أهذه مصر التي نتحدث عنها ونبحث عن صورة مثالية لها في خيالنا، نحاول أن نفعله في واقعنا، لكننا نصدم بين الحين والحين بشيء يعكِّر صفو الحياة والأحياء في مصرنا الحبيبة من إضرابات واعتصامات وفئويات تشل حركة الحياة بعد أن ساءت المفاهيم وتعمَّد البعض أن ينصِّبوا من أنفسهم رقباء وحكماء وقانونيين وتشريعيين وتنفيذيين في ظاهرة اختلت فيها منظومات متعددة من القيم والثقافة والأخلاق.

 

وأسأل نفسي قائلاً:

أوليست هي مصر الثورة التي عاش شعبها في ظلال ثورتها المجيدة أيامًا معدودة لم يشهدها من قبل حتى شعرنا أننا على وشك استعادة روح الحضارة الماضية برونقها ورقيها التي سادت بها مصر الدنيا وانهالت علينا برقيات التهنئة والتأييد، مؤكدةً حقيقةً طالما عُرف بها شعبنا ألا وهي أنه الشعب المعلم أم هي أضغاث أحلام؟!

 

لكن سرعان ما تبدَّلت الحال وأصبحت الفوضى والعشوائية والسلوكيات المنحرفة هي سيدة الموقف، وطفت على السطح سلوكيات كريهة تعافها النفس الإنسانية السليمة وانقلب الأمر رأسًا على عقب، وأصبحنا نتحرك بقانون نصنعه لأنفسنا لنلبي به احتياجاتنا دونما مراعاة واحترام لكيان قانوني قائم يجب علينا تقديره أو اللجوء إليه.

 

بل أصبح الكثيرون يتصرفون وكأنما هذا الكيان في غفوة أو في سبات عميق ولا أمل للإفاقة منه؛ لذا لا بد لهم من هبة ذاتية لتصويب الأمر، وتزايدت هذا المظاهر السلوكية الخاطئة حتى أصبحت تشكِّل مظهرًا عامًّا من مظاهر الحياة المصرية حتى إنك لو استيقظت في يوم ولم تسمع فيه خبرًا عن اعتصام أو تظاهرة أو إضراب؛ فلسوف تقول بينك وبين نفسك: ليست هي مصر التي ألفنا فيها هذه السلوكيات الخاطئة بعد أيام هانئة من الثورة.

 

وتغيرت المفاهيم وساء استخدام الحريات ووسائل التعبير عنها، وأصبحنا بحق أشبه بمن يعيشون في سيرك كبير وليس في مجتمع إنساني يفترض أن هناك سياجًا قويًّا قويمًا من العادات والتقاليد والأعراف التي تحمي خصوصياته ومقدراته؛ لذا وإزاء هذه الأحدات المتكررة من السطو على المفاهيم وسوء استخدامها لأغراض ذاتية وأهواء شخصية؛ وجب تفعيل قانون رادع للحد من هذه الفوضى ووضع الأمور في نصابها، بدلاً من الدخول في جدل عقيم عند مناقشه قانون للحد من التظاهر والاعتصام بما لا يشكل إضرارًا بالبلاد والعباد وتسمية للأشياء بغير مسمياتها من أخد النواب الذي كان أول ما أضافه للقسم "بما لا يخالف شرع الله"، وهو لا يعلم أن مصالح البلاد والعباد من أخص خصوصيات شرع الله التي لا بد من تنظيمها، والتعامل معها باحترام وآدمية لا سوء استخدام وعشوائية.

 

ختامًا أخشى أن يكون حال مصر الذي نعيشه حاليًّا هو الذي تحدث عنه أحد الأدباء الروس لما زار مصر وأقام فيها أيامًا معدودات، ولما سئل عن انطباعاته خلال هذه المدة التي قضاها قال إن الحياة المصرية تسيطر عليها كلمات أربع وهي (معلش- مفيش- بقشيش).