فقدت دعوة الإخوان المسلمين علمًا من أعلامها، وقيادةً من أبرز قياداتها ومجاهدًا من كبار مجاهديها.. الحاج سعد لاشين.
لقد كان يرحمه الله مثالاً للمجاهد الحقيقي لنصرة الإسلام ودعوته ومحققًا لقيمه ومبادئه بصورة عملية في شخصه وأعماله، مؤْثرًا العمل على الكلام والمشقة على الدعة والبذل على الشح والجد على الهزل صادقًا ووفيًا لبيعته وعهده مع الله، بالرغم ما مرَّ به سجن لعشرات السنين وتعذيب وتنكيل تنوء به الجبال الشم، صادعًا بالحق في وجه الظالمين والطغاة، عُمريًّا في نصرة الحق وأهله، حريصًا على دعوته مضحيًا في سبيلها بالنفس والنفيس.
إنني لا أتحدث عن نموذج من نسج الخيال أو مجاملة لفقيد حبيب على القلب، ولكنه واقع أقرره وشهادة لله بما علمت وشهدت لسنوات عديدة؛ فمنذ تعرفت عليه- يرحمه الله- في منتصف الثمانينيات عقب عودته من الخارج، وهو هذا النموذج الفريد وأكثر مما لا أعلمه؛ فلقد كان يرحمه الله:
شجاعًا في الحق.. ناصرًا له ولأهله لا يخشى في الله لومة لائم، وقد كان في مواجهاته لأركان النظام السابق وبخاصة ضباط أمن الدولة مثالاً في القوة والصلابة والثبات على مبادئه ووضعهم في وضعهم الطبيعي كظالمين ومتجبرين لا كأصحاب حق، ولا حماة وطن. ولقد لقبه إخوانه في السجون بأسد الشرقية لثباته وشجاعته في مواجهة كافة ألوان التعذيب وعدم إفشائه لأي معلومة لديه.
مجاهدًا عظيمًا.. بنفسه وماله ووقته وعلمه باذلاً لهم ومضحيًا بهم في سبيل نصرة دين الله وإعلاء راية دعوته. صابرًا محتسبًا.. لكل ما لاقاه من تعذيب وسجن واضطهاد فلم تلن له قناة، ولم تفتر له عزيمة، ولم تضعف له همة من كثرة ما لاقى من صنوف الاضطهاد على يد النظم السابقة.
كريمًا باذلاً ماله.. مسخرًا لما رزقه الله وفتح به عليه لنشر دعوته ودينه وإعانة المحتاجين ومكرمًا لضيوفه وخدمتهم بنفسه رغم كبر سنه ومكانته وقدره.
بسيطًا في تعامله.. مع كل الناس كبيرًا وصغيرًا جنديًّا وقائدًا، محترمًا للجميع غير متكلف ولا متعنت، وكثيرًا ما كان يردد "إخواننا: نمرض فنعودكم وتخطئون فنعتذر لكم".
منتجًا.. مؤثرًا للإنجاز والنتائج على الضجيج والصخب، فلم يكن متحدثًا لبقًا أو مفوهًا يأسر القلوب بسحر بيانه وعذب حديثه، ولكنه كان يفعل كل ذلك بأفعاله وأعماله. فقد حول الصمت والإشارة والكلمة أو الكلمتين إلى أبلغ الحديث وأعمق الأثر.
معتزًا بدعوته.. مفاخرًا بها معلنًا انتماءه لها صادعًا به في وجه الظالمين، وكانت من أقواله المأثورة "دعوة الإخوان دعوة عالمية علنية مشرفة"، وردًّا على من يقول إن الجماعة غير موجودة قانونًا" الدعوة قائمة، وشرعيتها من الله ثم من الشعب الذي أيدها"، وكان من أوائل من أعلن هويته الإخوانية كمسئول لإخوان الشرقية، وكان يطلب منا كإخوان إعلان هويتنا، والفخر بها وبخاصة في وجه أباطرة جهاز أمن الدولة.
دافعًا بالشباب لأوائل الصفوف.. لقد كان- يرحمه الله- من أوائل من اهتم بإعطاء الفرصة الكاملة للشباب في قيادة العمل الدعوي، وتقديمهم ودعمهم ورعايتهم والاعتماد عليهم، فتخرج على يديه العديد من القيادات الدعوية الفريدة التي تفخر بهم بلادهم ودعوتهم. مربيًا لهم ليكونوا رجالاً منتجين مخلصين لربهم.
عزيزًا أبيًا.. يأبى الذل والهوان والانكسار والإهانة، وكل من رأه في المعتقلات والسجون أو في التعامل مع أركان النظام السابق كان يرى ذلك بجلاء، كما كان يوصينا بعدم إعطاء الدنية أو إخفاء الهوية أثناء الاعتقالات وفي أحلك الظروف وأقساها.
إلفًا مالوفًا.. خلوقًا في كافة تعاملاته مرددًا دائمًا "دعوتنا ذوق"، لم يعقه مرض أو تقدم في العمر أو مكانة دعوية أو اجتماعية في التواصل مع إخوانه، ولا أنسى في أول عيد لي في مصر بعد عودتي من العمل بالسعودية بمكالمته الهاتفية لتهنئتي بالعيد.
لقد أقر الله عينه بعد رحلة طويلة من الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والثبات والتجرد والأخوة والطاعة والثقة، برؤية سقوط النظام الفاسد المفسد ورموزه وبداية تحقق المشروع الإسلامي الذي ضحى من أجله وتحمل الكثير في سبيله هو ومن سبقه ومن لحق به ومن تربى على يديه.
فنم قرير العين أستاذنا ومعلمنا، فلقد أديت الأمانة وقمت بالواجب بعزيمة الرجال، وجهاد الأبطال، وصبر الأنبياء غير مبدل ولا مفرط، هذا ما علمنا وما شهدنا ونحن على ثقة بأن ما بينك وبين الله أكبر وأعظم. جعل الله كل ما بذلت وضحيت وصبرت في ميزان حسناتك، ونحسبك والله حسيبك ولا نزكي على الله أحدًا من الصنف الذين قال فيهم رب العزة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) (الأحزاب).