"ضجيج بلا مبرر" هو عنوان مسرحية شهيرة لشكسبير، وخير وصفٍ للمشهد السياسي الحالي وحالة الشحن غير المبررة التي يستخدمها الإعلام المصري لإيهام الشعب المصري بأن الإخوان المسلمين يستأسدون على المواطنين، في محاولةٍ للسيطرة التامة وفرض الرأي عليهم بدء من سيطرة الأغلبية على البرلمان ثم زرع سياسة التخويف من كتابة الدستور وفقًا لأهواء ورؤى الأغلبية الإسلامية، والتي ستدعو إلى التخلف والرجعية وضد حقوق الإنسان والمواطنة على أية حال، وهو الأمر الذي فتح أوسع الأبواب أمام الأقلية لتضخيم الحدث وبث الرعب والذعر من الإسلاميين وأفكارهم، وخلق حالة من الانفصام داخل المجتمع المصري وكأنَّ الإسلاميين فئة منفصلة وغير معبرة عن الأغلبية.

 

ولعلنا ذكرنا مرارًا وتكرارًا بأن الاختلاف سنة من سنن الحياة، ولكننا في بعض الأحيان ندعو إلى قبول الاختلاف ونرفض تطبيقه، ولطالما نادينا بالديمقراطية وكلما خطونا خطوة جادة نحو تحقيقها تعثرنا في عدة عثرات بزعم بأن الإسلاميين يمارسون الديكتاتورية ضد المجتمع وكأنَّ حصولهم على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية والنقابية يعد سبة على جبينهم والمطلوب منهم التبرؤ من هذا الأمر إرضاء للأقلية.

 

ومع هذا الضجيج غير المبرر برزت قضية جديدة مفتعلة، وهي الأسماء المرشحة لعضوية الجمعية التأسيسية لوضع الدستور المصري الجديد، والزعم بأن الأسماء المرشحة بالجمعية التأسيسية لا تمثل جميع الفئات والطوائف المجتمعية، وإنما تُعبِّر فقط عن الإسلاميين وهو ما يعكس دستورًا أحادي الجانب ينتج مصر أفغانية متطرفة، ومن هنا تبدأ وسائل الإعلام في تسخير جميع برامجها في السخرية والهجوم على الإسلاميين وإثارة الذعر من دستور يخط بأيدي فئة غير واعية وغير معبرة عن جموع المواطنين!!

 

وهو ما يفرض علينا عدة تساؤلات، وهي: هل من المفترض أن تخضع الأغلبية للأقلية حتى نصل لمرحلة الحياد؟! وما الداعي إذن للانتخابات والاستفتاءات، طالما أن القواعد ثابتة وستفرض على الجميع بغض النظر عن الحجم الذي يمثله كل طرف بالمجتمع، ولماذا من الأساس نضع الفواصل الحادة التي تقسم المجتمع إلى أغلبية وأقلية في حين أن المواد المختلف عليها في الدستور مواد تعدُّ على أصابع اليد الواحدة، فضلاً عن أن دور الجمعية التأسيسية التي ستضع مواد الدستور هو تقديم مشروع الدستور لعرضه على المواطنين من خلال استفتاءٍ شعبي، فإذا كان الجمهور في النهاية هو الحاسم للنزاع فلماذا نخشى حكمه؟ وهل نشكك في نزاهة الانتخابات والاستفتاءات أم نؤمن حقًّا بها، إذن فوسائل الإعلام حاليًّا تدفعنا دفعًا إلى دوامة التناقض مع أنفسنا لنختلف لمجرد الخلاف مع الإسلاميين وننفصل عنهم؛ وذلك من خلال اتباع أصحاب الحملات المنظمة لدحض أي محاولةٍ للتقدم ولو لخطوة واحدة للأمام طالما أنهم لا يقفون في صدارة مشهد التغيير.

 

وحتى لا نتبع آراء الآخرين دون أن نفهم ونعي حقيقة الأمر عليك عزيزي القارئ أن تعرف بعمق ثم تحكم بروية على الأحداث، فالجمعية التأسيسية التي يزعم البعض بأنها تخلو من التمثيل القضائي تضم 20 شخصية من رجال القضاء والقانون والفقه الدستوري مثل المستشار حسام الغرياني الذي يُوصف بشيخ القضاة والمستشار علي عوض صالح نائب المحكمة الدستورية العليا، والمستشار عادل عبد الحميد رئيس محكمة النقض ووزير العدل حاليًّا والمستشار يحيى الدكروري والمستشار عبد الله قنديل والمستشار محمود الخضيري والفقيه الدستوري الدكتور عاطف البنا، والأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين، والأستاذ مجدي شنودة محامي الكنيسة المصرية، والفقيه القانوني الدكتور محمود السقا، والدكتور نصر فريد واصل مفتي الجمهورية، وأستاذ الفقه المقارن، وغيرهم من القامات القانونية والدستورية التي لا يسع المجال لذكر مواقف وتاريخهم النزيه.

 

بينما يدَّعي البعض أن الجمعية التأسيسية لم تضم الأدباء والمفكرين والمحللين السياسيين والأكاديميين، وإليك بعض من القامات الأدبية والفكرية والسياسية التي ضمتها الجمعية التأسيسية الشاعر فاروق جويدة، والمفكر الدكتور محمد عمارة والدكتور عمرو الشوبكي والناشط السياسي اليساري عبد الغفار شكر، والكاتب الصحفي ممدوح الولي نقيب الصحفيين، والدكتور وحيد عبد المجيد، والاقتصادي وحيد عبد المجيد، والدكتور عمرو حمزاوي، وغيرها من الأسماء التي لا تقل أهميةً عمن تم ذكرهم، وهم يمثلون جميع الأطياف والفئات بالمجتمع، وبينما لم يمثل الإسلاميين 75% من القائمة، كما زعم البعض، وإنما جاء تمثيلهم بنسبة تقل عن 48% رغم حصولهم على أكثر من 70% من أصوات المصريين؛ ولذلك فإن ما يحدث حقًّا هو ضجيج بلا مبرر!