1- العودة إلى نظام الوقف الإسلامي في الإنفاق على المساجد، وهو باب معروف في الفقه الإسلامي وطبقه المسلمون لفترة طويلة، ولا يزال بعضه موجودًا في بعض البلاد الإسلامية؛ حيث الإدارة العامة التي تقوم على إدارة المساجد، وشئون الأئمة، تسمى بوزارة الأوقاف، فكان المحسنون قديمًا إذا أرادوا أن يصنعوا عملاً صالحًا، أو صدقة جارية، يساعدوا المساجد، فيوقفون الأموال والأراضي والدور للإنفاق عليها، فهذه الأموال وقف إسلامنا ينفق منها ومن عائدها على المساجد والأئمة وطلبة العلم الشرعي.
إن نظام الوقف يحرر المساجد والأئمة من تبعيتهم لمن ينفق عليهم، فيكون الولاء لله ولرسوله فقط، كذلك يتم توظيف هذه الأموال بالطرق المشروعة، فتفتح باب العمل والمنفعة لعدد كبير من المسلمين، بالإضافة إلى تشجيع الناس على العمل الصالح، الذي يستمر نفعه بعد وفاة صاحبه، كما جاء في الحديث: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته"، فالوقف من الصدقات الجارية، التي يتعدى نفعها لصاحبها بعد وفاته حتى يوم القيامة، وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له".
2- العودة إلى نظام الشورى في الإدارة، بين الإدارة بعضها مع بعض، وبين الإدارة والإمام، ويكون الإمام أحد أفراد الإدارة بصفة دائمة، فيكون المرجعية الشرعية في كل ما يصدر عن المركز من قرارات، كما أنهم لا يقطعون رأيًا في الأمور الهامة إلا بعد دراسة وتمحيص، ومناقشة وتحليل، وأخذ ورد، والاستعانة بالمتخصصين، وأصحاب الخبرة في الموضوع، ثم بعد ذلك يكون الرأي النهائي، وإذا ما بقى الخلاف قائمًا حول الموضوع، فيكون التصويت، ورأي الأغلبية يكون ملزمًا، والشورى منهج إسلامي أصيل، أمر الله بها نبيه في القرآن الكريم، بل إن هناك سورة من سور القرآن- كما هو معلوم- تسمى بسورة الشورى، قال الله تعالى فيها: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)) (الشورى)، وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران:159).
فالرؤية الفردية، والاستبداد بالرأي، وعدم مشاركة الآخرين، والابتعاد عن سماع آرائهم، هذا كله يرفضه الإسلام، ويعتبره مصدرًا للخلاف، وأساسًا للمشكلات، والحل العملي في هذه المشكلة، العودة إلى نظام الشورى في الإسلام، ففيه العون من الله، والتوفيق والسداد في كل الأمور.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
كما أرى أن تحديد مدة زمنية للإدارات في جميع المراكز والمؤسسات الإسلامية، إذا ما انتهت يفتح الباب للترشيح، وتقوم الجالية بالتصويت لمن تراه مناسبًا، بعد أن يقدم خطته للنهوض بالمركز والجالية، ومن ثم يكون هناك تداول سلمي على الإدارة، واختيار الجالية ما تراهم مناسبين لذلك.
3-العودة إلى التحكيم: عندما يشب الخلاف أو يقع النزاع بين الإدارة والإمام، فعلى العقلاء من الجالية التدخل بالسعي في الإصلاح، وهذا مبدأ إسلامي أصيل، فانقسام الجالية إلى نصفين، أحدهما خلف الإمام، والآخر خلف الإدارة، وكل فريق له ما يحركه ويدعمه، هذا كله يصنع فتنة قائمة، لا ينطفئ نارها، ولا تهدأ جذوتها، ما لم يتدخل المصلحون.
إن الله تعالى علمنا في كتابه الكريم، عندما يقع اقتتال بين فريقين من المؤمنين، أن نستنفر الفئة الثالثة للتدخل في الإصلاح، وإيقاف المعارك، ووقف نزيف الدم، فكيف يغيب ذلك عن المسلمين في ميدان الدعوة الإسلامية، وبالأخص في إدارة مركز إسلامي، وهناك خلاف بين إدارة وإمام، وفي مثل هذه الحالة يجب الاستعانة بالمؤسسات الإسلامية الكبرى، القائمة على أمور الدعوة والأئمة، بالتدخل والتحاكم بين الطرفين، توصلاً إلى الحل المناسب، الذي يقضي على الفتنة في مهدها، ويغلق الباب أمام أصحاب الأهواء، ويرد الحق على صاحبه، أيًّا كان صاحب الحق.
4- تفعيل دور المؤسسات الدعوية التي تعتني بشئون الدعوة والمساجد والأئمة مثل مؤسسة (نيف) فهي مؤسسة قامت بالدرجة الأولى للمحافظة على حقوق الإمام الأدبية والمادية، وتقديم الخدمات المختلفة للأئمة، فإذا ما كان هناك اتصال مستمر بين هذه المؤسسة، وبين إدارات المساجد والأئمة، ووضع ضوابط شرعية للإدارة في تعاملها مع الإمام والجالية، فلاشك أن ذلك ينعكس أثره على الجميع، كما أنها تتدخل عند الحاجة لفض نزاع بين إدارة وإمام، في أي مكان، إذا ما علمت بذلك، ولماذا لا يكون لها مندوب من الأئمة في كل ولاية لمتابعة أخبار المساجد والأئمة، من التواصل والمبادرة السريعة في القضاء على الخلافات في مهدها؟.
5- تحفيز الأئمة على حضور الدورات التدريبية: يقول العلماء قديمًاً وحديثًا: إن حياة العلم مذاكرته ومدارسته، فالقراءة والمطالعة والمدارسة من أهم الجوانب الأساسية في حياة الإمام، فهي الرافد الذي يغذي العقل والفكر، فيصبح الإمام كالنهر الجاري، الذي يتجدد ماؤه باستمرار، وإذا ما توقف عن القراءة والمطالعة تحول العقل إلى بركة راكدة، يتوقف مدادها، ويأسن ماؤها، وتصاب بالشلل والجمود.
فيستحب للإمام أن يكون له ورد يومي من القراءة المنهجية، التي تبنى العقل، وترقى بالفكر، كما ينبغي له أن يتابع كل الإصدارات الجديدة، من الكتب والبحوث والمجلات والموسوعات، خاصةً أن ذلك كله أصبح ميسرًا في الحصول عليه، من خلال شبكة الانترنت، فقد وفرت الحصول على آلاف الكتب، في سهولة ويسر دون سفر أو إنفاق.
إن الإمام الذي يعزل نفسه عن العالم الرحب الواسع، ويحصر نفسه في خطب مكتوبة، يتناوب عليها في مناسباتها، دون تجديد أو تطوير، يحكم على نفسه بالجمود، ويعيش في حالة من الاحتضار.
إن هناك مؤسسات متخصصة- مثل مؤسسة أمجا مجلس فقهاء الشريعة- تساعد الإمام في النهوض بأعباء رسالته، من خلال إقامة الدورات التدريبية، لرفع مستوى الإمام، لكن بعضهم لا يكلف نفسه الحضور، وقد تكون الدورة في نفس المدينة التي يعيش فيها، إن من يعزل نفسه عن الآخرين، ويعتقد أن لديه من المعلومات ما يكفيه، وليس في حاجة إلى حضور المؤتمرات والندوات، فهذا يعيش في دائرة مغلقة، ويبقى الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، والله يقول: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)) (يوسف:76).
6- العمل بين الإمام والإدارة عمل مشترك لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهي علاقة تقوم على التكامل والتعاون والتناصح، فكل له عمله في إطار ضوابط محددة ومعروفة للجميع، إن التجرد في العمل، وإخلاص النية لله، يجعل كل واحد منهم يؤدى عمله بما يرضى الله أولاً وأخيراً، ولا مانع من نصيحة أحد الطرفين للآخر، في ضوء أدب النصيحة المعروف في الإسلام.
إن المسجد الناجح هو الذي يقوم عليه إمام داعية فقيه، وإدارة نشطة، تتعاون مع الإمام في بناء مجتمع مسلم، والنهوض به في مختلف جوانب الحياة، وفق خطة مدروسة، ومحددة بإطار زمني، تخضع للتقييم بين الحين والحين، وتكشف إلى مدى ما قامت به من تحقيق هذه الأهداف في المجتمع.
كما أن المساجد الكبرى تحتاج إلى موظف متفرغ، ليدير شئون المسجد الإدارية، فالإدارة كلها متطوعة، وقد يكون أغلبها ليس لديه الوقت الكافي، فيقوم الموظف بالاتصالات والمكاتبات والمراسلات، مع الهيئات الأخرى، ومتابعة خطة المسجد في التنفيذ، وضبط الأمور الإدارية والمالية، وهذا موجود في كثير من المؤسسات الناجحة.
7- وأرى أن علاج مشكلة التعصب تكون بنشر ثقافة الوحدة الإسلامية، ومبدأ المساواة في الإسلام ومحاربة العصبية والعنصرية، ولا يعطى لأحد أي فرصة في تقسيم الجالية أو تفتيتها؛ حيث إن الجميع يتساوون أمام الله في الخلقة والمنشأ، والتفاضل يكون بالتقوى، والعمل الصالح، وحسن الخلق، وإخلاص الدين لله، فينبغي البحث عن الكفاءة في الإدارة والإمامة، بعيداً عن أي لون أو جنس أو لسان؛ حيث إن الجميع في النهاية مسلمون، والله تعالى يقول: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)) (المؤمنون).
فحينما يحصر الإمام علاقته مع فصيل واحد من الجالية، ويتجاهل الباقي، فهو يخسر كثيرًا؛ حيث إن طبيعة رسالته تجعله ملاذًا وموضع ثقة للجميع.
فعلى الإمام أن ينفتح على كل جنسيات المجتمع المسلم، من الناطقين بالعربية وغيرهم، فيتعرف على عاداتهم، وتقاليدهم، وثقافتهم، وحرفهم ووظائفهم، فهو إمام للجالية كلها، وليس لبعضها دون البعض.
8- الوضوح والصراحة والمكاشفة بين الإمام والإدارة والجالية، فهذا الوضوح في وظيفة كل طرف منهما، يجعل كل فرد يعرف حدوده دون مداخلة، فلا تتدخل الإدارة في عمل الإمام، طالما أنه ملتزم بما اتفقوا عليه، والعكس، فحينما يغيب الحوار، وتتداخل الأعمال، وكل يدعى أحقيته بها، تنشأ الخلافات التي لا تجد لها حلاً إلا من خلال العودة إلى الحوار والوضوح والمكاشفة.
كما ينبغي أن تكون اللائحة الداخلية للمسجد تنص على تفاصيل عمل الإمام، من البداية حتى النهاية، ويوضع تفصيلاً دقيقًا لذلك في العقد الذي بين الإمام والإدارة، وهذا يغلق باب التداخل والخلاف بين الطرفين.
9- أقترح أن تقوم إحدى المؤسسات الدعوية، بعمل ورقة عمل، لتحديد عمل الإمام، ومساعده، أو مقيم الشعائر، وتحديد الأعمال الأساسية، والأعمال الثانوية، ووضع خطة دعوية، ونظامًا لتقييم الأعمال، وقياس مستوى تقدم المركز أو تأخره، وتنشر هذه الورقة بين المراكز الإسلامية، كمرجعية يمكن الاستفادة منها عند الحاجة، فلا شك أن ذلك يُوفِّر كثيرًا من الوقت والجهد، وتتلاشى كثيرٌ من المشكلات المستقبلية.
10- تضم المراكز الإسلامية عددًا كبيرًا من أصحاب الخبرة، والمواهب الدعوية، ومثل ذلك من العدد، بلا خبرة وبلا مواهب، حيث جاءت بهم المعارف والوسائط إلى الغرب، ليعلموا في المراكز الإسلامية بالحد الأدنى من الدراسات الشرعية، والخبرة العملية، وقد يسكت بعض الناس عن بعضهم لمواقف إنسانية.
ومن ثم يجب على القائمين على المساجد والمراكز الإسلامية، إخلاص النية في اختيار الإمام المناسب، الذي يحقق أهداف الجالية المسلمة في الغرب، فاستقدامه وتعيينه يكون على حسب الكفاءة، ويقوم بأداء عمله على أحسن وجه، فيبعدون أنفسهم عن المجاملات للأقارب والمعارف، فهي أمانة ومسئولية أمام الله تعالى.
لقد رأيت أحدهم أتى بقريب له، وهو حديث عهد بالتخرج، ليست لديه خبرة في ميدان الدعوة، ولا يحفظ القرآن، ولم يمارس الخطابة من قبل، وظل يبحث له عن عمل في المساجد، ولم يجد من يقبله، لضعف مستواه، وليست لديه أية خبرة في ميدان الدعوة، فمن المسئول عن هذا المشهد الذي يتكرر بين الحين والحين؟.
الفرق بين عمل الإمام في الشرق والغرب:
1- لا يزال عمل الإمام في الشرق المسلم أكثر استقرارًا وطمأنينة منه في بلاد الغرب مع الأقليات المسلمة، وذلك لأن الدولة هي التي تقوم على توظيفه، وهي التي تدفع له راتبه ومعاشه الشهري، وهي التي تحدد له ضوابط عمله، حيث يقوم بأعمال ثابتة طوال الأسبوع، وهناك آلية معينة لمتابعته في أداء عمله، وترقيته حسب اجتهاده ونشاطه.
كما أن الدول لا تستطيع أن تقوم بفصله من عمله، إلا إذا ارتكب ما يخل بقوانين العمل المعروفة لدى الجميع، وبالرغم من ضعف راتبه المادي، مقابلاً بما يتعاطى نظيره في الغرب، إلا أنه لا يزال يشعر بالحرية والاحترام والتقدير، من رؤسائه، ومن جمهوره الذي يستمع إليه.
فلا يزال الدعاة الذين يتخرجون من الأزهر في مصر، ومن الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي، يشعر الناس نحوهم بالتقدير، وذلك لحب الناس للأزهر بصفة خاصة، ولتاريخه ودوره في مواجهة المحتلين، والوقوف أمام الظالمين، وكذا حب الناس للدعاة بصفة عامة.
2- أما الإمام في الغرب، فلا يشعر بالأمن والاستقرار في أدائه لوظيفته؛ حيث يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة، بسبب أو بدون سبب، فهو يتعاطى راتبه من الجالية، حيث يقوم الناس بدفع تبرعاتهم الأسبوعية في الجمعة، أو التعهدات الشهرية أو السنوية، التي تدفع منها للإمام راتبه، وهذا له أثر سلبي على أداء الإمام، كما أن الإمام يشعر بعدم الطمأنينة في وظيفته، خاصة إذا خالف مدير الإدارة في رأي يراه، فقد يسعى المدير إلى إقصائه، من خلال خطة معلومة لدى الجميع، فيخبرونه بأنه لا يوجد لديهم حالياً أي رصيد من الأموال لدفع راتبه، فيضطر الإمام لترك العمل دون نقاش أو جدل، خاصة أن لديه مسئوليات نحو أسرته وأولاده، والحياة في الغرب مكلفة، فهو مطلوب منه إيجار للبيت، ومستلزمات الإعاشة، وضروريات الحياة، فكيف يقوم بهذه الأعباء وليس له مصدر مالي ثابت يقتات منه.
لقد عمل في المراكز الإسلامية عدد كبير من كبار الدعاة المشهورين في الشرق، وبعض أعضاء هيئة التدريس في أعرق الجامعات الإسلامية، ومع هذه الخبرة من العمل الدعوي، والرصيد الواسع من الثقافة الإسلامية، والعمل الميداني في مجال الدعوة، ترك كثير منهم العمل في المراكز الإسلامية، بسبب التصادم مع الإدارة أو سوء المعاملة.