تعد الحرية أغلى ما منحه الله سبحانه وتعالى للإنسان بعد الحياة, وبدون هذه الحرية تذل إنسانيته, ويكبل ويقيد سلوكه وحركته بغير مبرر مقبول, ومن ثم فإذا كانت الحرية هبةً من الله  سبحانه وتعالى لكل شيء, لم يسهم في خلقها أو منحها أحد سواه, فإنه ينبغي القول إنها قانون الله سبحانه وتعالى الذي لا يجوز المساس بها وينبغي احترامها وتقديسها من المشرع الدستوري والمشرع العادي.

 

ولقد تزايدت أهمية حقوق الإنسان وحرياته؛ نتيجة لتزايد الصراعات بين السلطة المستبدة ورغبة الإنسان في الحرية.

 

وإذا كانت حقوق الإنسان وحرياته العامة مقررة في المواثيق الدولية والدساتير العالمية خاصة في الدول الديمقراطية, إلا أن هذه الحقوق والحريات العامة مهدرة في دول العالم الثالث، ومنها مصرنا الحبيبة التي خضعت للاستبداد والظلم عقودًا طويلة, سيطر فيها النظام الديكتاتوري من خلال انتخابات مزيفة وقوانين استثنائية، بل وصل الانحراف بالدستور بتقنين وتحصين جميع التشريعات والقرارات, واستمر الحكم بقانون الطوارئ والتنكيل بالمعارضة السياسية السلمية من خلال الاعتقالات والمحاكمات الاستثنائية والعسكرية والتي كان منها محاكمات الإخوان أعوام 1995 و1996 و1999 و2001 وأخطرها محاكمة عام 2008 والتي شملت العشرات من قيادات الإخوان، في مقدمتهم نائب المرشد المهندس خيرت الشاطر.

 

أدانت المحكمة العسكرية حوالي 25 من قيادات الإخوان وتراوحت العقوبات بين سبع سنوات وثلاث سنوات، ووصف بعض المراقبين هذه المحاكمة بأنه رسالة من النظام الديكتاتوري الحاكم إلى الإخوان وغيرهم من الوطنيين الشرفاء بأن الطريق إلى الديمقراطية مسدود, وسبق هذه المحاكمات تعديلات دستورية عامي 2005 و2007 كانت تهدف إلى استمرار الاستبداد وتوريث السلطة, وامتد الاعتداء على السلطة القضائية وعلى أعلى محكمة في مصر وهي المحكمة الدستورية العليا, بأن خالف العرف المستقر منذ عام 1968 والذي تواتر على تعيين أقدم الأعضاء سنًّا رئيسًا للمحكمة, وعرفت مصر قممًا شامخة منهم- وعلى سبيل المثال- القاضي الفقيه والعالم الجليل المرحوم الدكتور عوض المر، والذي تصدى لكثير من الانحرافات التشريعية للنظام المستبد, فقام الديكتاتور بتعيين رؤساء للمحكمة من خارجها, فالمستشار فتحي نجيب, وممدوح مرعي, وماهر عبد الواحد, وفاروق سلطان, جميعهم مستشارون من خارج المحكمة الدستورية العليا, كما تم دخول عدد من المستشارين الأعضاء في لجنة الانتخابات الرئاسية عام 2005 إلى المحكمة الدستورية العليا.

 

وفي هذه الأثناء تم تزوير الانتخابات المحلية عام 2008 بعد إلغاء الإشراف القضائي على اللجان الفرعية, وتم تزوير انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى 2007 و2010 ووصل التزييف والتزوير ذروته بانتخابات مجلس الشعب 2010 وسقطت الشرعية الدستورية والسياسية للنظام الديكتاتوري بهذه الانتخابات, وكانت ثورة 25 يناير التي قامت وأسقطت مبارك ونظامه المستبد واسترد الشعب سيادته من جديد وسقطت شرعية النظام بإسقاط دستور 1971 وحل السلطة التشريعية بمجلسيها الشعب والشورى وتغيير الحكومة وإصدار إعلان دستوري مؤقت.

 

ويعد من أهم مظاهر سقوط شرعية مبارك الزائفة ونظامه المستبد وقيام الشرعية الثورية انتصار الحرية ضد الاستبداد واسترداد المواطن المصري سيادته وحقوقه وحريته وأهمها حقوقه السياسية ترشحًا وانتخابًا, فهذه الحقوق وغيرها نصت عليها جميع المواثيق الدولية، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الخاصة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي صدقت عليها مصر عام 1982 وكما نصت عليها الدساتير العالمية, فهذه الحقوق دليل على نجاح الثورات في كل دول العالم الحديث, فالديمقراطية تقوم على حرية الانتخابات ترشحًا وانتخابًا، وكفالة الضمانات المقررة لهذه الحقوق السياسية تعد مبادئ دستورية عالمية، تسمو وتعلو على النصوص التشريعية أو القرارات والأحكام التي صدرت من محاكم عسكرية واستثنائية؛ كانت تهدف للتنكيل بالخصوم السياسيين, وهذا ما ذهبت إليه وأقرته المحكمة الدستورية العليا في أحكام عديدة منها حكمها الصادر في 19/5/1990 والذي جاء فيه: "... وأن حق الانتخاب والترشيح هما حقان متكاملان لا تقوم الحياة النيابية بدون أيهما ولا تتحقق للسيادة الشعبية أبعادها الكاملة إذا هما أفرغا من المضمون.....".

 

في ضوء ذلك كله هل يعقل أن يقال إن المهندس خيرت الشاطر يمكن استبعاده من قبل اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية نظرًا لوجود بعض الثغرات القانونية التي جاءت نتيجة محاكمات عسكرية ظالمة وجائرة استنادًا لنص يخالف كل المواثيق والمبادئ الدستورية العالمية وقواعد العدالة؟!!

 

وهل يمكن معاقبة الوطنيين الشرفاء مرتين؟!! الأولى قبل الثورة من نظام مستبد والثانية بعد الثورة استنادًا  لاستمرار شرعيته الزائفة, في الوقت الذي يحاكَم مبارك ومساعدوه أمام محاكم عادية ليست استثنائية أو عسكرية, بل يحاكم أمام قاضيه الطبيعي مع كفالة حقه الدستوري والقانوني في الدفاع والمحاكمة العادلة والمنصفة!.

 

وهل يمكن القول بأن شرعية مبارك الزائفة والتي كانت متمثلة في قضاء استثنائي صنع خصيصًا للتنكيل بالمواطنين الشرفاء ما زالت تتحكم وتمنعهم من مباشرة حقوقهم السياسية؟

 

إن القول بأن قرار العفو ورد الاعتبار صدر بطريقه خاطئة أو تخالف القانون والشرعية لهو قول باطل يخالف شرعية الثورة ويعدُّ اعتداءًا صارخًا على مكتسباتها ويتحمل مسئوليته وآثاره المجلس العسكري.

 

ويثور تساؤل أخير هنا عن موقف المجلس العسكري الذي يفترض أن يكون دوره محافظًا على مكتسبات الثورة وحمايته؛ فهل يقوم بهذا الدور فعلاً؟! وهل ترشح السيد عمر سليمان مدير المخابرات العامة ونائب مبارك السابق والفريق أحمد شفيق رئيس وزرائه السابق وغيرهم من قتلة الثوار يعد من مظاهر نجاح الثورة ويتفق مع الشرعية الدستورية والقانونية والسياسية للثورة؟؟!! وهل يعد ترشح المهندس خيرت الشاطر مخالفًا ويناقض هذه الشرعية؟!!

 

كلمتي الأخيرة للمجلس العسكري: إنه المسئول الأول والأخير عن هذه التناقضات والثغرات، وننبه أخيرًا إلى أن الثورة ما زالت مستمرة وستحقق أهدافها كاملةً غير منقوصة بإذن الله تعالى.

--------------

* دكتوراه في القانون الدستوري والنظم السياسية.