هو أبو القوانين الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم فيها وشكل حكومتها، كما ينظم السلطات العامة للدولة من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات فيما بينها وحدود كل سلطة، فضلاً عن الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات والضمانات لها تجاه السلطات المختلفة.
ولأنه الدستور الذي يحدده الشعب لأول مرة في تاريخ مصر الحديث والقديم، احتل الجدل حوله مساحات واسعة من اهتمام المصريين، وتعددت تساؤلاتهم حول ماهيته وأبرز ملامح التغيير في صورته القادمة، وكيفية تنظيمه لمسألة السلطات، والحكم وحقوق الأفراد وغيرها، ومن ثم طرح "إخوان أون لاين" تلك التساؤلات مع الخبراء في التحقيق التالي.
من 82 إلى 2011م
ويعود تاريخ الدستور المصري إلى الفترة ما بين عامي 1805 و 1882م حيث شهدت البلاد نضالاً طويلاً للشعب المصري انتهى بإصدار أول دستور للبلاد سنة 1882م في عهد الخديوي توفيق، ثم ما لبثت سلطات الاحتلال الإنجليزي أن ألغته، ولكن الشعب المصري واصل جهاده إلى أن صدر دستور 19 أبريل سنة 1923م وظل معمولاً به إلى أن ألغي في 22 أكتوبر سنة 1930م؛ ليعود العمل به مجددًا في ديسمبر 1935م، وبعد قيام الانقلاب العسكري سنة 1952م صدر أول إعلان دستوري أعلن فيه باسم الشعب سقوط دستور سنة 23 وفي 10 فبراير سنة 1953م صدر إعلان دستوري ثان متضمنًا أحكام الدستور المؤقت للحكم خلال فترة الانتقال.
وظل العمل مستمرًا بالإعلان الدستوري الصادر في 1953م حتى استفتاء يونيو 1956م، وكانت نتيجته بدء العمل بدستور 56، وفي عام 1958م وأثر قيام الجمهورية العربية المتحدة باتحاد سوريا ومصر أعلن دستور الوحدة في مارس من ذاك العام، واستمر العمل به حتى مارس1964 م وعندما صدر دستور مؤقت لمصر التي بقيت تعرف رسميًّا باسم الجمهورية العربية المتحدة وبعد ترك مصر لاسم "الجمهورية العربية المتحدة".
وفي 11 سبتمبر أعلن دستور 1971م، والذي أجريت عليه عدة تعديلات كان أولها في 30 أبريل 1980م، والتعديل الآخر كان في 2005م لينظم اختيار رئيس الجمهورية بانتخابات مباشرة، فيما عرف بتعديل المادة 76؛ ليعود ويعدل مرة أخرى في 26 مارس 2007م.
وكان آخر تعديل للدستور بعد قيام ثورة 25 يناير؛ حيث شكلت لجنة للقيام ببعض التعديلات الدستورية وتم عرضها للاستفتاء الشعبي في 19 مارس 2011م وبعد موافقة الشعب المصري أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يوم 30 مارس 2011م إعلانًا دستوريًّا من 63 مادة ليسير البلاد في الفترة الانتقالية.
أبو القوانين
ويوضح الدكتور عاطف البنا الفقيه الدستوري وعضو الجمعية التأسيسية لوضع الدستور أن الدستور يمثل أهمية كبيرة وقيمة عظيمة لأي دولة؛ لأنه يضع المبادئ الأساسية للمجتمع، ويضع ملامح الحقوق والحريات للدولة، لذا يطلق عليه دائمًا أنه الأب الشرعي لكلِّ القوانين التي تصدر في الدولة.
ويتعجب البنا من حديث بعض الناس عن أن البرلمان لا يصلح لوضع القوانين وليس مهمته وضع الدستور، وهذا أمر خاطئ بالطبع؛ لأن نصوص الدستور هي نصوص قانونية، وكذلك لا يمكن استبعاد ممثلي الشعب عن عمل الدستور أو حتى تعديله، فهذا أمر غير منطقي، وهو غير موجود في تاريخ الدستور ففي 2007م عدلت 34 مادة من الدستور على يد البرلمان، فإذا كان البرلمان سلطة أساسية في عملية التعديل فسلطته في الوضع أولى، بل إن المادة 60 من الإعلان الدستوري الحالي نفسه تنص على أن يجتمع أول مجلسين منتخبين لانتخاب أول جمعية تأسيسية لإعداد مشروع دستور.
ويؤكد البنا على أننا لن نخترع دستورًا جديدًا فلدينا تاريخ دستوري طويل، وله قيمة منذ 1866م، ومن أعظم هذه الدساتير 1923م، فمعظم فقهاء الدستور والأحزاب والعموم من الناس اتفقوا على الأبواب الأربعة الأولى المتعلقة بالحقوق والواجبات والحريات العامة.
ويشدد البنا على أن أبرز أولويات التغيير في الدستور القادم تتمثل في النصوص الخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية القادم، وهو ما نؤكد على ضرورة تقليص صلاحياته، وكذلك النص الخاص بنظام الدولة هل سيكون رئاسيًّا أم برلمانيًّا أم مختلطًا قائلاً: كنت دائمًا من أنصار النظام البرلماني، وكنت أراه الأصلح في مصر كي يخلصها من نظام الحكم الفردي الذي عانينا منه كثيرًا، ولكني الآن أعيد النظر في هذا ليتأكد لي أن النظام المختلط هو الأنسب لمصر في هذه المرحلة.
ويقول البنا: إن النظام الرئاسي معمول به في أمريكا، وهو نظام ناجح جدًّا هناك؛ لأن السلطات مقسمة ولا يجوز لأي سلطة التعدي على اختصاصات سلطة أخرى، لكن هذا النظام أثبت فشله حينما انتقل إلى دول مثل أمريكا الجنوبية وبعض دول آسيا؛ حيث تحول فيها إلى نظام حكم فردي شمولي يستحوذ فيه رئيس الجمهورية على جميع السلطات، ومن ثم يستبد بالبلاد والعباد، ولذلك فهو غير مطلوب في مصر الآن.
ويضيف البنا ولذلك أرى أن النظام المختلط أو شبه الرئاسي والمعمول به في فرنسا منذ عام 1958م إلى الآن وهو نظام ناجح جدًّا هناك وهو الأنسب لتطبيقه في مصر في هذه المرحلة، مؤكدًا أننا يمكن أن نستعين بالدستور الفرنسي الذي هو قريب جدًّا من دستور 1971م الذي يخطئ من يقول أنه كان ينص على نظام رئاسي، وإنما هو نظام مختلط فهم يتحدثون طبقًا للواقع الفردي الشمولي الذي كنا نعيشه وليس للنصوص الدستورية فالنظام البرلماني والرئاسي إنما هي تفريعات من النظم الديمقراطية، أما النظام الفردي فهو اختراع النظام المخلوع.
النظام المختلط
وترى الدكتورة باكينام الشرقاوي أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أن الجزء الذي سيحظى باهتمام معظم المشاركين في وضع الدستور الجديد هو الخاص بالنظام السياسي والعلاقات بين السلطات، وكذلك نسبة العمال والفلاحين في مجلسي الشعب والشورى وتحديد مفهومها الواسع، بالإضافة إلى ضرورة النظر في مجلس الشورى، إما بالإلغاء أو وضع معايير صارمة لعضوية مجلس الشورى بحيث تكون عاكسة لدرجة الخبرة.
وفيما يخص وضع نظام الحكم في الدستور القادم توضح د. باكينام الشرقاوي أن النظام المختلط أو شبه الرئاسي هو الأنسب لمصر في الفترة المقبلة، وفي هذا النظام يمثل رئيس الحكومة همزة الوصل بين الرئيس المنتخب والبرلمان ويكون هناك رئيس جمهورية له صلاحيات محددة وعليه ضمانات تجبره على تحقيق أكبر قدر من المسئولية، بالإضافةِ إلى الرقابة على سلطاته وليس منزوع الصلاحيات ومجرد رمز تمامًا كما هو الحال في النظم البرلمانية، فالرئيس في هذا النظام موجود كحكم بين السلطات مع الحفاظ على صلاحيات محددة، أما النظام الرئاسي فيقوم على فكرة الفصل التام بين السلطات، وهذا النظام له مساوئه وعيوبه، وهذا لا يمنع من الاستفادة من بعض مميزاته مع تلافي العيوب.
وتشير إلى أننا في مصر الآن نفتقر إلى متطلبات النظام البرلماني مع عدم الغفلة عن أن النظام البرلماني في الواقع العملي والتطبيقي يجعل من رئيس الوزراء ديكتاتورًا بدلاً من رئيس الجمهورية في بعض البلاد؛ حيث يجعل رئيس الوزراء يهيمن على جميع السلطات.
وتضيف د. باكينام أن نظام الحكم القادم أيًّا كان المسمى الذي يطلق عليه يجب أن يقوم على بناء منظومة من التعاون بين السلطة التشريعية والتنفيذية وتحقيق قدرٍ من التوازن المؤسسي والرقابة المتبادلة، مؤكدةً أن لكل سياق خصوصياته التى يمكن أن نستفيد من مزاياه.
وتلفت إلى أن أحد أهم مساوئ النظام المختلط المطبق في فرنسا الآن أنه يسلب الكثير من صلاحيات السلطة التشريعية.
النظام الرئاسي
ويضيف المستشار هشام رؤوف رئيس محكمة استئناف القاهرة أن الفصل الرابع المتعلق بالسلطة القضائية الوارد في الدستور السابق يحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من الاهتمام من جانب اللجنة التي ستقوم بوضع الدستور الجديد فهناك نصوص في هذا الفصل يجب إلغاؤها، وإضافة أخرى تؤكد استقلال القضاء (كإيجاد نص يقر الميزانية المستقلة للسلطة القضائية، بالإضافةِ إلى نص صريح يؤكد حرية القضاة في الاجتماع وإبداء الرأي وحرية التعبير)، مشيرًا إلى أن المحظور فقط على القاضي هو مباشرة العمل السياسي أو التجاري، لكن إبداء الرأي فيما يخص وطنه من أحداث ومشكلات فهذا حق أصيل كفله الدستور له.
ويؤيد رؤوف النظام الرئاسي من أنظمة الحكم لمصر في هذه المرحلة على أن يرد نص واضح في الدستور بانتخاب نائب للرئيس ينتخب معه، وألا تزيد مدة الرئاسة عن فترتين رئاسيتين مع تقليص اختصاصات الرئيس التي كان مبالغًا فيها في دستور 71 وإخضاعه للرقابة، مؤكدًا ضرورة تحقيق التوازن في تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور بما يحقق توافق عام على دستور مصر القادم.