أفهم أن ينهش العلمانيون والليبراليون وكل أعداء مشروع النهضة المصري ذي المرجعية الإسلامية لحْم الإخوان المسلمين، وأتوقع أن يكثِّفوا أنشطتهم، ويُكْثِرُوا من موائد أكل لحومهم في الوقت الراهن، لكنْ أن يشارك في هذه الهجمة الشرسة بعض الإسلاميين وعلماء أفاضل وشيوخ أجلاَّء، وينضمُّ إليهم كتَّاب ومفكرون أعلام يعدون من أعلى المثقفين كعبًا وأرسخهم قدمًا في مصر وعالمنا العربي؛ فهذا ما لم أكن أتوقعه أبدًا!!.
فماذا فعل الإخوان المسلمون عندما اتخذوا قرارًا سياسيًّا بترشيح المهندس خيرت الشاطر للرئاسة؟! هل ارتكبوا بذلك كبيرة من الكبائر، لا سمح الله؟ أيعد هذا القرار إثمًا عظيمًا يستحق أن يصفه شيخ جليل من شيوخ السلفية ومنظِّريها الكبار بأنه: "من باب الغدر وإخلاف الوعد والعهد؟!"؟!! أليس ترشيح الشاطر للرئاسة أو لأي منصب سياسي آخر حقًّا من حقوقه الأساسية كغيره من المصريين؟! أليس من حقه وحق حزبه (أو جماعته) شرعًا وعقلاً وعرفًا وقانونًا اختيار ذلك والإعلان عنه؟! ثم هل يعني ترشيحُه فرضَه على المصريين؟
وليس الشعب المصري في النهاية هو صاحب الكلمة الأخيرة؟! ما المشكلة إذن؟ ولِمَ كل هذه الحرب الشعواء التي تُشَنُّ على الإخوان المسلمين من إخوانهم قبل أعدائهم؟! أيُعَدُّ تغيير إنسان (أو جماعة) قرارًا ما خيانةً للأخلاق والمبادئ؟ أي منطق هذا؟! ومن قال بذلك؟!
إن فكرة تغيير القرارات تختلف تمامًا عن تغيير المبادئ والثوابت والقناعات الإيمانية الراسخة، فتغيير القرارات بتغير الظروف والأحوال أمر طبيعي جدًّا، بينما تغيير الثوابت والمبادئ والتلوُّن والتبدُّل كالحرباء هو نوع من النفاق والخيانة.
لقد كان ترشيح الإخوان الشاطر للرياسة خطوةً سياسيةً سديدةً وموفقةً وجريئةً؛ للتعامل مع المؤامرة التي تشنُّها أطراف عديدة (داخلية وخارجية...) على الثورة المصرية ومشروع النهضة المصري الذي يحاول الإسلاميون إنجازه، لكن تمَّ استغلال الأمر أبشع استغلال من أعداء هذا المشروع، فانطلقوا يشوِّهون الإخوان ويصوِّرونهم على أنهم طلاب سلطة جشعون يريدون السيطرة على كل شيء، ويتاجرون بالدين للوصول إلى مآربهم، وشنوا حربًا إعلاميةً مكثفةً لإشاعة الكثير من الأكاذيب والافتراءات للنيل من الإخوان، وهدفهم وغايتهم في النهاية هو إسقاط مشروع النهضة الإسلامي لمصر وأمتها العربية برمَّته.
وللأسف الشديد شارك بعض الإسلاميين في هذه الحرب عن جهل ودون قصد، وفرق كبير بين نقد الإخوان وتقويمهم وبين إسقاط المشروع الإسلامي كله؛ عن طريق تشويههم في أعين المجتمع، وتشكيك الشعب المصري في نوايا جميع الإسلاميين، ووالله إنها لفتنة عظيمة وإفك سياسي ما أريد به إلا الباطل، ويمكننا تفنيده ودحضه والرد عليه في النقاط التالية:
أولاً: إن التغيير سنة كونية وناموس إلهي، وأحوال الناس وأوضاعهم متقلبة دائمًا بين يسر وعسر، ومنشط ومكره، وبسط وقبض، ورخاء وشدة، وفرج وضيق؛ وبالتالي تختلف قرارات الناس وأفعالهم وتصرفاتهم بحسب تغير هذه الظروف والأحوال، وفكرة التغيير والتبديل- كفكرة مجردة- واردة تمامًا حتى بالنسبة لله تعالى، قال عز وجل: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) (النحل: من الآية 101) وقال سبحانه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106)، وحتى لو كان المرء جازمًا في أمر معين، بل مقسمًا عليه، ثم بدا له ما هو أفضل منه فله أن يعدل عنه إلى الأمر الأفضل.. المهم ألا يترتب على ذلك أي غشٍّ أو خداع أو تضليلٍ للآخرين أو تضييع لحقوقهم، وفي الحديث الشريف عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك، وَأْتِ الذي هو خير" وفي رواية: "فَأتِ الذي هو خير وكفِّر عن يمينك" (متفق عليه).
ثانيًّا: هل ترشيح الإخوان الشاطر للرئاسة فيه غدر وخيانة للعهد، وتناقض مع الأخلاق والمروءة؟! طبعًا هذا الزعم واهٍ تمامًا ومتهافت للغاية، وعارٍ من الصحة، ولا يقبله عقلٌ راشد ولا منطقٌ سليم، وسأركِّز على الفهم الشرعي والتكييف الفقهي للمسألة، فما حدث ليس غدرًا ولا خيانةً ولا إخلافًا للوعد مطلقًا، وإنما هو مراجعة للقرار وللرأي؛ بسبب ما استجدَّ من أحداث ومتغيرات كثيرة، وهذا أمر وارد ويقره العقل والمنطق والشرع، قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: "أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخُلْفِ؛ لأن خُلْفَ الوعد لا يُقْدَحُ إلا إذا كان العزم عليه مقارناً للوعد، أما لو كان عازماً ثم عَرَضَ له مانعٌ أو بدا له رأي فهذا لم توجد منه صورة النفاق، قاله الغزالي في الإحياء، وفي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له؛ ففيه من حديث سلمان: "إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يُخْلِف" وكذا قال في باقي الخصال.. وهو عند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم مختصر بلفظ: "إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي له، فلم يفِ فلا إثم عليه" (ا.هـ) (فتح الباري لابن حجر العسقلاني) (1/54).
ثم إن أفعال البشر جميعًا منذ بدء الخليقة وإلى الآن تؤكد أن الناس فرادى وجماعات يغيرون قراراتهم بحسب تغير الظروف؛ وذلك بحثًا عن الأفضل والأصلح وفق ما يستجد من أحداث، ويؤيد ذلك مواقف كثيرة وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لعل أبرزها موقفه بعد توقيع صلح الحديبية مع كفار مكة، فقد رجع دون أن يؤدي العمرة، واستثقل بعض الصحابة الذين كانوا معه الأمر وشعروا بحزن عميق؛ لأن شروط الصلح لم تُلَبِّ مطالبهم، ولم تُرَاعِ مصالح المسلمين كما بدا لهم في الظاهر، وعندما أمرهم الرسول بأن ينحروا هديهم (أي يذبحوا ذبائحهم) ويحلقوا رءوسهم تباطئوا؛ فتضايق صلى الله عليه وسلم ودخل على أم سلمة رضي الله عنها حزينًا مهمومًا، فأشارت عليه بأن يخرج ولا يكلم أحدًا منهم كلمةً حتى ينحر بدنه ويحلق، ففعل صلى الله عليه وسلم ما أشارت به، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا هديهم وحلقوا رءوسهم تأسيًا واقتداءً به (الحديث في صحيح البخاري).
ثالثًا: من أبرز الشبهات المثارة الآن ما يلي: إن الإخوان المسلمين أصابهم غرور القوة، فرشحوا خيرت الشاطر بدافع تكالبهم على السلطة ورغبتهم في الاستحواذ (التكويش) على كل شيء؛ لأنهم سقطوا في فتنة ثلاثية الأبعاد، فتنة: السلطة، والأغلبية والأضواء، لكنهم لا يمتلكون الكوادر الإخوانية القادرة على النهوض بكل هذه الأعباء!!.
وهنا تُطرح التساؤلات التالية: ماذا لو لم ينجح الشاطر في الانتخابات؟ هل ستكون تلك هي الضربة القاضية للإخوان؟ وماذا لو وصل إلى القصر الجمهوري وفشل (أو أفشِلَ) في تحقيق ما يصبو إليه الشعب المصري من إنجازات؟ ألن يكون ذلك كارثة للإخوان ولمشروعهم ودعوتهم؟ فَلِمَ أوقعوا أنفسهم في هذا الفخ؟ أكل ذلك بسبب حبهم للسلطة ورغبتهم في الانفراد بها؟!
طبعًا هذا الكلام عارٍ تمامًا من الصحة وهراء وكذب وافتراء لن ينطليَ على أحد؛ لأن أي عاقل يقول إن تحمل المسئولية في مصر الآن في ظل هذا التردي الشامل مَغْرَمٌ وليس مغنَمًا، وقد اتخذ الإخوان هذا القرار حمايةً للثورة المصرية ولمشروع النهضة المصري، وهذا ما دفع حزب "النور" لدعم ترشيح الشاطر؛ لأنه بحسب ما قال الحزب: "يملك من القدرات والإمكانات ما يؤهله لتدشين مشروع النهضة المصري المأمول بمرجعية إسلامية"، وهذا السبب عينه هو ما دفع الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى تراجعه عن قرار الترشح للانتخابات الرئاسية لصالح الشاطر، ووقوفه الكامل إلى جانب ترشيحه، بل لقد دعا جميع المرشحين الوطنيين إلى أن يتناسوا ذواتهم، وأن يقفوا صفًّا واحدًا خلف هدف واحد، وأن ينسِّقوا مع الإخوان حمايةً للثورة المصرية المجيدة، وغريب حقًا أن يتهم البعض الإخوان بالوقوع في الفخ، والافتتان بالأضواء.. إلى غير ذلك، فالإخوان ليسوا جماعة من الدراويش السذج، ولا ثلة من المراهقين الذين يسهل إغراؤهم واستدراجهم، أو يمكن استخدامهم كمخلب قط تمارس من خلاله بعض الحماقات.
إن جماعة الإخوان المسلمين عمرها الآن نحو 84 سنة، ونعتقد أنها من النضج والحكمة بما يجعلنا نثق في قدرتها على تقييم مجريات الأحداث وفهم الأمور من حولها، أما عن الكوادر البشرية فهي تمتلك من خيرة عقول مصر الكثير والكثير في شتى المجالات، وليس بخافٍ انتشار فكر الإخوان المسلمين في كثير من دول العالم، بل إن لهم حضورًا حيًّا وفعَّالاً في نحو ثمانين دولة.
وفي الحقيقة لقد فطن الإخوان جيدًا للعبة السياسية الدائرة حاليًّا في مصر والعالم العربي، فالمجلس العسكري في مصر يريد الالتفاف على الثورة المصرية، وهناك مؤامرة تريد إفشال الإسلاميين وحرمانهم من كل شيء، وجميع المؤشرات والوقائع العملية تؤكد ذلك:
مجلسا الشعب والشورى مهددان بالحل، والغالبية البرلمانية الإسلامية ممنوعة من تشكيل الحكومة، واللجنة التأسيسية للدستور مغضوب عليها، بل تم الضغط على أغلب أعضائها للانسحاب منها لإفشالها وحرمان الإسلاميين من المساهمة الفاعلة في صياغة دستور جديد لمصر "يناسب القرن الحادي والعشرين، ويحافظ على ثوابتها، ويُعْلِي من شأن القانون، ويحقق العدالة الاجتماعية والمساواة، ويحمي حقوق الإنسان، ويمنع وجود دولة داخل الدولة"، ولا يؤمن على انتخابات الرئاسة ذاتها من التلاعب، فما الذي كان على الإخوان أن يفعلوه لحماية مشروع النهضة المصري من إجهاضه والالتفاف عليه؟!
رابعًا: إن مشروع النهضة المصري ذا المرجعية الإسلامية هو مشروع كل المصريين الأقباط قبل المسلمين؛ لأنه مشروع وطني بامتياز؛ يهدف إلى بناء دولة مدنية حديثة تؤمن بالتعددية والحرية والديمقراطية، وتحقق الحياة العزيزة الكريمة لكل مواطنيها بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، ومسئولية حماية هذا المشروع الوطني لا تقع على عاتق الإسلاميين وحدهم، بل هي مسئولية الشعب المصري كله، رجاله ونسائه، شبابه وشيوخه، لكن للأسف الشديد هناك من يحارب هذا المشروع بسبب حسابات قاصرة ونظرة ضيقة فيبث أحاديث الإفك السياسي التي تلوّث الأجواء، وتفسد الضمائر، وتوغر الصدور، وتحير العقول، وتمزق الصفوف، وتقتل الآمال!.
لكن شرفاء هذا الوطن من الإخوان المسلمين وغيرهم من جموع الشعب المصري العريق قادرون بإذن الله تعالى على حماية مشروع نهضتهم؛ لأنه يحمل الخير لمصر ولأمتها وللعالم.
--------
* كاتب مصري.