عبد المقصود إمام- المنوفية:
د. أسامة يحيى، جزاك الله خيرًا وبارك الله فيك..
اسمح فإجاباتك تُشعرني أنني سأجد ضالتي عندك.. لي سؤال يشغلني ليل نهار، وأتمنى من الله عز وجل أن يُوفقك ويُوفق الموقع للإجابة عليه بما يُرضي الله.
أستاذي الفاضل ابني عانيت منه الأمرين ولا يطلب مني ولا يقبل مني إلا الفلوس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وسمعتُ بإذاعة القرآن الكريم أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان إذا بلغ ابنه الحلم أخرجه للعمل.
وسمعتُ قبل ذلك بأعوام من صديقٍ وأخٍ فاضل أن أباه عندما عاد من بعثته في ألمانيا قال له: يا بني لقد رأيت الألمان إذا بلغ ابنهم السادسة عشر من عمره أخرجوه من البيت، وأعطوه ملابسه وقالوا له اذهب اعتمد على نفسك، وهذا جيد لك وأعطاه ملابسه وأخرجه من المنزل، فنام في الشارع وعمل تبَّاعا، وغير ذلك، فاعتمد على نفسه.
وعندما سمعتُ إذاعة القرآن الكريم أمس تذكرتُ هذه القصة وأُفكِّر في تنفيذها.. فما رأيكم دام فضلكم، فلي إخوة كثيرون ينتظرون إجابتك، وأسأل الله أن يوفقك لذلك ستخدم قضية التعليم على مستوى مصر إن شاء الله. وجزاكم الله خيرًا جميعًا.
يجيب عنها الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين)
كثُر في هذا العصر اجتهاد الآباء في صناعة وحماية وتوجيه وحمل ودفع وقيادة أولادهم اجتهادًا حاد عن الصواب قليلاً أو كثيرًا، حتى غدا الأولاد ضعافًا متواكلين لا يقوون على فعل الكثير من الأشياء التي اعتاد أباؤهم إبَّان شبابهم فعلها والقيام بها.. إن العيبَ هنا ليس عيب الأبناء المتواكلين قدر ما هو عيب الآباء المبالغين والمخطئين في تقديراتهم وتصوراتهم وتعبيرهم عن مشاعرهم وترجمتها لمساندة ودعم أولادهم.
إن اعتماد أولادنا علينا إنما نبع من طريقتنا في دعمهم ومساندتهم، فكم من أمر سهل يسير حملناه عنهم فتكاسلوا عن أداء مثله وتواكلوا، وكم من أمرٍ صعبٍ عسير تركناه عليهم فأحبطوا وانسحبوا.
لا يريد منا أولادنا أن نكون أمامهم لنقودهم قيادة في كل أمر ولا أن نكون خلفهم ندفعهم دفعًا إلى كل أمرٍ، ولا أن نكون فوقهم قاهرين ولا تحتهم مدللين، إنما يريد منا أولادنا أن نكون بجوارهم داعمين ناصحين ولتوجهاتهم السوية مؤازرين ومشجعين.
أغلب الآباء يقود أولاده فيمسخهم أو يدفعهم فيرهقهم أو يقسو عليهم فيقهرهم أو يدللهم فيفسدهم، إنما الوقوف بالجوار هو المطلوب حتى يجد الأولاد آباءهم حينما يريدونهم ويحتاجونهم.
لقد عانيت من ولدك كثيرًا، كأغلب الآباء في هذا العصر الذين عانوا مثلك من أولادهم، ولكنك لم تذكر كم يبلغ ولدك من العمر؟ وعلى ما يبدو أنه في مرحلة المراهقة لأنه يطلب منك أموالاً.
وعلى كل، فأسباب معاناة الآباء في تربية أولادهم متنوعة تنوعًا يحتاج مؤلفات عدة وليس مجرد رد على استشارة، ولكن ما أحب أن أذكره هنا هو دورنا نحن كآباء في إيجاد هذه المعاناة.. دورنا نحن كآباء في تحفيز أولادنا على التمرد والرفض والعصيان وعدم الطاعة. وسأقتصر هنا على فتح باب واحد فقط وهو الاحتياجات النفسية للأولاد.
إن لأولادنا احتياجات نفسية لا بد من تلبيتها قدر جهدنا.. احتياجات إن حرمناهم منها أو قصرنا في أدائها لن نر منهم إلا ما يزعجنا ويصيبنا بالإحباط، ومن أهم هذه الاحتياجات النفسية وباختصار شديد التالي:
1- الحب الأبوي: كلنا يحب أبناءه حبًا جمًّا، فذاك أمر لا شك فيه، ولكن تعبيرنا عن حبنا لأبنائنا قد يشوبه خلل فادح، فنحن كآباء نستنفد أوقاتًا طويلة مع أشخاص أقل أهمية من أبنائنا، ونتوسع في المكث مع آخرين ونقتصد في الوقت الذي نقضيه مع فلذات أكبادنا، وحتى عندما نقضي هذا الوقت القصير نملأه بغم وفير، لأننا نأمر أولادنا دومًا بما يكرهون: "روح ذاكر".. "أغلق التليفزيون".. "تعال نام".. "لا تخرج مع أصحابك"، ولا نأمرهم فيما يحبون فنقول لهم: "اذهب لأصحابك.. "روح العب".. "حان وقت برنامجك الفضائي المحبب إليك فافتح التليفزيون".
كما إننا نشارك أولادنا فيما يكرهون ولا نشاركهم فيما يحبون، نشاركهم في الاستذكار ولا نشاركهم في اللعب، وأننا كثيرًا ما ننقدهم حينما يخطئون ولا نمدحهم حينما يصيبون.
هب أن رجلاً كلما رأيته أمرك بما تكره ولم يشاركك إلا فيما تكره ولا يمدحك إذا أحسنت ولا يتأخر في نقدك حينما تخطئ فماذا ستظن أنه يحبك ام يكرهك؟ وماذا سيكون موقفك منه؟ أستسعد به أم تتعس؟ إننا نحب أبناءنا كثيرًا ولكننا لا نُعبِّر عن هذا الحب بطريقةٍ تظهر هذا الحب.
2- القبول: يحتاج أولادنا إلى قبولنا بما يقولون وما يفعلون وليس نقدنا لأقوالهم وأفعالهم، فالقبول هو الذي يغيرهم للأفضل وليس النقد المستمر، فنحن كآباء نعلن دومًا رفضنا لطريقة ارتدائهم لملابسهم وأساليب كلامهم وحواراتهم وإظهار ضيقنا بتسريحة شعرهم ومعارضتنا لأصدقائهم، ونقارنهم بغيرهم وكأن غيرهم دومًا أفضل منهم في كل شيء. يحتاج أولادنا إلى معاملتهم بإنسانية واحترام أذواقهم واختياراتهم وأن ننظر إلى أيجابياتهم أكثر مما ننظر إلى سلبياتهم.
3- الاستكشاف: خلقنا الله تعالى لا نعرف شيئًا، ووهبنا برحمته المقدرة على التعلم، والذي يتعلم لا بد له من ارتكاب الأخطاء، ومن هذه الأخطاء يكتسب الإنسان خبراته الحياتية، فمن حق أولادنا أن يخطئوا حتى يتعلموا.
وهم في سبيل تعليمهم عندما كانوا أطفالاً صغارًا يجعلون البيت في فوضى، فهم يفرغون ما في دواليب المطبخ وغرف النوم، ويمزقون الصحف ويضعون الأشياء المتسخة في أفواههم ويسقطون الأشياء على الأرض ومن شرفات المنزل ويعبثون بمفاتيح جهاز الكمبيوتر.. إلخ، كل ذلك حتى يتعلموا.. فمن يحرمهم من ذلك فقد حرمهم من حق التعلم والاستكشاف، فمن حق أولادنا أن يستكشفوا بطرقهم التي نراها نحن فوضوية ليعرفوا ويتعلموا.
ويكبر الأولاد ويتحركون أكثر وتتسع دائرة استكشافاتهم وأخطائهم، وعند مراهقتهم يريدون التفرد في الأساليب والحرية والجرأة عند التجريب، وهذا من حقوقهم التي نحاول- من أجل حمايتهم- أن نثنيهم عنها، وفي ذلك خطأ كبير.
4- الأصدقاء: لا يستطيع أي إنسان صغيرًا كان أو كبيرًا أن يحيا بلا أصدقاء يمدونه باحتياجات نفسية وتجارب حياتية لا تؤخذ إلا مع الأصدقاء.
والواقع أنه ليس كل أصدقاء أولادنا أسوياء أو أنهم كما نريد، ولكن لا سبيل لعزل أولادنا عن أصدقاء السوء إلا بغرس القيم لدى أولادنا منذ صغرهم حتى يتخيروا من أقرانهم أصدقاء يتوافقون مع هذه القيم، أما حينما يتخيرون أصدقاءهم عندما يكبرون فلا حيلة لنا في تجنيب أولادنا الآثار السلبية للصحبة السيئة إلا بمصاحبتنا نحن لكل أصدقاء أولادنا صالحهم وطالحهم والدخول إلى عالمهم باللعب معهم ومحادثتهم كأصدقاء يدردشون لا ناصحين ولا موجهين حتى يسمحوا لنا- بعدما تتآلف القلوب وتتقارب النفوس- بتقويمهم ونصحهم.
إن الذي يأمر ولده بالابتعاد عن فلان وعلان من أصدقاء السوء ستبوء- في الغالب- كل محاولاته بالفشل الذريع بل وسيزداد ولده قربًا من فلان وعلان.
5- الخصوصية: لكل إنسان خصوصياته التي لا يحب أن يطلع عليها أحد إلا بإرادته.
إن الخصوصيات يجب أن تُحترم لا أن تُخترم، وإن إهدار خصوصيات أولادنا تجعلهم ينفرون منا ولا يثقون بنا، وإنما يجب أن يكون هناك تواصل مثمر بنَّاء بيننا وبينهم عبر حوارات طيبة بها الحب والقرب والود حتى تتقلص خصوصياتهم إلى أضيق الحدود لا أن تختفي من الوجود، فكلما كانت هناك شقة بيننا وبين أولادنا ازدادت خصوصياتهم اتساعًا.
6- الاستقلالية: ينزع الأولاد إلى الاستقلال عن الأبوين منذ لحظة قدرتهم على الحركة حبوًا فيتجهون بعيدا عن امهاتهم، وتعلو وتيرة النزوع إلىالاستقلال مع التقدم في العمر حتى تبلغ المنتهي بالزواج والخروج من نطاق الأسرة الوالدية. واحتياج الأولاد للاستقلال يشتد ظهوره إبان فترة المراهقة حيث يتسم سلوك الأولاد آنذاك بالرفض والتمرد وعدم الطاعة، وكأنهم يعلنون للآباء: "أننا كائنات متفردة مستقلة فلسنا أمثالكم في كلامكم وملابسكم وتوجهاتكم وأهدافكم ورؤاكم كما أننا لسنا ملككم تصنعون منا وبنا ما تريدون وما تشاءون".
وفي تعبيرهم عن الاستقلال كثيرًا ما يجرحوننا ويؤلموننا، ولكننا كآباء يجب أن يكون لدينا الفهم العميق بنفسياتهم حتى نسعد بهم ولمحاولات استقلالهم عنا لا أن نتعس ونضيق، بل يجب أن نحفزهم على الاستقلال ليسهل عليهم تكوين حياتهم الأسرية والاجتماعية بنجاح أكبر.
إن أولادنا يعانون من صراع داخلي عاصف بين نزوعهم للاستقلال وتحررهم من السلطة الوالدية وبين احتياجهم لآبائهم لتوفير المأوي والمأكل والملبس، وهذا الصراع يستحق منا الشفقة بهم وليس القسوة عليهم.
7- الاحتياج الجنسي: إنه احتياج جارف يتفجَّر فجأةً وبقوة وبدون سابق إنذار عند البلوغ. إنه احتياج لن يُلبى بزواجٍ شرعي إلا بعد مرور عشر سنوات على الأقل من البلوغ. إنه احتياج يُحرِّك في الفتيان والفتيات أقوى الغرائز على الانسان إذا ما استثيرت، خاصةً في مناخ مثل هذا المناخ العصري الذي يعج بألوان الاستثارات ومن جميع الاتجاهات.
إن هذا الاحتياج يولد صراعًا آخر داخل المراهقين والمراهقات، صراع بين ما تربوا عليه من قيم دينية وضوابط مجتمعية وبين الغريزة الوليدة المتقدة، وهذا صراع هو الآخر يستحق الشفقة وليس القسوة.هذا طرف من احتياجات أولادنا النفسية التي يجب تلبيته بالطريقة التربوية السليمة حتى تستقيم حياتهم ويتحقق وصالهم، وتخفت لديهم حدة التمرد والعصيان ويحل الحب والوئام، فهم حبات قلوبنا وثمرات فؤادنا، مكثهم معنا قليل وحبهم لنا غزير وارتباطهم بنا وثيق، وهم أثمن ما عرفنا وأجدر من جالسنا وأفضل مَن عاشرنا وأحب من رأينا.
أعاننا الله تعالى على برهم والوفاء بالتزاماتنا معهم وجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة.