مسكينة حقًّا هي جماعة الإخوان المسلمين..
فطوال عقود طويلة فرض عليها الحظر والمنع والمطاردة والسجن والتشريد والمصادرة، وكل صور الإقصاء والتشويه والافتراء.. حتى قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وسقطت رموز الحكم المستبد الفاسد؛ ليتنفس هؤلاء الصعداء، ممنِّين النفس بفتح الأبواب والنوافذ لينشطوا ويعملوا، فإذا بهم منذ اللحظات الأولى يواجَهون بصور شتى من التشكيك.. فهم "ركبوا" الثورة، ولم يكونوا ممن ضحَّى لقيامها، حتى عندما أراد رمز من رموزهم القديمة (د. القرضاوي) أن ينعم بالمشاركة في يوم جمعة ويخطب كان لا بد أيضًا من النظر بعين الشك والريبة إلى هذا، بل ووصل الأمر إلى حدّ أنه يريد أن يكرر نموذج الخميني في عودته إلى إيران!.
ولا ننسى فتنة التعديلات الدستورية؛ حيث اجتمعت قوى عديدة لتشنَّ حربًا ضاريةً، حتى إن عددًا غير قليل من الناس صوَّتوا لها، لا لشيء إلا بسبب هذه الحملة؛ لأن رموزها معروفون بتوجهاتهم ومصالحهم.فلما جاءت الانتخابات وصوَّت الناس في معظمهم لصالح التيار الإسلامي، وفي المقدمة منه الإخوان المسلمون لم تهدأ الحرب، بل زادت اشتعالاً، وكان مغاويرهم الرافعون للواء الليبرالية التي تقوم على حق الإنسان في التعبير والاختيار هم طليعة الهجوم والتشكيك، وإن زيَّنوها بعبارة "نحن نحترم اختيارات الشعب"، ثم يعقبون على ذلك بمنهج: "... ولكن..."، لتنفتح "ماسورة" تشكيك وطعن وإثارة وغبار: وتتكاثر تساؤلات تفتح باب الفوضى والسخط: لم؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا لو؟ وغيرها من صور التساؤل التي وظيفتها الأصلية أن تفتح الباب إلى مزيد من المعرفة، لكنها فتحت على أيدي المشككين الباب لمزيد من البلبلة، فيعيد هؤلاء مشهد جماعة السفسطائيين في أثينا القديمة.
وربما يمكن لي اليوم أن أقول إنه يبدو أن كوني لم أكن عضوًا في الجماعة في أي فترة من الفترات يتيح لي الفرصة اليوم أن أنظر بغير عين رضا إلى ما يجري اليوم على الساحة السياسية من تراشق وبلبلة، دون خشية اتهام بارتباطي بالجماعة، وإن كنت لم أخفِ يومًا تعاطفي مع المرجعية، وحماسي في الدفاع عنهم طوال سنوات المحنة؛ حيث لم يرتفع قلم واحد من هذا المعسكر- الذي يتباكى على الحرية والديمقراطية ويرفع رايتهما- غاضًّا الطرف عن أن كثيرًا منهم كانوا أصحاب السيادة على الأرض الثقافية، بمباركة وتشجيع النظام السابق، واعترف بذلك قائدهم فاروق حسني عندما كان يتفاخر بأنه أدخل المثقفين "حظيرة" النظام البائد.
أقول هذا لتأكيد أن موقفي الحالي يتسم بالحيادية إلى حدٍّ كبير، فضلاً عن أن هذا أيضًا يتيح لي فرصة الاعتراف بتخطئة الإخوان وذراعهم السياسي في بعض الممارسات، منذ أن بدأ البرلمان ممارسته، والتي قد تتاح لنا فرصة أخرى للإشارة التفصيلية إليها، مثل الموقف من الوزارة، وأبو الفتوح، واللجنة التأسيسية للدستور، والترشح للرئاسة.
والفرق بيني وبين غيري من الناقدين أنني لا أزعم لنفسي قدرةً خارقةً؛ بحيث أحاسب على النوايا، مثلهم، ولكن أنظر إلى الإخوان باعتبارهم بشرًا؛ يصيبون ويخطئون، وليسوا شياطين لا يأتون للوطن إلا بكل ما هو سيئ، كما تنتهي معظم النقود التي توجّه إليهم بكثافة وضراوة تثير علامات الريبة والشك، وتعيد إلى أذهان المصريين صورة الحرب نفسها التي شنتها النظم السابقة، وإن تغيرت الأساليب، وتباينت الآليات.
ولكي تعرف مدى الافتئات والافتراء ومجانبة أصول القياس الزعم بأن حزب الحرية والعدالة يبدو وقد لبس لباس الحزب الوطني البائد، ووجه الخطأ في القياس هنا أن البائد كان يجيء بتزوير، لكن الآخر جاء بإرادة الناس الحرة، ومن ثم فإن تمسك حزب الحرية ببعض مواقفه يكون ذلك تأديةً لأمانة التوكيل الشعبي له، بينما البائد كان تمسكه بما يقول تسييرًا لمصالح المزيفين الذين جاءوا بالغش والنصب.
وتعجب أيضًا من الاتهام بالهيمنة والاستحواذ، ناسين أن تنفيذ ما تراه الأغلبية هو نفسه منطق الديمقراطية.
ويصل الهجوم إلى درجة أن يرسم رسام كاريكاتير نحبّه ونقدّره كاريكاتيرًا في جريدة يومية على قدر عالٍ من الاحترام، تفهم منه أن الأفضل لو استمر الإخوان المسلمون على ما كانوا عليه في غياهب السجون والمعتقلات؛ باعتبار أن ذلك سبيل لحماية المصريين من شرورهم، والعياذ بالله؛ مما يجعلنا نبادر إلى التساؤل: ما الفرق بين هذا المنطق ومنطق النظام البائد؟!
ثم تواصل ميليشيا الافتراء هجومها بإبراز سبب مضحك حقًّا، هو أن "الشاطر" يعمل بالتجارة، محاولين الربط بين هذا وبين ما كان قائمًا من قبل من تزاوج بين المال والسلطة! والأمر يحتاج إلى سطور كثيرة لبيان التهافت المنطقي في هذا القياس الفاسد، فالمال نفسه ليس لعنةً في حد ذاته، وليس مفسدًا دائمًا، وإنما المهم: من أين أتى؟ وفيم يوجه؟ ومن الممسك به؟ وفي أي مناخ يتم ويجري؟ أهو مناخ لا يقوم على الاختيار الحر للحاكم أم يقوم على التزوير والغش مثلما كان الأمر في العهد البائد أو العكس؟ ثم: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجرًا والكم الغفير من الصحابة؟!
لقد رثيت لحال مشاهدة صرخت على قناة فضائية تقول إنها تعاني ارتفاع نسبة السكر لديها، فإذا ما تجوَّلت بالمؤشر بين القنوات الفضائية زاد الارتفاع وساءت حالتها، مناشدةً من يطلون علينا بأن يراعوا الله، ولا أظن أن مناشدة المشاهِدة المسكينة سوف يُستجاب لها، ذلك أننا نعرف من هم مُلاك الكثرة الغالبة من القنوات الفضائية، وكيف أن معظم ثرواتهم قد جاءت عن طريق النظام السابق، وأن من مصلحتهم ألا يتغير المناخ السابق؛ حتى يستطيعوا أن يستمروا في الكسب غير الشريف.
بل إن الكثرة الغالبة أيضًا من المذيعين والمذيعات هم أيضًا مما كانوا يعملون تحت مظلة النظام البائد، وقل مثل هذا مع الأسف بالنسبة لكثرة أيضًا من الكتَّاب والصحفيين، وكل ذلك هو ما يجعلنا نؤكد أن النظام السابق لم يسقط بعد، وإن سقطت رءوسه العليا فقط!.
لقد أكد كل هؤلاء أنهم بالفعل يريدون "جنازة ليشبعوا فيها لطمًا"، فما إن تم الإعلان عن ترشح خيرت الشاطر؛ حيث لم أرتَحْ لهذا، رغم حبي وتقديري للرجل، ولا يدفعني هذا أن أتجاوز حدود الأدب في الحوار والنقد؛ حيث إنني أحمد الله أن ليس لديَّ سموم حقد وكراهية وحسد، لكنَّ هؤلاء الذين في قلوبهم مرض فتحوا "ماسورة" جديدة للهجوم الكاسح، وكم أشعر بقدر غير يسير من الأسف أن يبلع عدد ممن كانوا أعضاء مهمين في الجماعة الطُعم، ويستجيبوا للدعوات التي انهالت عليهم للظهور على الفضائيات، ومهاجمة من كانوا من قبل إخوانهم وزملاءهم وأصدقاءهم، وهم ممن أحمل لهم قدرًا عاليًا من المحبة التقدير، لكني أُذكّرهم بأن "الخصام" له ضوابطه وحدوده، وأن هؤلاء الذين استضافوهم أرادوا أن يضربوا بهم جماعتهم الأصلية، ومن هنا فأنا أُقدر كثيرًا موقف عبد المنعم أبو الفتوح الذي حافظ على آداب التخاصم، فلم ينجرَّ إلى هجوم وافتراء على جماعتهم، بل إن دموع الرجل تسبقه أحيانًا عند ذكر شيء مثل هذا، تمامًا كما يحدث لكلٍّ منا عندما يتذكر عزيزًا فُقد، أو ابتعد عنه، باستثناء نقد "خفيف" أبداه لترشح الشاطر!.
وأخيرًا.. فأنا لا أستطيع أن أكتم مخاوفي من أن تكون اليد الخفية "إياها"، والتي أصبحنا نكاد أن نحددها داخل مصر، هي التي تريد ألا تكتمل فرحتنا، فتحرّض، وتضغط، وقد تتعمَّد التصرف غير السليم، لنشر قدر من الفوضى "التي وصفتها" كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بأنها "خلاقة"، فتسنح الفرصة لهؤلاء للحكم!.