقته مع العدو الأول لمصر خاصة وللعالم العربي ما زالت آثارها في يده، وأرواحهم في رقبته، وبالرغم من ذلك ما زال حرًّا طليقًا ينعم بحياته، ولم يقدم للمحاكمة لمحاسبته على صندوقه الأسود الممتلئ عن آخره بالفساد، والذي أضاف له التوكيلات المزورة التي جمعها ليكمل إنتاج الفيلم الروائي من أجل إقصاء الإسلاميين من السباق الرئاسي ثم بعد ذلك يتم استبعاده ويقدم أصدقاءه من الفلول ويفوزون مرة أخرى بكرسي حكم بلد أم الدنيا.
(إخوان أون لاين) زار قرية "إكياد" مركز "فاقوس" محافظة "الشرقية" مسقط رأس البطل سليمان خاطر أحد أبرز ضحايا الرئيس المخلوع ونائبه الجنرال عمر سليمان والتقى أهله وجيرانه ونقل مشاعرهم ومطالبهم بمحاكمته..
قصة شهيد
سيظل التاريخ يذكر ويردد أن مبارك وجهاز مخابراته العسكرية قد كافأ الشهيد باغتياله وقدمه هدية للموساد الصهيوني في 6 يناير 1986 لدفاعه عن وطنه وحدوده وتطبيقه للقانون وعدم خضوعه لأي تهديدات.
بدأت قصة الشهيد يوم 5 أكتوبر 1985م؛ حيث كان سليمان خاطر في موقعه بالنقطة 46 التي أوكل إلى رجالها تأمين حدود مصر من ناحية خليج العقبة، ومراقبة المياه الإقليمية والشاطئ، والطريق الممتدّ من طابا إلى شرم الشيخ، مرورًا بنويبع، المزودة بوسائل اتصال القطاعات.
هذه المنطقة "جبلية صخريّة شديدة الوعورة" وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يخلط بينها وبين المناطق السياحية ليبرّر تواجد الصهاينة فيها كما وصفتها تحقيقات النيابة.
وفي أثناء خدمة الشهيد سليمان خاطر حاول مجموعة من الصهاينة اقتحام النقطة محل خدمته، فحذرهم مرارًا فلم يستجيبوا له، فما كان منه إلا أن أطلق رصاصات من سلاحه صوبهم فقتل منهم 7 وجرح اثنين.
ثار الصهاينة لهول الحادث وثار معهم الرئيس المخلوع ورجاله الأوفياء للصهاينة، فاتهموا الجندي البطل بالجنون، وحولوه إلى محكمة عسكرية ليحاكموه على حماية حدود بلاده ورفضه أن تكون مرتعًا للصهاينة الذين احتلوا البلاد وأراقوا دماء الآلاف من أبناء الشعب المصري وقتلوا أسراه في عام 1967، فما كان منه- رحمه الله- إلا أن قال: "أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه .. إنه قضاء الله وقدره، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدي آثار سيئة علي زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم".
وفي تاريخ يوم 22 ديسمبر 1985 أصدرت المحكمة العسكرية حكمها بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة عليه، بعد النطق بالحكم صاح قائلاً: "إن هذا الحكم، هو حكم ضد مصر، لأن جنديًّا مصريًّا أدى واجبه"، ثم التفت إلى الجنود الذين يحرسونه قائلاً: "روحوا واحرسوا سينا، سليمان مش عايز حراسة، سليمان مات"، ولم يرض الكيان هذا الحكم حتى حكم عليه النظام بالإعدام بدون حكم قضاء.
قرية ثائرة
26 عامًا منذ رحيل البطل الشهيد وقريته ما زالت تصر على الأخذ بالثأر لدم الشهيد ممن تسببوا في مقتله، وما أن اندلعت الثورة التي قضت على رأس الفساد والتطبيع، حتى شعرت حينها عائلة وقريته أنها أثلجت صدورهم وأن دم ابنهم لم يذهب هدرًا، ولكن عندما وجدوا المتسببين في اغتياله ما زالوا ينعمون بحياتهم ولم تتم محاكمتهم وخاصة "مبارك الثاني" عمر سليمان طالبوا بتقديمه للمحاكمة.
![]() |
|
عبد المنعم خاطر "شقيق الشهيد" |
عبد المنعم محمد عبد الحميد خاطر "شقيق الشهيد سليمان خاطر" يعود بالذاكرة للوراء ويتذكر لحظات اغتيال أخيه الأصغر ويقول إن عمر سليمان هو المتهم الثالث والمتسبب في قتل أخيه بعد مبارك، بسبب علاقته غير الشرعية بالكيان الصهيوني والسعي دائمًا لإرضائه حتى ولو كان على حساب تراب الوطن والوطنية، موضحًا أن سليمان خاطر كان عسكري مخابرات عسكرية التي كان يشرف عليها عمر سليمان، وليس "أمن مركزي" كما يقال، مشيرًا إلى أنه تم تقديمه لمحاكمة عسكرية وليست مدنية لهذا السبب.
ويضيف أن الشهيد كان ينتوي السفر إلى الكويت معه بعد الانتهاء من دراسته؛ ولكنه ارتضى أن يظل ليخدم وطنه ويدافع عنه بدلاً من السفر للخارج، وهذا الأمر جعله يحصل على رتبة رقيب وهو في سن صغيرة، وهو ما يدل على كفاءته وولائه وحبه وغيرته على وطنه.
ويؤكد أنه بعد قتل أخيه على أيدي النظام الفاسد وبمباركة الصهاينة قام برفع دعوى قضائية سنة 1986 على رأس النظام واتهامه بقتله، وحكم في هذه القضية بالسجن لمدة 3 أشهر على المتهم الأول.
ويتابع: "بعدها تم استدعائي إلى جهاز أمن الدولة وإرغامي على التنازل، وإجباري على التوقيع على تعهد بعدم رفع الدعوى مرة أخرى، لأنه لا يصح أن يرفع دعوى وأشتكي السيادة العليا حفاظًا على عائلتي وأولادي".
ويؤكد أن الشهيد كان عنده أمل بإصدار العفو عنه ومكافأته، مشيرًا إلى خاطر أمسك يده بقوة، وقال لي: " كلها 3 سنوات والرجل الكبير هيطلعني من القضية".
ويضيف أن المخلوع مبارك قام بزيارة إلى الشرقية وتعتبر هي الزيارة الأولى له أثناء محاكمة سليمان خاطر وقال إنه مجنون وبعد اغتياله صرح بأن من قتل سليمان هي المعارضة، نحن قلنا إنه مجنون وهم قالوا إنه عاقل.
ويطالب بسرعة محاكمة الجنرال عمر سليمان، لأنه كان نائبًا للمخلوع ودم الشهيد سليمان خاطر وغيره من الأبرياء ما زالوا في يده، فضلاً عن رغبة النظام السابق في تفويت الفرصة على المصريين في القصاص من مبارك بإخراجه هو وعائلته من السجن، بجانب امتلاء جعبته بالكثير من الأسرار الداخلية والخارجية.
أول ثورة
ويوضح الدكتور عبده على خاطر "ابن عم الشهيد" أنه بعد مقتل سليمان، خرجت أول ثورة وطالبت بإسقاط مبارك من قرية الشهيد، وبعدها تم حصار القرية وعزلها تمامًا ومنع دخول الصحفيين، حتى لا ينقل غضب القرية ويثيروا الرأي العام، موضحًا أن العائلة والقرية جميعًا دفعوا ضريبة شجاعة ابنهم وتم حرمانهم من دخول كليات الشرطة والحربية، فضلاً عن منعهم من التعيينات الحكومية لدواعٍ أمنية كما يقولون، ولجأ كل فرد منا لإنشاء مشروعات خاصة ليعيش هو وذووه لأنهم أقارب البطل الذي قهر الأعداء.
![]() |
|
الدكتور عبده علي خاطر "ابن عم الشهيد" |
ويبين أنه من المترقب أن يتم عمل اجتماع لعائلة خاطر على مستوى القطر كله في مدينة دسوق لاختيار المرشح الذي ستدعمه العائلة وسيتم عزل أي مرشح كان مواليًا للنظام السابق من قائمة ترشيحات العائلة، وسيتم اختيار من عارض النظام في الوقت الذي كثر فيه النفاق وكسب ود النظام.
وبلهجة يملؤها الحزن والأسى يكشف أنهم حتى الآن لم يتمكنوا من استخراج شهادة وفاة للشهيد، وتم محو بياناته من السجلات ولا يوجد بحوزتهم سوى تصريح دفن، ولم تمكنهم الثورة أيضًا من استخراجها، قائلاً "26 عامًا نطالب بشهادة الوفاة لبطل مصر سليمان خاطر، والنظام يمتنع".
قانون إعدام الأبطال
ويوضح أحمد العوضي، الشهير "بأبو عاصم" زوج شقيقة الشهيد أن عمر سليمان داس على شهداء وأبطال أكتوبر؛ حيث قتل سليمان حيًّا وميتًا بحرمانه من حقوقه كشهيد وكرجل وطني دافع عن تراب الوطن حتى أطلق عليه النظام أنه مجنون.
ويوضح أن عمر سليمان قتل أبطال أكتوبر أحياء بتطبيقه القانون رقم 132 لسنة 1981 الذي فرغ الجيش من أبطال أكتوبر، مؤكدًا أنه من كان وراء تطبيقه بعد إبرام معاهدة السلام وهو "عدم الرغبة في التجديد"، وبموجبه تم وصم أبطال أكتوبر بالخونة، فضلاً عن حرمانهم من التجديد لهم في القوات المسلحة، بالإضافة إلى حرمانهم من حقوقهم المادية كنوع من المكافأة على بطولتهم وشجاعتهم في الحرب.
ويضيف قائلاً "كنت أفتخر بعسكريتي واليوم لا أطيق بطاقتي والكارنيه، ولا يتشرف لي أن أعلن أني أحد أفراد سلاح المدرعات في الجيش، بعدما تم إضاعة حقوق أبطال أكتوبر بسبب اتفاقية مشبوهة، وعلى رأس هؤلاء الأبطال محمد عطية الجيزاوي مساعد أول الذي تعلمنا منه معنى الوطنية وحب الوطن".
ويبين أن سليمان خاطر أدى خدمته في الجيش على أكمل وجه، مثلما تريد العسكرية المصرية، وفي حالة اقتحام أي فرد للموقع الذي يقوم بحراسته حتى لو مكان مصريًّا لا بد أن يطلق عليه النار، وسليمان طبق القانون بالضبط ولم يحاكم بموجب قانون؛ ولكنه تمت محاكمته بموجب اتفاقية، والقانون كان سيعطيه نجمة سيناء، ولكنهم كافئوه بالإعدام.
ويشير إلى أن أحد الشهود العيان على مقتل سليمان قال إنه كان في خدمة متأخرة من الساعة الرابعة فجرًا حتى الساعة السادسة، فدخل علينا مندوب من رئاسة الجمهورية وآخر من وزارة الدفاع وواحد من الموساد الصهيوني وتم تفريغ الدور بأكمله وبعدها بساعات تم الإعلان عن انتحار سليمان.
وبعد أن أنهينا حديثنا معه فوجئنا به يتصل هاتفيا بـ(محمد عطية الجيزاوي) أحد ضحايا عمر سليمان وهو من أبطال أكتوبر ويسكن مدينة "بلبيس" بمحافظة الشرقية الذي أكد أنه لاقى العديد من أشكال الظلم من القوات المسلحة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتم حرمانه من حقوقه بفضل قانون منع التجديد الذي أشرف الصهاينة على إصداره مع عميلهم عمر سليمان، قائلاً: "كنت متشوقًا وقتها للحياة المدنية وتم خروجي على المعاش باستقالة".
ويشير إلى أنه تربى على أن الكيان الصهيوني هو العدو الأول، وكانت النتيجة أن خرج من الجيش باستقالة وحرم من جميع حقوقه حتى الحق في استصدار بطاقة علاجية لتلقي العلاج.
ويبين أن مصر كلها كانت تسير على نظام خاطئ والصغير كان يأكل الكبير، ونحن الذين حملنا الدولة على أكتافنا.
الرجل الثاني للنظام
ويصف المهندس حسيني ناصف "صديق الشهيد" شخصية سليمان خاطر بأنها شخصية وطنية بسيطة وكان محبوبًا من أهل القرية، ودائمًا كان يشتكي من اليهود ومحاولتهم لاقتحام نقاط الحدود وبعض الأماكن الخاصة بالاستطلاع.
ويشدد على ضرورة تقديم عمر سليمان لمحاكمة سريعة، لأنه من أعمدة النظام السابق والمسئول عن تخريب مصر سياسيًّا واقتصاديًّا حتى أصبحت مصر لا تلعب دورها، وساهمت في حصار غزة وضرب العراق وفصل جنوب السودان في هذا العصر الأسود الذي يتكرر في تاريخ مصر.
ويضيف أن دور نائب المخلوع لا يقل عن دور مبارك ونحن لدينا ثأر عند مبارك وسليمان، أما الجيش فهو جيش وطني وسليمان خاطر أحد أفراده عاش ومات فيه من أجل مصر.
النظام عدو الوطنية
ومن جانبه يوضح أحمد حجاج معلم "الشهيد" أن خاطر كان مثالاً للمسلم الفاهم الخلوق الذي يحمل الخير للجميع، وكان شابًّا صوامًا قوامًا وعلاقته وصلته بالله عز وجل قوية.
ويبين أنه كان يتوقع استشهاد تلميذه بمجرد العلم بالواقعة التي قام بها وهي الدفاع عن موقعه المكلف بحراسته، وعندما تردد أن سليمان دافع بحسن دفاع أيقن أنه لم يعد له حظ في الحياة لعلمه بطبيعة الحكم وأصل النظام الذي لا يحب الوطنية والمتجرد من كل أنواع الخير.
ويتهم اللواء عمر سليمان بقتل خاطر، متعجبًا من تبجح النظام الذي قامت الثورة ضده وهو يبدأ في تجديد نفسه وحياته مرة أخرى ممثلاً في عمر سليمان رئيس المخابرات العسكرية السابق.
ويتساءل: كيف جرؤ نائب المخلوع وهو رئيس المخابرات والمسئول الأول عن ملفات الفساد، فضلاً عن حضوره ومباركته اتفاقية الغاز للكيان الصهيوني، بالإضافة إلى مسئولية المسئولية الكاملة عن كل المصائب المستوردة من الحكومة الصهيونية، ومساندتها لها في تشديد الحصار على قطاع غزة والبعد الإستراتيجي الشرقي لمصر، مبينًا أن استبعاد سليمان من قائمة المرشحين هي الخطوة الأولى لبداية مشواره إلى طره ليلحق بأنصاره من أعمدة الفساد.
ويعلن محمد أمين أحد أبناء القرية رفضه ترشيح عمر سليمان لأنه من أزلام النظام السابق، ولو كان الشعب المصري سيتقبله رئيسًا جديدًا لمصر خلفًا لسيده وولي نعمه مبارك، كان قد ارتضى به في البداية ولم يطالب بإسقاطه مع النظام.
ويضيف أن عمر سليمان هو الذراع السياسية الداعمة لمشروع التوريث لابن المخلوع، فضلاً عن مشاركته في قتل الشباب والأطفال في غزة، مؤكدًا أنه يتبنى مشروعًا لتوعية الناس بحقيقة عمر سليمان، لأن الغالبية لا تعلم حقيقته، خاصة أن كل ما يردده الإعلام كلام مغلوط ليس له أساس من الصحة.
أعمدة الاستبداد
ويقاطعه الشيخ محمد حامد "إمام مسجد الإمام بفاقوس" قائلاً: "عمر سليمان أحد أعمدة النظام الذي أذل الشعب وأهانه ومحا كرامته بين الدول"، مبينًا أن النظام كان يعتمد على عمودين يرتكز عليهما ليستمر ويقوى ويزداد في استبداده وقمعه، وهما جهاز أمن الدولة، والمخابرات العامة، وهو كان من رجال مبارك المشهورين وعن طريقه تم إذلال الشعب.
ويقول سليم خالد إن عمر سليمان يدعي أنه كان يعلم كل شيء عن الشعب المصري وينقلها بتفاصيلها للرئاسة، فإذن هو شريك له في تجويع الشعب وإذلاله، فضلاً عن دوره الواضح في إبرام الاتفاقيات المشبوه مع العدو الصهيوني، وما قاله ميلس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي "إن المتسبب في مشكلة النيرو هو عمر سليمان".

