أقدر تمامًا أن قرار الجماعة بخوض انتخابات الرئاسة كان صدمة للكثير من أفراد صفنا، صدمة تشبه تلك التي أصابت بعض الصحابة إثر صلح الحديبية، إذ تغير مسار السفينة فجأة فارتطمت ببعض صخور هشة متمثلة في سيناريوهات أعدت وقناعات ترسخت فينا، غير أن أصولنا الثابتة كفيلة بامتصاص مثل تلك الصدمات بإذن الله، وعليه فقد ارتأيت التذكير ببعضها، حتى يظل صفنا أمام تلك الحادثة وغيرها قويًّا متماسكًا.. وهذا هو الأهم في المشهد كله.
أولاً: أود تلخيص ما حدث كي نبنى عليه.. فقد راجعت الجماعة موقفها لأن الخريطة تغيرت ملامحها، وباختصار رأينا عبدة المصالح الشخصية وقد اتحدوا في الآونة الأخيرة على إيقاف مسيرة انتقال السلطات جميعها إلى الشعب والذي هو الهدف الرئيسي للثورة، فلا حكومة تعبر عن الشعب ولا دستورًا نقيًّا خالٍ من الامتيازات ولا تحديد لصلاحيات الرئيس (بيده كل الخيوط كما كان سابقًا) في إشارة إلى نيتهم لاستخدام الرئيس القادم بالضغط عليه، بل ورأينا محاولات إجهاض أول برلمان حر في تاريخنا، وذلك بافتعال الأزمات ثم بتفريغه من مضمونه وعدم الاستجابة لأي من طلباته ليبدو عاجزًا فاشلاً حبرًا على ورق، وصار لسان حالهم يقول (برلمانكم هذا بلّوه واشربوا ميته، بل سنحله عند اللزوم بجرة قلم)، ولم يكن صعبًا قراءة نفسياتهم، فسلوكهم هذا يعتمد على قرارنا بعدم التقدم للرئاسة ظنًّا منهم أنّا سنجبن عن مراجعة القرار، وناموا كما يقول المثل (في بطنهم بطيخة صيفي).
ولعلم قيادة الجماعة أن القرار ليس قرآنًا.. كما أنه ليس عهدًا أو ميثاقًا وقعنا عليه وإن اعتبره البعض كذلك لكثرة ما رددناه.. فقد لجأت إلى مراجعته لتفويت الفرصة عليهم، وإعادة حساب المصالح والمفاسد والتي على رأسها توقع حملة تشويه عارمة يقودها الإعلام المغرض وينقاد له فيها الكثيرون، وعقد مجلس الشورى لأول مرة في تاريخه ثلاثة اجتماعات طويلة خلال أسبوعين، وتفاعل الرأيان إلى أقصى درجة، وقيل كل ما يمكن أن يقال من حجج لدعم كل منهما، وذكرت كل التحفظات التي من الممكن أن تصدر عن عموم أفراد الجماعة، ثم انتهى الأمر إلى تصويت بفارق صوتين فقط في لقطة شورية راقية لا تحدث في بلادنا، فبالله علينا بأي الخيارين تأخذ قيادة الجماعة؟
ثانيًا: لنتذكر تلك المعاني الحاكمة:
** ليس إمام قيادة الجماعة من خيار إذا عرض لها أمران إلا أن تخوض غمار الترجيح بينهما من خلال الإجراءات الشورية الصحيحة وصولاً إلى الأفضل، وهي آثمة إن لم تفعل ذلك، ولا يصح البتة أن تستبعد طرحًا دون النظر فيه مهما بلغت غرابته أو حجم ردود الأفعال المتوقعة، فلربما كان فيه الخير كله.
** إذا حدث وأنفذ قرار من ذلك النوع ثم تحركنا لتنفيذه طاعة للجماعة فيما نكره مثل طاعتها فيما نحب فقد أصبنا ما طلب الله منا ورسوله، أما النتائج الدنيوية فهي من اختصاصه سبحانه يفعل ما يشاء فإنما نحن- كما تربينا- مجرد إجراء نستر القدرة ونأخذ الأجرة.
** إذا ترتب على ذلك وقوع مكروه- كما يتوقع البعض ويهدد آخرون- فإنما هو قدر مقدور كان سيقع لو أخذنا بخيار آخر بل لو كنا في بيوتنا، مثلما علق القرآن على ادعاء المنافقين عقب أُحد بأن من قتل من الصحابة ما كان ليقتل لو أنهم أخذوا بالرأي الآخر وأقاموا بالمدينة فقال: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) (آل عمران:154) أي لماتوا على فرشهم في نفس الساعة.
** ليس شرطًا لصحة قراراتنا أن يصفق لها الناس دائمًا والعكس صحيح، لكن شرط الصحة كسائر الأعمال يكمن في سلامة النية وشرعية الطريقة وهي الشورى التي أُمرنا بها، وذلك كله إرضاء لله وحده ثم ليرض بعده من يرضى وليسخط من يسخط، وما أجمل مناجاته صلى الله عليه وسلم لربه بعدما لاقى من الإيذاء ما لاقى في رحلة الطائف (إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي)، وفي الحديث: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس).
** أما تعرضنا نتيجة قرارنا الذي اتخذناه إلى حملة من الهجوم والتشكيك والتسفيه، فضلاً عن الشتائم والسباب ليس من الإعلام المغرض فحسب وإنما من كثير من المتعاطفين معنا تأثرًا بما سمعوه وصدقوه، فإنما هو من قبيل الابتلاء الذي هو لصيق بنا وسمت طريقنا مذ عرفناه، بل إنه ابتلاء يسير مقارنة بما ابتلينا به في العقود الستة الأخيرة وبما لاقاه دعاة قبلنا في القرون السالفة، وعليه فمن شيم الدعاة أن نستقبل هذا بالصبر والاحتساب راجين أن يكون هو وما سبقه في موازيننا، فضلا عن مقابلته بالحسنى التي وصانا بها ربنا وتحلى بها نبينا صلى الله عليه وسلم، ورحم الله إمامنا لما قال: (كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بالثمر).
ثالثًا وأخيرًا:
لو صدقنا أنفسنا لاكتشفنا.. أن ثقل القرار علينا لا ينبع من خطأ نراه فيه بقدر ما ينبع من شعورنا بالخزي عند مواجهة الناس، إذ ماذا نقول لهم وقد أشارت إلينا أصابعهم بالاتهام وسط الهجمات الإعلامية الضارية التي تفتك بعقولهم؟ وذاك مربط الفرس.. فما أبشع أن نصاب بهزيمة نفسية؟!
لنتحدث أيها الإخوان مع الناس بأقدام وجرأة وثقة، لنبين لهم بصدق تام ما حدث كما حدث من غير تلعثم أو التواء أو إخفاء لشيء، فلسنا من مؤيدي المثل القائل (كذب مساوي ولا صدق متنعكش)، إذ ليس لدينا إلا الصدق مهما كان مستغربًا يثير استهجان القوم، لأنه يحقق رضا الله الذي بيده الأمر كله، ثم لنتوكل على الله ونفوسنا مطمئنة بالركون إليه (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)) (الطلاق).
لنقل لهم بكل ثقة إن جماعتنا لم تخطئ في الموقف أو على الأقل لم تقصد الكذب أو تقع في تدليس، وإنما ببساطة عرض لها أمران ففعلت ما يرضي الله.. تشاورت واختارت ما رأته الأرجح، حتى لو أصر البعض على كون ذلك نكوصًا في العهد فليعتبره اضطرارًا لمصلحة الوطن وتقديم مفسدة أصغر على أكبر منها، فإن رمانا بالكذب فلنذكره بتاريخ الإخوان المتخم بالتضحيات والخالي من النفاق، فإن تمادى في غيه فلنقل (حسبنا الله) وليكن الصمت بعد ذلك جوابنا فـ(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج:38).
أيها الإخوان: لتمر تلك الهجمة كغيرها لم تنل منّا شيئًا، وليبق صفنا فوق سفينته بإذن الله كعادته قويًّا متماسكًا رغم العواصف والصدمات، وليستكمل مسيرته في قيادة شعبنا الحبيب نحو الهداية والنهضة، مصرًّا على بناء مصر الجديدة القوية بدينها وأبنائها البررة، نواة الأمة الإسلامية الجديدة المتوحدة تحت راية الإسلام، وما ذلك على الله بعزيز...
أيها الإخوان اثبتوا.. استقيموا يرحمكم الله.. تقدموا ينصركم الله...