إن أخطر ما تصاب به الأمم، أن تصاب في دينها وقيمها وتظهر آثار هذا الخطر فيما تعانيه الأمة المصابة من انحلال العزيمة، وغياب الهدف، وضعف الحافز، وفقدان الثقة بالنفس، مما يجعلها هدفًا لأعدائها ولقمةً سائغةً في فم المتربصين بها، ومهما حاول المخلصون من أبناء هذه الأمة أن يوقفوا سقوطها أو يكملوا نقصها، ويتولوا ستر هذه الأمراض بالتجميل والترميم، بعيدًا عن معرفة أسباب الداء، والشروع الصادق في تقديم الدواء فلن تفلح هذه الجهود مهما عظمت، ولن تجدي تلك المحاولات مهما صاحبها من دواعي الإخلاص والإتقان.
إن الطريق واضحة بينة، والبدء بالإصلاح له أدواته ووسائله، ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأول الإصلاح وأعظمه هو إصلاح النفوس وتهذيبها، والصبر على تخليصها مما خالطها من شوائب الجهل، وما استقر فيها من رواسب الخرافات.
وما سيطر عليها من خلل في الفهم وخطأ في التصورات، فهذا الخلل الذي أصابها أفقدها القدرة على وضوح الرؤية، وحال بينها، وبين سداد الرأي وإصابة الهدف، وصدق الشاعر الحكيم حيث يقول:
يُقْضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حَسَنًا ما ليس بالحَسَنِ
ومن هنا كان ضروريًّا أن نبدأ الإصلاح من بدايته الصحيحة، وأن ندخل إليه من بابه الحقيقي، وهذا الباب الذي يؤدي إلى الإصلاح قد تعبت البشرية في البحث عنه طويلاً، وظهرت آثار بحثهم في ركام هائل من الفلسفات والاجتهادات والتجارب والمحاولات، وظهرت في عالم الفكر مدارس واتجاهات، بدءًا من (جمهورية أفلاطون) ورؤيته المثالية، ومرورًا بمحاولات ماركس وفلسفته الشيوعية، ووصولاً إلى رؤية جون ديوي ونظريته البرجماتية، وانتهاء بفوكوياما، وهنتنجتون، ورؤيتهما العنصرية الاستعلائية التدميرية، التي تقوم على فكرة (صراع الحضارات)، وهي الفلسفة التي تغذي عقول القادة السياسيين في أمريكا ويصدرون عنها في اتخاذ قراراتهم التي يقودون بها الأرض، ويشكلون على أساسها طبيعة العلاقة مع الناس شعوبًا وحكومات.
طبيعة العقل البشري
وإذا كانت تلك الفلسفات قد جاءت نتيجة إعمال العقل البشري وإقحامه في الحكم على كل شيء، حتى فيما لا طاقة له بالنظر فيه، أو الوصول إليه، مثل المعنويات والروحانيات والغيبيات، فهذا- يعني بداهة- عجز هذه الرؤية وقصورها، مهما بذل الفلاسفة والحكماء من جهود، ومهما اجتهدوا وأبدعوا من تصورات، لأن العقل البشرى نفسه غير قادر على الإحاطة بالمطلق، واستيعاب اللا محدود، وإنما سيظل أسيرًا لما يحسه ويلمسه ويعقله من هذه المحسوسات والمعقولات، أما ما عدا ذلك من أمور الخلق والتكوين والرزق والإحياء والإماتة والبعث والحشر والنشور، وما يحفز الإنسان للعمل وما يحجزه عن الضرر، وما يمنحه الشعور بالأمان والاطمئنان وراحة الضمير، هذا كله لا تعرفه تلك العقليات الجامدة الجاحدة، وإنما هو شأن الله الذي له الخلق والأمر.
وإذا عرفنا أن تلك طبيعة العقل البشري من القصور والعجز والوقوف عند ظواهر الأشياء وعدم الإحاطة بما لا يقع تحت إدراكه، أدركنا سبب ما يعانيه الغرب من أزمات واضطرابات، وقلق، وانتحارات، ورغبة في التخلص من الحياة، عندما تغدو في نظر أصحابها عبئًا ثقيلاً وكابوسًا لا يطاق، وهذا ما عبر عنه الشاعر اللبناني (إيليا أبو ماضي) بقوله:
جئت لا أعرف من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى أمشي هكذا إن شئت هذا أو أبيت
كيف جئت.. كيف أبصرت طريقي.. لست أدري
أنا أصدق كل من لم يقرأ القرآن ليتلقى حقائق الكون عن رب الكون إذا قال لست أدري.
الإيمان كبرى المنن
"إن الإنسان يدعي العلم، وهو لا يعلم نفسه، ولا ما يستقر فيها من مشاعر، ولا يدرك حقيقة نفسه، ولا حقيقة مشاعره، فالعقل نفسه لا يعرف كيف يعمل، لأنه لا يملك مراقبة نفسه أثناء العمل، وحين يراقب نفسه يكف عن عمله الطبيعي، فلا يبقى هناك ما يراقبه! وحين يعمل عمله الطبيعي لا يملك أن يُشغل في الوقت ذاته بالمراقبة!.
ومن ثم فهو عاجز عن معرفة خاصة ذاته، وعن معرفة طريقة عمله!، وهو هو الأداة التي يتطاول بها الإنسان".
"إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله ابتداءً لهذا العبد، وسائر ما يتعلق بالوجود من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع.
إنها المنة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة، وتجعل له في نظام الكون دورًا أصيلاً عظيمًا"(1).
إن البداية الحقيقية ينبغي أن تبدأ بمعرفتنا بأنفسنا واكتشافنا للمهمة العظمى التي من أجلها خلق الإنسان، وهذا ما نرجو أن نُوفق إلى معرفته فيما سيأتي من لقاءات.
------------
1- في ظلال القرآن- سيد قطب ط 7 ص 3350 – دار الشروق.