تعرضت مصرنا الحبيبة على مدى أكثر من ستين عامًا إلى عمليات سطو منظم على مقدرات الشعب المصري الصابر الطيب ابتداءً من تسلم العسكر للحكم بعد خلع الملك فاروق، سطو على هوية الشعب عبر محاولات مستميتة في تغيير هذه الهوية عبر مناهج تعليم لا ترقى لبناء طفل صغير، وعبر وسائل إعلام تتطور عامًا بعد عام ويومًا بعد يوم.

 

سطو على كرامة الإنسان المصري عبر تخويفه من الاعتراض على أي سياسة يمارسها أي نظام من الأنظمة المتوالية، فانتشرت الأمثلة الشعبية التي تميز بها الشعب المصري من أمثال "امشي جنب الحيط، والحيطان ليها ودان" وغيرها، وعبر إذلاله بلقمة العيش التي جعلته لا يستطيع التفكير إلا في الحصول عليها كي يستطيع أن يقيم أوده هو ومن وراءه من أسرته، بالطوابير تارة وبرفع أسعار السلع دون قيد أو رقابة تارة أخرى، وبهدم الاقتصاد المصري عن عمد ببيع القطاع العام بأبخس الأسعار لأنفسهم وأتباعهم وأسيادهم من المستثمرين الأجانب، حتى لقد صار حق المستثمر الأجنبي في مصر أكثر بكثير من حقِّ المصري نفسه، بل إننا نجد أن المصري حين يهم بإقامة مشروع لنفسه تجد أن أجهزة الدولة كلها تحاربه حتى يكون مصيره في النهاية ليس الإفلاس فقط وإنما السجن والتشرد، أصبحت البطالة بالملايين، وأصبح العوانس من الجنسين بالملايين، وأصبح خريج الجامعة لا يملك إلا أن يتسكع في الطرقات.

 

أما المرأة المصرية فحدث عن معاناتها ولا حرج، عبر كل تلك السنوات دفعت الأخت في جماعة الإخوان المسلمين ثمنًا باهظًا من غياب الزوج خلف أبواب المعتقلات، ومن ضيق العيش وشظفه، وتحملت وعبرت إلى برِّ الأمان بأولادها وحدها في مواجهة آلة الدولة الظالمة، ووجدنا تلك الأخت مسئولة عن بيت زوجها في غيابه ثم تخرج للدعوة في المساجد، ثم هي تقف بصلابة وصمود في وجه الطغيان في الانتخابات المتوالية تتحمل وحدها مضايقات أمن الدولة والحزب المنحل والإعلام الكاذب.

 

أما بقية نساء مصر العظيمات ومنهن الملايين من المعيلات لأسر فيها العديد من الأبناء فحقهن على الدولة كبير، ويجب أن تكون له وقفات ووقفات، وفي حلكة الظلام وبينما الظالم في جبروته فإذا به يؤتي من تحته وإذا بالشباب الذين كان يعمل وبقوة على تغييبه ونزع الانتماء منه قام هذا الشباب نفسه بالقيام بتلك الثورة العظيمة، وبخلع الفرعون الأخير من ميدان التحرير دون إطلاق رصاصة واحدة منه أو أي عنف.

 

وتمر الأحداث ليعلن المجلس العسكري عن بدء آلية تسليم السلطة للمدنيين، وذلك بأول استفتاء صادق وحر: الدستور أولاً أو المؤسسات أولاً، وتمَّ الاستفتاء وكانت النتيجة المعروفة للجميع، وفي هذا الجو السياسي الآمن قدرت جماعة الإخوان المسلمين طبيعة المرحلة، وأعلنت أنها لن تدفع بمرشح منها في الانتخابات الرئاسية، ولن تشارك في الانتخابات البرلمانية نسبة 100% وهي النسبة التي شاركت بها معظم الأحزاب الليبرالية تطمينًا للبعض في الداخل والخارج.

 

وبدأت فعاليات الانتخابات الشعب ثم الشورى وتكَوَّن البرلمان المصري بأعضاء مختارين لأول مرة من الشعب بانتخابات لم تشهدها مصر من قبل، وقد عبَّر الشعب فيها عن هويته الحقيقية بالرغم من الحرب الشرسة التي أدارتها وسائل الإعلام ضد كل ما هو إسلامي كعادتها، وحاول مجلس الشعب أن يمارس واجباته تجاه الشعب الذي انتخبه فيشرع في مصلحته، ويحث الحكومة على تنفيذ تلك التشريعات، لكن ما حدث كان مفاجأة، الحكومة تتخذ نفس سياسة النظام السابق، سياسة تجويع الشعب وتخويفه عبر أزمات مفتعلة من أزمة غاز إلى سولار إلى ارتفاع أسعار جنوني، إلى حوادث اختطاف وإرهاب تزداد يومًا بعد يوم.

 

وفي الوقت الذي استطاع المجلس العسكري أن ينظم عملية إتمام الانتخابات تلو الانتخابات دون تسجيل عملية إرهابية واحدة؛ ما يدل على أنه لو أراد أن يفعل لفعل، وكأنها رسالة منه أنه يريد الوضع على ما هو عليه، أو كأنها عمليات منظمة يقوم بها العسكر ثم تنفذها الحكومة لتكريه الناس في الثورة وفي البرلمان الذي عجز عن تقديم خدمات فعلية لهم.

 

وآخر تلك الجرائم التي قامت بها الحكومة هي عملية التخلص مما بالصناديق الخاصة حتى تُسلم فارغة، وكأنها عملية تخريب منظمة للاقتصاد المصري حتى يتحملها البرلمان الذي فرغه المجلس العسكري من اختصاصاته ومهامه، وجملة ما يحدث أن هناك أحداث منظمة يقوم بها طرف ما لإفشال تسليم السلطة إلى المدنيين في موعدها، وإذا سُلمت فيكون الأمر مجرد صورة واهية بخلفية عسكرية حاكمة تحتفظ على تواجد النظام السابق كما هو بعدما تمَّ التخلص فقط من رأسه، وفي ظل تلك الأحداث المشبوهة اضطرت جماعة الإخوان المسلمين حفاظًا على مكتسبات الثورة، وحفاظًا على سيرها في مسارها الطبيعي، وإخراجها من براثن النظام السابق اضطر الإخوان لتغيير إستراتيجيتهم وتقديم مهندس نهضة مصر الحديثة المهندس خيرت الشاطر كمرشح رئاسي لمصر.

 

وفي هذه الأثناء تتعرض الجماعة لحملة منظمة ورهيبة لتشويه صورتها، وغرس روح التمرد داخل الصف الإخواني، وزعزعة الثقة التي هي من أغلى ما نملكه تجاه جماعتنا وتجاه إخواننا، فإذا ببعض الرءوس تدور، وإذا ببعض التساؤلات المشككة، وإذا ببعض الأصوات الفردية تتزعزع، فيتلقفها الإعلام ليصور للناس أن هناك انشقاقات داخل الجماعة التي استعصى عليهم اختراقها الحقب تلو الحقب.

 

وفي ظل هذا الجو المشحون بالابتلاءات والمحن تقف الأخوات كعادتهن في كل المواقف الصعبة والمحن شامخات مجددات لبيعتهن واثقات من الثقة في قيادتهن، ومقدرات لطبيعة المرحلة والظروف التي تمر بها مصرنا الغالية وحاجتها لأن نقف جميعًا صفًّا واحدًا متماسكًا بجوار إخواننا، وكلهن تصميم على العبور بتلك المرحلة بمصر بخير وأمان، مقدمات أرواحهن فداءً للوطن العزيز.

 

وقد اختارت القيادة وأحسنت الاختيار لشخصية لا نزكيها على الله ولا يختلف عليها أحد، ورسالتنا إلى المهندس خيرت الشاطر أن امض على بركة الله، ولا تلتفت كما لن نلتفت نحن لتلك الحملة الشعواء على الجماعة، ولسوف يأتي الغد بإذن الله ليرى الشعب ثمرة تلك الحركة المباركة بمشروع نهضة حقيقي يحمل معه الأمل لأبنائنا في مستقبل قريب، يضع مصر في مصاف الدول المتقدمة، بل على رأسها بإذن الله.

 

وإن الدعوات الصادقة والحركات الربانية لا بد لها من ابتلاء، ولا بد لها من تصفية للصفوف، ولا بد لها من جنود يحتملون في سبيلها الكثير من الإيذاء، ويصبروا ويثابروا ويعملوا في صمت بجد واجتهاد دون انتظار الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى، وساعتها فسيأتي النصر لا محالة.

 

أخوات مصر على قلب رجل واحد على الدرب سائرون، وبالحق مستعصمون؛ حتى يقدر الله لبلادنا الخير كله.