من يتابع أداء الإعلام المصري سواء العام أو الخاص منذ عهد الرئيس المخلوع مبارك تجاه جماعة الإخوان المسلمين، يلمس بوضوح مدى الاختلال والتراجع في مؤشرات الالتزام بالمهنية والحيادية، فبينما كان الإعلام الحكومي يحظر الإخوان تمامًا ويكيل لهم الاتهام ليلاً ونهارًا ويستخدمهم كفزاعة للداخل والخارج على حد سواء، وينفق الملايين من قوت الشعب المصري لتجميل صورة النظام، نجد أن الإعلام الخاص كان يلمز ويضرب ويشوه صورة الإخوان في شكل خدمات مدفوعة الأجر لصالح النظام وتارة تحت الضغط المباشر.

 

وكذلك سارت صاحبة الجلالة "الصحافة" في ركاب النظام البائد على نفس مسار حملات التشويه والتجاهل التام في أرقى صور التعامل مع الإخوان، وللأسف فإن سوءات الإعلام الحكومي والخاص بكل وسائله لا تعد ولا تحصى، هذا كان مجمل المشهد الإعلامي في التعامل مع فصيل وطني من أبناء الشعب المصري طيلة العقود الماضية، ولم يتغير الحال كثيرًا بعد ثورة 25 يناير بل ازداد سوءًا وحنقًا وحقدًا وثورة على الإخوان، ففي الأيام الأولى من الثورة اتهم الإعلام العام والخاص الإخوان بتدبير انقلاب على السلطة والقيام بأعمال بلطجة والوقوف خلف المظاهرات وتحريض الشباب، وكان وزير الداخلية السابق حبيب العادلي بالتعاون مع أبواق الإعلام الفاسد وكتاب النظام والحزب الوطني يعدون حملة وملفات مزورة لإدانة الإخوان وتقديمهم لأعواد المشانق بعد القضاء على الثورة.

 

وبعدما أبدى الإخوان تفانيًا في حماية الثورة ونجاحها بشهادة الجميع وفي القلب منهم الثوار، بدأ الإعلام المتحول والذي ركب الموجة سريعًا يهمش دور الإخوان في الثورة، واتهامها بعدم المشاركة في الثورة من أول يوم، وهو من كان يتهمها قبلها بأيام بتدبير الثورة وقيادة المظاهرات التي كانت يسميها بلطجة وشعب وفوضى لا ثورة.. فسبحان مغير الأحوال!!

 

ومع تتابع الأحداث كان الإعلام الفاسد جاهز دائمًا بالتهم المعلبة للإخوان فتارة يتهم الجماعة بركوب الثورة وسرقتها، وأخرى بعقد صفقة مع المجلس العسكري وأخرى بإدخال البلد في أتون المعارك، وأنه بصدد صدام مع العسكر، والاتصال بالخارج وخداع الداخل، والفوز بالأغلبية في الانتخابات، والسعي للسلطة، ودعم الحكومة، وعشرات الاتهامات التي تحمل المتناقضات بين عشية وضحاها!، وكل يوم يطالعنا الإعلام بعشرات المانشيتات والتحليلات والتخمينات والتقارير والأخبار المفبركة أن الإخوان بالأمس كانوا يبرمون صفقة مع العسكر، وفي الصباح التالي يتحدث ويحلل ويتوقع حدوث صدام مع العسكر على غرار صدام 1954م، وهنا تقفز إلى الذهن العبارة الشهيرة في فيلم الناصر صلاح الدين على لسان الممثل القدير محمود المليجي "وهكذا سقطت لويز!!"، بينما الحقيقة أن "الإعلام الفاسد" هو مَن يتآمر على عرش "أورشليم".. عفوًا عرش مصر!!.

 

والحقيقة المرة والمؤلمة أننا بإزاء ثورة مضادة فاسدة ومدمرة تقودها بعض وسائل الإعلام تدعمها مليارات رجال أعمال النظام البائد، وشراذم الليبراليين في عداء سافر وغير مبرر، على مصر كلها وفي القلب منها فيصل وطني من أبناء مصر له تاريخه وله رؤيته وله سياسته في إدارة مستقبل مصر، وهو قبل ذلك وبعده تجمع بشري يخطئ ويصيب، ويجتهد من أجل الصالح العام، ويلعب وفق قواعد الديمقراطية وأسس حزبًا سياسيًّا وشارك ونجح وفاز بالأغلبية في مجلسي الشعب والشورى، ولكن الأقلية الموتورة والحائرة والساخطة قلبت للإخوان ظهر المجن، ولم تقبل بخيار الشعب المصري، فلا تراهم إلا وهم يصرخون عبر وسائل الإعلام وكأن الإخوان كائنات فضائية هبطت على أرض مصر بين عشية وضحاها!!

 

وختامًا: فإن حالة الهياج والسعار التي تمارسها بعض وسائل الإعلام ضد الإخوان المسلمون ستكون كمن يثير الغبار في وجه الشمس ليحجبها عن الناظرين، ولهم في محاولات النظام البائد للرئيس المخلوع عبرة وعظة (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)) (يوسف).

----------

*  الكويت