بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

في أدبياتنا نحن الإخوان المسلمين أن من أفضل ما يرشد فكرنا ويصحح خطونا هو النقد الذي يوجه إلينا، ولكن بأدب النقد ومراعاة الخلق والدين حين ننقد، لا مجرد ترديد الشائعات والكلام المغرض، فحين يرون توافق في وجهات النظر بين الإخوان والمجلس العسكري يروجون لأحاديث الصفقات، ويحاولون جر المجتمع والإخوان لصدام مفتعل مع المجلس العسكري، وحين يرون اختلافًا في وجهات النظر يروِّجون لأحاديث الصدام الذي سيجلب به الإخوان الدمار على البلد، ويتحول المجلس العسكري إلى ملائكة، ويطلب منهم رد الإخوان إلى السجون.

 

وفي أدبياتنا أيضًا كإخوان مسلمين عدم تجريح الهيئات والأشخاص، ولكن نبين اللبس ونوضح الخطأ ونجلي الحقيقة مع الحفاظ على عفة لساننا ومنزلة مخالفنا، وأصدقاؤنا الليبراليون هم شركاؤنا في الوطن وشركاؤنا في الثورة، ومنهم العلماء والعقلاء، ولكن للأسف بعضهم هاله حجم التيار الإسلامي في الشارع المصري وحجم ما حققه من مكاسب سياسية، فبدأ يصب جامَّ غضبه على القلب من هذا التيار "وهم الإخوان المسلمون"، ويهاجمونه بحق وبغير حق، وليس معنى كلامي أن الإخوان لا يخطئون، فالساحة السياسية في مصر معقدة للغاية، وفيها تداخلات وتدخلات من جهات كثيرة داخلية وخارجية، والخطأ في تقدير المواقف والموازنة بين المصالح والمفاسد وارد جدًّا في هذا الظرف الاستثنائي، ولكن الخطأ في طريقنا لا يبرر للآخرين محاولة تدميرنا، وهو ما لن يحدث بإذن الله، فهذا يرفع قضية لحل الجماعة، وذاك يطالب المجلس العسكري بأن ينقلب على الإخوان، وإعادتهم إلى السجون، وآخرون يطالبون بحلِّ مجلس الشعب، وآخرون يمولون حملات إعلامية لتشويه الجماعة.. وهكذا.

 

وأنا ما زلت آمل وأتمنى أن يجمع الله الشمل من أجل مصلحة هذا الوطن، وأن يلجأ إخواننا من مخالفينا إلى الطريق الصحيح لمعالجة ما يرونه خطأ بالحوار الهادئ البناء وليس بتلفيق التهم ونشر الشائعات عبر وسائل الإعلام.

 

وأريد هنا أن أوضح بعض الأغاليط والبدع السياسية التي يروج لها البعض على الساحة المصرية.

 

فمن هذه البدع:

بدعة الموازنة: فعندما اكتشف أصدقاؤنا الليبراليون حجمهم في الشارع المصري أطلقوا بدعة الموازنة- وانطلت للأسف على الكثيرين- هذه البدعة التي لم تحدث ولم نسمع بها في أي انتخابات في العالم أو في أي عمل سياسي في العالم، فكل مَن يخوض العمل السياسي في العالم يطمح إلى أغلبية مريحة- خمسين في المائة زائد واحد- إن لم تكن أغلبية مطلقة تمكنه من تنفيذ برنامجه دون تهديد من حلفاء ليسوا على نفس النهج، وتأملوا معي في برلمانات العالم نجد أفشلها البرلمانات التي ليس فيها أغلبية مريحة لأنه عند أول خلاف بين المتحالفين ينسحب أحدهم فتسقط الحكومة وتعطل البرامج، وتتوقف عجلة النمو، وهذا جلي واضح في الحالة اللبنانية، وكان واضحًا أيضًا في الحالة التركية، فإن نجم الدين أربكان أذكى وأدهى سياسي من أردوغان ولكنه لم يحقق النتائج المرجوة التي حققها أردوغان؛ لأنه لم يشكل حكومة واحدة أبدًا، بل إن هذا واضح تاريخيًّا فإن الإمام علي رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين كان من أذكى وأشجع الصحابة ومع ذلك لم يفتح شبر أرض واحد في عهده، وذلك بسبب كثرة المناهج والخلافات من حوله.

 

بل إن فكرة الموازنة هذه هي ضد فكرة الديمقراطية أصلاً فإن الديمقراطية هي أن يتنافس أصحاب المناهج المختلفة ويترك للناس حرية المقارنة والاختيار دون التأثير عليهم بفكرة أن تيارًا واحدًا سيستحوذ على كل شيء.

 

بل إن أفشل الدول هي التي لا يوجد تناغم وتناسق بين جميع مؤسساتها، فكيف يكون رئيس البرلمان له فكر ورؤية، ورئيس الحكومة له فكر ورؤية، ورئيس الدولة له فكر ورؤية، فلا بد أن يحدث التناحر والاختلاف والخاسر هو الوطن، وهذا وضح أيضًا في النموذج اللبناني.

 

ومن هذه البدع أيضًا:

بدعة الهجوم على الفائز: ففي كل الديمقراطيات في العالم لا بد من فائز وخاسر، ونجد الخاسر يهنئ الفائز ويعترف بأخطائه إلا في الحالة المصرية، فعندما انهزم الليبراليون بدءوا هجومًا كاسحًا على جموع الشعب، فاتهموا الشعب أنه جاهل وأمي وساذج، يُضحك عليه بالزيت والسكر، ولما وجدوا أن هذا الهجوم أضر بهم بدءوا الهجوم على الفائز نفسه، وقاموا بحملة تشويه منظمة، وحملة استدراج إلى معارك جانبية، وها هم اليوم يجددون الحملة، ويجددون نفس الوسائل القديمة بداية من اتهام الإخوان بأنهم طلاب سلطة ومناصب، وهذه البدعة ذكرتني بما قاله الدجوي رئيس محكمة الشعب التي كانت تحاكم الأستاذ سيد قطب حين قال له الدجوي: أنتم تريدون السلطة يا سيد، فرد عليه قائلاً: هذا أمر بسيط لا يستحق كل هذا العناء، فطريق السلطة معروف.

 

وفعلا فطريق السلطة معروف؛ ألم يكن بإمكان رجل الأعمال الإخواني حسن مالك مع قليل من النفاق والإنفاق أن يصبح من أركان النظام السابق بدل أن يُعتقل وتصادر أمواله وتغلق شركاته؟، ألم يكن بإمكان العقلية الاقتصادية الجبارة خيرت الشاطر أن يصبح كذلك بدل ذلك، ألم يكن بإمكان الملياردير الإخواني يوسف ندا أن يكون وزيرًا أو حتى رئيسًا للوزراء في أي حكومة من حكومات النظام السابق؟.

 

وهذه الفرية مضحكة حقًّا لكل مَن يعرف الإخوان أو شاركهم في بعض أعمالهم، فإن الإخوان يصرفون من أوقاتهم وأقواتهم ما يحاولون به إصلاح شأن بلادهم- احتسابًا لوجه الله ورضاه- في حين أن منتقديهم من المليونيرات المعروفين لم يفكر واحد منهم في إنشاء مستشفى مجاني أو أي عمل إنساني.

 

ثم بدءوا مرة أخرى تكثيف الهجوم من خلال ما حدث في تأسيسية الدستور- بالرغم من كوني كنت أميل إلى أن اللجنة الدستورية تشكل من خارج البرلمان أو على الأقل ثمانين بالمائة من خارج البرلمان- إلا أن الذي وقع حدث بالانتخاب والتصويت الحر وليس بالتزوير.

 

وكثير من دساتير العالم يشكلها البرلمان- على عكس ما يروجون له- وإن كان الأصوب أن تتشكل بالتوافق، وهذا ما سيحدث فعلاً في الحالة المصرية، فليس هناك إشكال في من سيكتب الدستور، وإن كان ذلك مهم، ولكن المهم حقًّا هو كيف سيُكتب الدستور؟ وهل سيحافظ على هوية الأمة أم لا؟ وهل سيحافظ على الحريات العامة أم لا؟ بالرغم من أن الإخوان بُحَّ صوتهم من قول إن الجميع سوف يشارك في كتابة الدستور ومن لم يشارك بشخصه فليشارك برؤيته، وإن الدستور سيعرض للنقاش العام قبل الاستفتاء عليه.

 

أخيرًا أدعو الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء الجميل الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أحوج ما نكون إليه اليوم:
عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد:

 

"اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك وأتممها علينا" رواه أبو داود في سننه وسكت عنه، وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح.

 

حفظ الله لمصر دينها وشعبها حاضرًا ومستقبلاً.