كانت تطورات الأحداث على مسمع ومرأى من الجميع، وكانت آراؤنا متباينة للغاية، وشخصيًّا ناصرت عدم ترشيح إسلامي أصلاً، ورأيت أن ذلك مما يستفز القوى المعادية لمصر، ويجرنا إلى مواجهات لم نستعد لها بعد، لكن الأحداث أظهرت أن تهديد الثورة أصبح من الداخل، وأن النظام السابق بدأ يتماسك، لا سيما بعد أن أدارت الدبلوماسية الأمريكية والأوروبية ظهرها "للعسكري", وانشغلت بالقادم الجديد على مسرح القيادة السياسية المصرية، وهم في مجموعهم مستقلون ولديهم مشروع وطني سواء أكانوا من الأغلبية الإسلامية أم من المعارضة بجميع أطيافها، وافتعل "العسكري" قضية "المنظمات المدنية" ليقول للأمريكان: نحن هنا.

 

وتسارعت وتيرة الانقلاب على الثورة بعد التفاهمات الأمريكية مع "العسكري"، تلك التي تذكرنا بتفاهم السفيرة الأمريكية في العراق "إبريل جيلسبي" مع "صدام" والتي منحته الضوء الأخضر لغزو "الكويت" ثم انقلبت عليه، ودخلت المنطقة عسكريًّا ولم تخرج منها.

 

والآن فإن الجميع مدعو للتفكير بعمق في قراره، وهل سيكتفي بتوازنات المصالح، واللجوء إلى الصخب الإعلامي، أم سيضع يده مع القوة العاقلة التي تعرف متى تثور ومتى تفاوض ومتى تضغط ومتى تواجه.

 

لقد اختار "شورى الإخوان" قرارًا مؤلمًا بكل ما تعنيه الكلمة، وعرَّضوا أنفسهم لكل السهام المسمومة، ووضعوا أعضاءهم في مواجهة عواصف عاتية من الإعلام، ومن مناصري المرشحين الإسلاميين..... والأهم من ذلك أن القرار يرفض بكل إباء أي (فوقية) أو (استعلاء) للعسكر.... لكنهم وضعوا الجميع أمام ضمائرهم:

 

وضعوا "شباب التحرير" الغاضبين من "الإخوان" أمام اختيار الوحدة رغم الخلاف، أم خيار الانحياز إلى المجهول والغضب العارم غير الممنهج.

 

وضعوا المرشحين الإسلاميين الذين وعدوا بعدم تشتيت الأصوات أمام اختيارين، إما أن يتمسكوا بالمنافسة ويتذرعوا بكل الأسانيد (التي نحترمها)، أو أن يناصروا مشروعهم الذي يحميه "الإخوان" كظهيرٍ شعبي يوثق في متانة بنيانه وسلامة مقاصده.

 

ووضعوا "قادة الرأي" أمام اختيار التروي والكلمة المسئولة، أم اختيار اشتهاء التفنن في ادعاء ما لم يحدث والتضحية بسمعة جماعة وطنية، لإثبات الاختلاف والتميز.

 

ووضعت "أبناء الجماعة" ممن تركوها اختلافًا، أو غضبًا.. أمام موقفين؛ إما استغلال الحدث وتصفية الحسابات ونسيان خطورة اللحظة الراهنة، أم النزاهة المتوقعة من أمثالهم في الانحياز لضمائرهم التي نثق في نقائها، ونثق أنها ستدفعهم إلى مناصرة "الجماعة" في هذه الأوقات العصيبة.

 

ووضعت "أبناء الاتجاه السلفي" أمام اختيار صعب؛ إما التوحد مع من يثقون فيه ويحقق مشروعهم ويستكمل الوحدة بين أبناء المشروع الإسلامي بجميع أطيافه، أو الاستمرار في دعم مرشح عزيز لم يحظ بعد بالإجماع الإسلامي عليه.

 

لقد شعر "العسكري" بالتحركات الإخوانية الخارجية التي أسفرت عن نجاحات مذهلة، واتفاقات رائعة لإنقاذ الاقتصاد الوطني، فكان أن استخدم "الجنزوري" ليحبط أي نجاح عن طريق "الإخوان"، حتى يظل الشعب رازحًا تحت نير الكوارث اليومية التي تدفعه للاستسلام لحكم "العسكر"..

 

أمامنا فرصة التوحد تحت راية قوية، وطنية، غير مستعلية، تجمع ولا تفرق، تحنو ولا تجرح.

 

أمامنا جماعة قوية تحظى بثقة الأجنبي قبل الوطني بأنها مسئولة، وأنها جادة.. وعندنا ضمائرنا التي ما فتئت تلهج بحب الوطن.

--------------------------

* Mohamedkamal62@gmail.com