يستحيل وجود فجوة بين مطالب الثورة ومطالب الشعب، ومن يدعي أن الميدان هو وحده الذي يعبر عن الثورة يفصل- عمدًا وليس جهلاً- بين الثورة والشعب، ليصبح البرلمان المختار من الشعب لا يمثل الثورة، هناك من يرى أنها ثورة نخبة شبابية تستحق أن يفوضها الشعب ليصبح لها شرعية توازي البرلمان، كل ذلك ضد المنطق لأنها تصورات تجعل الثورة تتحول إلى بناء نظام استبدادي جديد لصالح نخبة مسيطرة على السلطة بدلاً من الشعب المنوط به أن يأتي بالنخبة الحاكمة من خلال الانتخابات.

 

فالمعلوم أن الثورة شاملة لكل فئات وشرائح الشعب، والشباب يمثل فقط جزءًا من الثورة والقوة التصويتية التي انتخبت البرلمان والشورى، هذه هي الإشكالية التي يسوقونها من خلال الدعم المالي والسياسي والإعلامي الذي يمثل امتدادًا للمخلوع، مما أطال الفترة الانتقالية بتكلفتها في الأرواح والاقتصاد والمراد تصعيدها في البوتاجاز والسولار إلى ثورة الخبز حتى يكفر الشعب بثورته لأنها أتت بالإسلاميين، لكن الواقع يؤكد شرعية وقوة البرلمان الأمر الذي يضعه بين السلطة والشعب في موقف تاريخي يمثل "الأمل" في نجاح الثورة.

 

- وهو وضع شديد الحساسية والخطورة لأن السلطة في جانب، والثورة والشعب في جانب آخر؛ حيث تريد الأولى أولاً: الحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية المتراكمة مع عدم تدخل السلطة المنتظرة بالانتخاب في الرقابة على الميزانية العسكرية، وثانيًا: حماية قيادات العسكر الكبرى من أي محاكمات، وبتوثيق كل ذلك دستوريًّا، الأمر الذي يعني أن تكون السيادة للعسكر فوق الشعب، ومن يمثله (البرلمان)، فضلاً عن تمسك العسكر بالقرارات السيادية في السلم والحرب والعلاقات الدولية (إسرائيل- أمريكا- إيران)، وأسس النظام الاقتصادي لاستمرار التبعية لأمريكا مع التخلي فقط عن ملفات الإدارة المحلية للسلطة المنتخبة.

 

- أما الشعب؛ فهو يريد استعادة كرامته وسيادته الوطنية؛ حيث يكون القرار السياسي- داخليًّا وخارجيًّا- معبرًا عن إرادة وهوية ومصلحة الشعب وتحقيقًا للعدالة الاجتماعية, ويستحيل ذلك طالما ظلت السيادة بعيدة عن الجهات الممثلة للشعب بالانتخاب، أي أن التناقض بين الطرفين يفرض على البرلمان أن يختار بينهما وإلا ضعفت شعبيته تدريجيًّا وصولاً لـ"ثورة الخبز".

 

- وانحياز البرلمان للشعب يعني كتابة الدستور دون تنازلات للعسكر مع فتح تحقيقات جادة مع قتلة الثوار والمخلوع وأعوانه، فبعد مرور أكثر من عام وقتل أكثر من ألف مواطن لم يصدر سوى حكم واحد بالإعدام على أحد الضباط ولم يتم تنفيذه!!، كما يلزم تفكيك المنظومة الأمنية والإعلامية التي قهرت الشعب وقام عليها النظام البائد وما زالت تدعم الثورة المضادة.

 

- القبول بالتنازل للعسكر مشابه لحالة "تركيا" فترة ما قبل تولي حزب العدالة والتنمية السلطة عندما كانت الأحزاب والبرلمان تختص بالملفات الإدارية مع تولي العسكر السلطة الحقيقية، وإذا لم ينحز البرلمان للشعب سيكون مصير الأحزاب التي أسسته مثل أحزاب تركيا؛ من حيث فشل سياسي وأزمات اقتصادية طاحنة (1994 و1999 و2001) التي أدت لانهيار ثقة الناخبين وصعود قوى سياسية جديدة بالانتخابات وانتهت القصة بالمثل الشعبي "انتهى الدرس يا ذكي".

 

- أما الدرس الآخر فهو أن أردوجان وحزبه ما زال يقدم نفسه للمجتمع على أنه معارض بالرغم من وصوله للسلطة منذ 2002 وذلك لأنه مناهض لوصاية العسكر، ويعمل بلا مداهنة ولا تنازل، لدفعهم خارج الحلبة السياسية من خلال إنجازاته الاقتصادية والسياسية المعروفة.

 

- لا نجاح لثورة بدون سلطة كاملة تستطيع تحقيق المطالب والأهداف وفقًا للإرادة الشعبية والسيادة الوطنية في مواجهة التدخلات الخارجية التي نعانيها جميعًا الآن, وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد لغياب "القائد والزعيم" الذي يستطيع تسلم السلطة من العسكر، الأمر الذي يصعب تحقيقه بالانتخابات الحرة فقط بل لا بد من الدعم الثوري الشعبي، وذلك وفقًا لتجارب الثورات العالمية الحديثة والتي لا تنتهي كلها بالضرورة لاستلام السلطة بشكل كامل من العسكر، والمجالس التشريعية التي تأتي بالثورات لا بد أن تكون تغييرية وليست إصلاحية فقط، وإلا لن تنجح في مواجهة الوصاية العسكرية ويكون مصيرها الضعف والتلاشي.

 

هناك فراغ سياسي كبير وصراع واضح على السلطة وهذا البرلمان يستطيع الآن إدارة الدفة نحو ملء الفراغ حتى تصل الثورة إلى السلطة من خلال الانحياز للشعب "لا يوجد أنصاف حلول".

 

--------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com