مع بروز تحولات سياسية فرضها واقع ربيع الحريات، فقد تمخضت الكثير من الآمال والطموحات، إلا إن عملية التنمية لا ترتبط فقط بآمال وطموحات البشر بل بما يملكونه من استعداد لتطبيق برامج منظمة وواعية تسعى في اتجاه تحقيق أهداف محددة- ضمن رؤية مشروع حضاري- واضحة جلية تتناسب مع الطموحات والآمال وتحترم الإمكانيات والقدرات وتمثل القوى المحركة والعنصر الدافع باتجاه شحذ الهمم وجمع الطاقات، وإن ما تتطلع به وسائل الإعلام في أي مكان في العالم لهو دور حساس وفارق في حياة الشعوب والأفراد فقد أصبحت بفعل التطور التكنولوجي وانتشار وسائل البث والنقل أحد أهم وأبرز مصادر المعرفة والمعلومات في العالم، ولقد كان لوسائل الإعلام التأثير الأكبر خلال عقود منذ تحول النظام الدولي إلى مرحلة العولمة.

 

إلا أن المتابع والمشاهد لحال إعلامنا يجد أن هناك انفصالاً تامًّا بين الإعلام والشارع بين المرحلة والمادة المعروضة بين الواقع والبث، فالإعلام احترف التزييف أكثر منه باحث عن الحقيقة ولم يعد يمثل جزءًا ولو يسيرًا من كونه ضمن منظومة البناء ورغم تغيير قيادات إعلامية إلا أن العقلية ما زالت كما هي والعجيب أن أنصار أعداء الثورة أصبحوا الآن وبكل بجاحة وعدم تقدير هم أنصار الثورة إلا أن السم الذين ينفثوه في العسل أصاب البلاد والعباد وإن لم نفطن ونقف في وجههم فستكون المضرة عظيمة وستكون التنمية الحقيقية حلمًا ربما لن نبلغ مداه.

 

أهمية الإعلام

في ظل مرحلة إعادة وبناء الدولة التي تمر بها مصر الآن فإن النوايا حقيقة لا تكفي وإن كانت لها أهمية، كما أن الأمر ليس يسيرًا فالحاجة الآن ملحة لكل يد وكل جهد وكل بذل وعلينا جميعًا أن تتكامل أدوارنا لنبني هذا البلد، ويعد الإعلام مهمًّا لبناء الدولة، بل يعد من مقومات السيادة الوطنية ورموزها، لما له من دور في شرح القضايا وطرحها على الرأي العام، من أجل تهيئته إعلاميًّا، بجانب قدرته على تصويب الخطأ وكشفه ونشره، فهو بما يملكه من جيوش من العاملين المسلحين بأشد الأسلحة الفكرية والمعلوماتية فتكًا يستطيع أن يبني ويستطيع أيضًا أن يهدم.

 

ونستطيع أن نجزم بأن وجود سياسة إعلامية متميزة صادقة تهتم بالقضايا المثارة وتكشف الحقائق بشكل قوي مؤثر، من شأنه أن يحرِّك عقول الناس ويدفع بهم باتجاه تحقيق النجاح، خاصة إن كانت الرسالة الإعلامية رسالة إيجابية محفزة لا تهتم بالسلبيات على حساب الإنجاز ولا تسبح بالناس في أحلام اليقظة بل تضعهم على الحقائق وترسم لهم الطريق فالبشر بطبيعتهم يحبون الحماسة وينتظرون المبادرة قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ) (النساء: من الآية 83).

 

إعلامنا المتهالك

حقيقة المتتبع للسواد الأعظم من قنوات الإعلام المصري الفضائية والحكومية يصاب بالغثاء إن لم يصبه الاكتئاب والتشاؤم من تحيز الطرح وانتهازية الموقف وعدم الوعي والإحساس بالمسئولية، فمن له مصلحة في حملات التشويه والتشكيك في الرموز والقيادات والتيارات، ولمصلحة من يُزور التاريخ وتُزيف الحقائق ولمصلحة من تلمع قضايا ونشغل الناس بها وننسى ونتناسى قضايا أخرى لا تقل خطورة وأهمية، لمصلحة من ينقلب الإعلاميون المحسوبون على نظام بائد دعموه حتى آخر لحظة، لمصلحة من بكاء أ. منى الشاذلي و. سيد علي، أ. لميس الحديدي، أ. خيري رمضان....- والقائمة معروفة وللأسف طويلة جدًّا- على الثورة والديمقراطية التي وقفوا في وجهها وزينوا لأصحاب السلطة والنفوذ في عهد المخلوع وزبانيته ألم تدمع عين إحداهن عليه ألم يكن يدعون على من هم في الميدان أنهم قلة مدعومة من الخارج ألم، ألم..........، ولأن إعلامنا متهالك ما زال هؤلاء وأمثالهم يخرجون علينا دون مراعاة لتاريخ أسود هم من سجلوا صفحاته، فمن العجب أن تقول إحدى المذيعات لضيفها د. محمد البلتاجي إننا كنا نواجه أمن الدولة سابقًا لأنه كان يعتبرنا مع الإخوان ضده وساعتها خرج الرجل عن صمته ليسألها بأي أمارة؟!!!!!!!، حقًّا بأي أمارة!!!!!!!!!!

 

إعلام التزييف

إن أخطر ما في مرحلة فوضى ما قبل البناء سلوك وأسلوب الفواعل المنوط بها هذه العملية، لكن هل حقًّا جميعنا يعلم الهدف ووضوحه؟ وهل حقًّا جميع من يعرف الهدف يعمل لأجله؟ وهل حقًّا؟ الكل يدافع عن مصلحة مصر ويستطيع أن يتقدم ويحمل العبء؟، فالعجيب أن ينتقد من يقول إنني على استعداد لتحمل مسئولياتي كاملة من واقع المسئولية التي تقع على عاتقي وتخرج القنوات والصحف لتهاجم وتتهم وتشكك ونترك من يهرب ويعطل ويحرق.

 

إن فساد الإعلام بقنواته ومؤسساته راجع بالأساس أن الأهداف متضادة فهناك من هدفه إحياء مصر وإن مات في سبيل ذلك وهناك من يريد أن تموت مصر كي يحي ويعيش هو وينفد بجلده ومصائبه وبلاويه فكم من القائمين على الإعلام وأنصارهم وزبانيتهم يعلم جيدًا أنه عاجلاً أم آجلاً سيأتي دوره ويحاسب وكم منهم يعلم أن مصالحه وحياته في خطر ولم يعد هدفه مصر ولا شعبها فقد أصبح ذلك في كفه ومستقبله وحياته في كفه.

 

انتقائية الطرح

إن أكبر صورة تؤكد المنهج السلبي للإعلام هو انتقائية الطرح في القضايا والموضوعات المطروحة والمتناولة ففي وقت الأزمة الناس تحتاج إلى الأمل وفي وقت الفوضى الناس تحتاج إلى من يهديهم للطريق، ولعل جرم التزييف الذي ينتهجه إعلامنا بدا واضحًا في قضايا عدة وكان آخرها لجنة تعديل الدستور فلمصلحة من يتحدث الإعلام ليل نهار عمن هم خارج اللجنة ويتركون من هم داخلها؟ لمصلحة من نقول إن د. عبد الرحمن البر هو من قيادات الإخوان دون أن نقول إنه عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر؟، لمصلحة من نقول إن المستشار حسام الغرياني محسوب على التيار الإسلامي وكأنه سبة ولا نقول إنه إسلامي يعمل رئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس محكمة النقض، وأحد أكبر رموز الدعوة إلى استقلال القضاء، لمصلحة من إن لا يعرف الناس أن اللجنة تضم د. معبد الجارحي الخبير المالي لمصرف الإمارات الإسلامي، وحصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة جنوب كاليفورنيا، وهو متخصص في الاقتصادات المالية والنقدية والاقتصاد الإسلامي، وأمين عام مجلس محافظي المصارف المركزية والسلطات النقدية العربية، وعضو هيئة التدريس بمعهد السياسات الاقتصادية، صندوق النقد العربي. مدير المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب مجموعة البنك الإسلامي للتنمية جدة، ولمصلحة من يتكلم الإعلام عن الإخوان دون أن نقول إن الإخوان لم يتهموا في قضية شرف ولا خيانة ولم يثبت عنهم أنهم سارقون أو مارقون.

 

بل لم يقف الأمر عن ذلك ففي وقت تستعر فيه الأقلام ضد الإخوان المسلمين لم يتحدث أحد عن بيان العسكر الذي هدد صراحة بأنه سينقلب على الديمقراطية وكأنه حين يعتقل الإخوان فهذا لن يؤثر على مصر، بل لم يتحدث الإعلام عن تلك الأخبار التي تناقلتها المواقع والألسنة حول تهديد العسكر بالانقلاب على الدستور وحل المجلس الذي جاء بانتخابات لم تشهدها مصر منذ تاريخها الطويل ولكن لأنه ليس على ما يريدون فلا بأس أن تم حله، ولمصلحة من لا يتحدث أحد الآن عن المخلوع وزوجته وعملائه في الخارج ولمصلحة من لا تتحدث القنوات الرادحة ليل نهار عن الفلول وترشحهم ولمصلحة من لا يتحدثون عن تزييف التوكيلات وسرقتها الكل يتحدث عن حازم أبو إسماعيل وهل أمه أمريكية أم مصرية ولكن كم منهم تحدث عن سليمان وشفيق وموسى وبلاويهم وبجاحتهم!!!!!!.

 

ترشيح الشاطر

حادثة أخرى شاهدة على هذا المنهج المنحرف الذي ينتهجه بعض وسائل الإعلام المصري، ففي ظل متغيرات تشهدها مصر وفي ظل وقائع عصيبة تحتاج إلى مكاشفة يترك الإعلام كل ذلك من الحديث عن حكومة ضعيفة تصدر الأزمات يترك الحديث عن ميزانية تطرحها الحكومة وستكون قيدًا في رقابنا لصالح القوى الغربية يترك الحديث عن أزمات البنزين والتلوث والأمراض والأمن والبلطجة ليتحدث عن كذب الإخوان وصدقهم بل الأغرب أنهم لا يتحدثون عن الرجل وصفاته فهذا لا يهم ولا يهم لماذا اتخذ الإخوان القرار ولماذا طرحوا مرشح فهذا لا يعنيهم حتى لو كان السبب هو تهديد الديمقراطية والثورة التي يتباكوا عليها.

 

أيها الإعلام أليس القرار تعبيرًا عن نضج سياسي وقبول بأوراق الديمقراطية، أليس ما قام به الإخوان هو في مضمار التنافس المفتوح أمام الجميع ماذا لو اتخذت جماعة الإخوان قرارات تعسفية وهي تستند إلى تأييد شعبي وتنظيم يتمتع بثقة وولاء أعضائه لم يشهد لجماعة غيرها عليه؟، ماذا لو كان الإخوان كطالبان هل هذا ما تريدون الحديث عنه؟، هل رشح الإخوان رجل عليه شبه واحدة لم يستطع حتى الآن إعلامي واحد أن يثبت في حق الشاطر وجماعته سبة أو تهمة تعيبه بل كل ما يعيبه من وجهة نظرهم أنه رجل اقتصاد ناجح له علاقات مع دول ومؤسسات عالمية؟!!!

 

وأخيرًا إن على الشرفاء من أبناء الأمة من الإعلاميين أن تتجمع رؤيتهم وتتوحد أقلامهم ليس للاستشفاء أو الردح بل لتصحيح المسار ومواجهة العوج ولا بد من إيجاد قنوات وصحف ومؤسسات إعلامية تكملك رؤية وهدف وتتغلب على التحيز والتآمر لصالح هذا البلد في ظل ما نعيشه من ظرف حساس وفترة عصيبة.

---------------------------------

* باحث علوم سياسية ومحرر بمجلة "المجتمع" الكويتية