أظن أن أبسط قواعد الديمقراطية هي حق كل حزب أو أي شخص يرى نفسه مؤهلاً وقادرًا على العطاء أن يتقدم لأرفع منصب في مصر وهو رئاسة الدولة، بعد استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة، وأظن أن الإخوان أجهدوا أنفسهم كثيرًا في تقديم مبررات لترشيح المهندس خيرت الشاطر اقتنع بها البعض ورفضها البعض، رغم أنهم ليسوا بحاجة إلى تقديم هذه المبررات، وما عليهم إلا أن يتمسكوا بحقهم الدستوري فقط في الترشيح.

 

سيتحدث البعض عن تغيير موقف الإخوان وهم يقدمون في سبيل ذلك العديد من التصريحات الصحفية والمقاطع المرئية والمسموعة التي تثبت ذلك، وكان الإخوان ينكرون هذه التصريحات والمواقف، وسيقول هذا البعض: إن الإخوان فقدوا مصداقيتهم بعد تغيير موقفهم، وكأنهم قد ارتكبوا كبيرة من الكبائر سواء بالمعنى الديني أو السياسي، ويخفى هذا البعض أن موقفه الحقيقي هو الخوف من مرشح الإخوان ليس إلا، ولكنه يغطي هذا الخوف بتبريرات وهمية.

 

لا أفهم أبدًا أن منافسين سياسيين لا يرون لأنفسهم قدرة على المنازلة إلا إذا أخلى لهم خصمهم الساحة، وإذا لم يفعل فهو متهم بـ"التكويش" والمغالبة والاحتكار.. إلخ، دلوني على دولة ديمقراطية يتنازل فيها المنافسون لبعضهم اختيارًا؟ دلوني على دولة يقبل فيها طرف سياسي يمتلك قوة كبيرة أن يتنازل طواعية لخصومه من أجل إرضائهم، بل دلوني على أي أحزاب محترمة تطلب من خصمها أن يتنازل لها عن بعض المواقع؟.

 

يقولون إن الإخوان يريدون "التكويش" على كل السلطات، رغم أن الإخوان حرموا من تشكيل الحكومة وليس لهم محافظ أو وزير أو حتى رئيس وحدة محلية، لن ألجأ للتبرير والكلام المنمق، فقط أسأل أليس هذا حقًّا ديمقراطيًّا والحكم في النهاية للشعب؟، ألا يمكن للشعب أن يقبلهم في بعض المواقع ويلفظهم في مواقع أخرى، ولنا في النقابات والجامعات عبرة، فقد حصل الإخوان على غالبية مجالس بعض النقابات والاتحادات الطلابية ومجالس نوادي هيئات التدريس كما خسروا أخرى، ولم يتهموا الناخبين في الأماكن التي خسروها بالغباء أو الخروج على الملة والعياذ بالله، وهل نغمض أعيننا عن تجارب الدول الديمقراطية سواء القريبة منا في درجة تطورها أو الأكثر منا تطورًا؛ ففي تلك الدول يعرض كل حزب نفسه على الناخبين في كل انتخابات نيابية أو محلية أو رئاسية، ولا يقصرون المنازلة على عمل واحد حرصًا على حضور الآخرين، وإذا حصل على أغلبية يتقدم لتولى المسئولية، خذ عندك مثلاً الحزب الجمهوري أو الديمقراطي في أمريكا؛ حيث يحصل أحدهما على أغلبية في مجلس النواب أو الشيوخ أو كليهما ومع ذلك يتقدم بمرشح للرئاسة، ويقدم مرشحين لحكم الولايات، وفي بريطانيا حين يحصل حزب المحافظين أو العمال على أغلبية نيابية تكون له رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة ولا يمنعه ذلك من التقدم للترشيح للمحليات.. إلخ، إذا تركنا الديمقراطيات المتقدمة دعونا نتحدث عن النموذج التركي الأقرب إلينا؛ حيث تولى حزب العدالة والتنمية رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الدولة في آن واحد، ولم يخرج أكثر الأحزاب تطرفًا في تركيا ليتهم العدالة والتنمية بـ"التكويش" فهذه هي قواعد الديمقراطية.

 

نعود إلى قصة تغيير الإخوان لموقفهم، ولن أتناول هذا الأمر من منطلق فقهي عبر سرد الأحاديث النبوية التي تبيح للإنسان التراجع عن شيء أقسم عليه إذا وجد ما هو أفضل مع الكفارة، ولا اجتهادات أئمة المذاهب التي تغيرت بتغير الزمان والمكان، فهذا متروك لمن هم أعلم بالفقه والحديث والسيرة النبوية وعمل السلف الصالح، ولكنني سأتحدث حديثًا سياسيًّا، فلم يكن الإخوان أول من يغيرون مواقفهم السياسية بسبب تغير الظروف ومقتضيات الحال، هل نسيتم أن الدكتور محمد البرادعي تراجع عن قراره بخوض الانتخابات الرئاسية عندما تيقن من ضعف فرصه، وهو قرار صائب من وجهة نظري، لكن المشكلة أن كثيرًا من الذين يتهمون الإخوان الآن بتبديل المواقف هم أنفسهم أنصار البرادعي، ولم يتهموا قائدهم حين غير قراره، بل نعتوه بأفضل الأوصاف، وهل نسيتم تراجع منصور حسن عن الترشح للرئاسة بعد أن هدته حساباته إلى ذلك أيضًا، ولو عدنا قليلاً إلى الوراء لوجدنا الزعيم الوطني مصطفى النحاس هو الذي وقَّع معاهدة 1936م وهو الذي ألغاها سنة 1951م، وفي الحالتين صفَّق له الشعب، وإذا خرجنا من حدود الوطن رأينا أن الخميني وهو المحبوب بين أبناء مذهبه اضطر لتغيير موقفه من وقف الحرب مع العراق سنة 1988م؛ حيث كان الرجل رافضا تمامًا لوقف الحرب قبل تحرير كامل الأراضي التي دخلتها القوات العراقية، ولكن مع تصاعد الضغوط والوساطات ومع إنهاك الجيش الإيراني اضطر لقبول قرار وقف الحرب، وقال قولاً مشهورًا "إنه حين وقّع ذاك القرار فكأنما تجرع السم".

 

أعرف أن بعض المعترضين حسنو النية والطوية، ويتعاملون مع الموقف بشكل مبدئي أخلاقي، وبالتالي يرفضون تمامًا أي تغيير للمواقف مهما تغيرت الظروف حفاظًا على المبدأ، وهؤلاء من حقهم طلب التوضيح، وحتى إذا أصروا على مواقفهم فهم معذورون.

 

تظل فكرة التوافق هي المخرج من الوضع الحالي، وقد اجتهد الإخوان قبل الثورة وعقبها للوصول إلى قائمة توافقية في انتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم حاولوا تسويق فكرة الرئيس التوافقي، ولكن القوى الليبرالية كانت هي المعترض الرئيسي في الحالتين، وأظن أن الفكرة ما زالت قائمة بما في ذلك تعديل تشكيل لجنة الدستور إذا رغبت كل الأطراف في ذلك دون الارتكان لقوة عسكرية تحقق لها ما عجزت عن تحقيقه بالسياسة.