على خيرٍ سارت إجراءات اختيار اللجنة التأسيسية لوضع دستور مصر الثورة والمستقبل، ولا عجب أن يصاحب هذه الإجراءات بعض الاعتراضات والرفض من قِبَل بعض التيارات السياسية المختلفة في الرؤى والتوجهات، مع جموع الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في البرلمان بمجلسيه، والتي حازت ثقة الشعب المصري.

 

قلبي مع السيد الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب ورئيس الاجتماع المشترك، وهو يقود المرحلة الأصعب في تاريخ مصر، وسط أنواء وتموجات عاتية تعصف بالرواسي الشامخات، لكن توفيقًا يليق بأولى العزم من أصحاب الرسالات حالفه في هذه المرحلة حتى استقرت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وظهرت للوجود، كان موفقًا ورائعًا بارك الله فيه، ولم يزعجني أبدًا أن يكون على الطرف الآخر معارضون ورافضون لآليات وإجراءات تشكيل لجنة المائة، فهذه طبيعة الحياة، وخاصة في جوانبها السياسية، وطُرحت آراء متعددة ومتنوعة ومتباينة لتشكيل اللجنة من بداية أن تكون اللجنة كلها مشكلة من خارج البرلمان، إلى أن تكون كلها من البرلمان، وبينهما تعددت الآراء وتنوعت- واستقر رأي الأغلبية في البرلمان بمجلسيه على المناصفة والتوسط، متيحًا بذلك الفرصة لكل الآراء أن تتواجد على الساحة السياسية.

 

لكن الذي أزعجني أن أجد بعض أعلام الفقه الدستوري وأساتذة القانون العام- وهم محل احترامي وتقديري- يرددون على مسامع جماهير شعبنا عبر شاشات القنوات الفضائية آراءهم واختياراتهم على أنها مسلمات وقواعد انعقد عليها الرأي ومحل إجماع دولي، ويكاد أحدهم أن يتطاول بعنقه حتى يقول إنها منزلة من السماء ولا جدال فيها، ويؤسفني أن ينساق وراء هذه المقولات جمع من السياسيين يناصرهم في ذلك حشدٌ محشود ٌمن الإعلاميين بُغية أن تجد صداها لدى جماهير شعبنا المصري المثقل بهموم كثيرة.

 

من ذلك ما حرص بعضهم على ترديده "أنَّ البرلمان يستحيل عليه أن يضع الدستور، وأن الدستور توافقي ولا تضعه الأغلبية المؤقتة، وأن الدستور ينظم اختصاصات البرلمان فكيف يقوم البرلمان بوضعه، وأن كل دول العالم وضعت دساتيرها لجان تأسيسية وليست البرلمانات".

 

وهذه مقولات تعبر عن وجهة نظر معتبرة في الفقه الدستوري، وهي آراء مشروحة في كتب أساتذة القانون العام، وتُدرس لطلاب الحقوق، لكنها ليست قواعد محل اتفاق، بل يناقضها آراء أخرى ولديها مبرراتها، وساحة الفقه الدستوري تتسع لكل هذه الآراء، ما أزعجني أن يقوم أحد المتخصصين في القانون العام، ويعرض الموضوع على أن الفقه الدستوري لا يعرف إلا هذا الرأي الذي يقول به، ويمارس سياسة الإقصاء العلمي، ويتهم مخالفيه في الرأي بالخروج على إجماع رجال وفقهاء الدساتير، وهذا لونٌ من التعصب المقيت، والتحزب للرأي المثير للفتنة بين الناس، وأعتبر هذا نوعًا من التحلل من أمانة العلم، والتدليس على العامة بغرض إظهار عدم مشروعية الخطوات التي اتخذها البرلمان بمجلسيه خلال الفترة الماضية، والتي تمثلت في اختيار لجنة المائة لوضع الدستور.

 

لو حرص هؤلاء على عرض رأيهم وإبراز حجتهم وبيان وجاهة ما يقتنعون به لزاد احترامي واحترام الكافة لهم، أما أن يقعوا في مستنقع التعصب المقيت للرأي، ويهيلوا التراب على بقية الآراء المعتبرة ونفيها واعتبارها والعدم سواء، فهذا مثار الأسف عليهم وعلى ضعف الأمانة العلمية لديهم، وتحكم الأهواء فيهم.

 

وفات عليهم أن مئات الكتب والدراسات القانونية والأبحاث الدستورية تملأ جنبات الحياة العلمية وأروقة المحافل القانونية وكلها تعرض لأساليب وضع الدساتير في العالم، وهي تكشف عن اتجاهات دولية في أكثر من نصف دول العالم تنتهج منح البرلمانات خصيصة وضع الدستور وتعديلاته، وخاصة في الدساتير المرنة، وإذا كانت جميع الدساتير قد أعطت البرلمان سلطة إجراء التعديلات على الدستور قبل العرض على الشعب للاستفتاء فلماذا يشن البعض حربًا شديدة على اللجنة التأسيسية لكون نواب البرلمان يشكلون 50 %من أعضائها.

 

وفات عليهم عن قصد أن البرلمان بمجلسيه قد تشكل بإرادة شعبية غير مسبوقة، وكان الشعب يُدرك جيدًا أنه يختار نوابه ليشكلوا وينتخبوا لجنة المائة لوضع دستور البلاد، وتبلورت الإرادة الشعبية في هذين المجلسين بهذه التركيبة، فالشعب مصدر السلطات، اختار هؤلاء النواب مفوضين لتشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وصرف الشعب ثقته عن بعض التيارات والقوى السياسية ومنح آخرين ثقة قليلة وفقًا لإرادته، ومفاد ذلك أن المسئول الأول عن تشكيل هذه اللجنة بهذا الوصف هو الشعب المصري، وليس أحدًا آخر، فهل تملك قوة أن تحاسب الشعب على إرادته؟.

 

ومن عجب أني طالعت مؤخرًا دراسة مقارنة أفادت أن من بين 200 دولة شملتها الدراسة وُجدَ أن قُرابة 45% منها تقوم الهيئات البرلمانية بوضع الدستور فيها، وأن قُرابة 12% منها تضع الدستور لجنة منتخبة بمعرفة البرلمان، والباقي يتم وضع الدستور فيها من خلال جمعية تأسيسية تنتخب من أجل هذا الغرض.

 

والأمر- في صورته الحقيقية- أننا أمام لجنة تأسيسية لوضع الدستور منفصلة تمامًا عن البرلمان بمجلسيه، ولسنا أمام حالة أن البرلمان يضع الدستور، ولو كنا أمام هذه الفرضية أن البرلمان هو الذي يضع الدستور ما وقعنا في مخالفة كبيرة ولا صغيرة، فقرابة نصف دول العالم تنتهج هذا السبيل في تعاملها مع الدستور وضعًا وتعديلاً، ولكن البعض يعيب على اللجنة أن نصفها نواب في البرلمان بمجلسيه، وأن غيرهم أولى منهم، وهنا تخطينا الموضوعية ووقعنا في فخ الشخصنة، وتعجبت كثيرًا من صراخ وعويل أطلقه أحد المعترضين: كيف يوضع دستور مصر وليس في اللجنة الدكتور فلان؟ وكان الرد عليه لو كان فلان هذا في اللجنة تنتهي المشكلة التي تُثيرها؟ وقيل له أيضًا: في اللجنة من هم أقدم منه ومن هم أقرانه ومن هم أكثر تخصصًا، فلماذا الاعتراض؟.

 

أما انسحاب بعض الأحزاب والأفراد من المشاركة في اللجنة فهذا رأيهم يعبرون عنه ويتحملون مسئوليته أمام الشعب الذي وضع فيهم ثقته، وكلفهم بهذه المهمة الوطنية، ولا أبالغ إذا قلت أنها من أجل الواجبات في تاريخ مصر التي ينبغي أن تسمو مصلحتها فوق الجميع.

 

حزينٌ أن أجد بعض أساتذة القانون يُغادرون مساحة الجدل القانوني المنضبط، ويتيهون في ساحات الإعلام دون مراعاة الضوابط التي علموها لطلابهم، ودون التزام بالآراء التي أوردوها في كتبهم وأبحاثهم، والتي تظل حجة عليهم وعلى مواقفهم، وكنت أتمنى منهم أن يصونوا علمهم ويحافظوا على مكانتهم العلمية، فستهدأ الزوبعة وتستقر الأوضاع ويستبين السبيل وحين ذاك تتضح المواقف جلية دون لبس أو غموض.

 

---------------------

* المحامي بالنقض والدستورية العليا